حُسْن الظنّ بالله

بسم الله الرحمن الرحيم

أكثر الناس يَظُنُّون بالله غير الحقّ، ظنَّ السَّوْء، فَمَن ظنَّ بالله ذلك فما عرَفَهُ، ولا عرف أسْماءَهُ، وصِفاته، ولا عرف موجِبَ حَمْدِهِ، وحِكْمَته.

من ظن أن الله :

1. لن يرحمه أي قنَطَ من رحمة الله، وأيِسَ من روحِهِ فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء.
2. أن يُعَذِّب أوْلياءَهُ مع إحْسانِهم، وإخْلاصِهم، ويُسَوِّي بينهم وبين أعْدائِهِ، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء.
3. ومن ظنَّ أنَّ الله جل جلاله يخْلق خلْقَهُ سُدًى مُعَطَّلين من الأمْر والنَّهْي، ولا يُرْسِلُ، ولا يُنْزِلُ عليهم، كتبهُ بل يتْرُكهم هَمَلاً كالأنعام فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء.
4. ومن ظنَّ أنّ الله جلَّ جلاله لن يجْمَعَ عبيده بعد موتِهم للثَّواب، والعِقاب في دارٍ يُجازى فيها المُحْسِنُ بِإحْسانِه، والمسيء بِإساءَتِه، ويُبَيِّن لِخَلْقِهِ حقيقة ما اخْتَلَفوا فيه، ويُظْهِرُ للعالمين كلَّهم صِدْقَهُ وصِدْق رُسلِه، وأنّ أعْداءَهُ كانوا هم الكاذبين، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء.
5. ومن ظنَّ أنَّ الله تعالى يُضَيِّعُ على عبْده عملهُ الصالِح الذي عَمِلَهُ خالِصًا لِوَجْههِ الكريم على امْتِثال أمْرِهِ، ويُبْطِلُهُ عليهم بلا سبب من العَبْد، وأنَّهُ يُعاقِبُه بما لا صنيع له، لأنَّهُ قدَّر عليه ذلك قبل أن يُخْلَق، ولا اخْتِيار له، ولا قُدرة، ولا إرادة في حُصوله، بل يُعاقِبُه على فعْلِهِ هو سبحانه، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء.
6. ومن ظنَّ أنَّهُ يُجَوِّزُ عليه أن يُؤَيِّد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجِزات التي يُؤَيِّدُ بها أنبياءه ورسله، ويُجْريها على أيْديهم، يُذِلُّون بها عباده فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء.
7. ومن ظنَّ به أنَّهُ أخْبر عن نفسِه، وصِفاتِه وأفعالِه بما ظاهرُهُ باطِل وتشْبيهًا وتمْثيلاً، وترك الحق، ولم يُخْبِر به، وإنَّما رمَزَ به رُموز البعيد، وأشار إليه إشارات مُلْغِزَة، ولم يُصَرِّح به، وصَرَّح دائِمًا بالتَّشبيه والتَّمثيل الباطل، وأراد من خلْقِهِ أن يُتْعِبوا أذْهانهم، وقِواهُم، وأفْكارِهم في تَحْريف كلامِه عن مواضِعِه، وتأويلهِ على غير تأويلِه، ويتطَلَّبُ له وُجوه الاحْتِمالات المُسْتَكْرَهَة، والتأويلات التي هي بالألْغاز والأحاجي أشبَه، وأحاله في معرفة صفاتِه وأسْمائِه على عُقولِهم وآرائِهم، لا على كتابه، بل أراد منهم ألاّ يَحْمِلوا كلامه على ما يعْرِفونه من خِطابِهم ولُغاتِهم، مع قُدْرَتِه على أن يُصَرِّح لهم بالحقّ الذي ينبغي التَّصْريح به، ويُريحُهم من الألفاظ التي توقِعُهم في اعْتِقاد باطل، بل سلك بهم خِلاف طريق الهُدى والبيان، ومن ظنَّ ذلك فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء.
8. ومن ظنَّ أنَّهُ يُسَلِّطُ على رُسُلُه أعْداءَهُ تَسْليطًا مُسْتَقِرًّا دائِمًا في حياتِه وفي مماتِه، ولا يُفارِقونَهُ، فلَمَّا مات اسْتَبَدُّوا بالأمن دون وَصِيَّتِه، و ظَلموا أهل بيْتِه، وسَلَبُوهم حُقوقهم، وأذَلُّوهم وكانت العِزَّة والغَلَبة والقهْر لأعْدائِه وأعْدائِهم دائِمًا، مِن غير جُرْمٍ ولا ذَنْبٍ لأوْلِيائِه وأهل الحق، وهو يرى قَهْرَهم لهم، وغَصْبَهم إياهم حقَّهُم، وتَبْدبلهم دين نبِيِّهم وهو يَقْدِرُ على نُصْرتهم، وحِزْبُهُ وجُنْدُه فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء.
9. ومن ظنَّ أنَّ أحَدًا يشْفَعُ عنده من دون إِذْنِهِ، أو أنَّ بينه وبين خَلْقِهِ وسائِط يرْفَعون حوائِجَهم إليه، أو أنَّ أحَدًا نصَر عباده وأوْلِيائَه من دونه، ويتقَرَّبون بهم إليه، ويتوَسَّلون بهم إليه، ويَجْعَلونهم وسائط بينه وبينهم فَيَدْعونهم ويخافونهم ويَرْجونهم فقد ظنَّ به أقْبَحَ الظنّ وأسوَأهُ.

فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء

قال تعالى :

(يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)

[سورة آل عمران]

وبالجُمْلَة من ظنَّ به خِلاف ما وَصَفَ به نفْسَهُ فقد خاب وخسر.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: العقيدة – العقيدة الطحاوية – الدرس (15-20) : المشيئة والاختيار
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-06-03 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس