الله لا شيء يعجزه

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة المؤمنون، لا شيء يُعجزه لكمال قدرته، وقُدْرته مُتَعَلِّقة بِكُلّ ممكن، فما هو الممكن؟ هو كل ما سوى الله، فذات الله واجبة الوجود، وما سواه ممكن الوُجود،

فقُدْرته مُتَعَلِّقة بِكُلّ ممكن فلا شيء يُعْجِزُه لِكَمال قدْرته

صِفات الله واسماؤه تعالى مُطْلقة:

أيها الإخوة الأكارم، قد تقول: هذا القاضي عادل، لكِنَّ عَدْل القاضي نِسْبي، وقد تقول: فُلان قَوِي، إلا أنّ قوَّته نِسْبِيَّة، أما إذا نسَبْتَ إلى الله القوّة والعدْل فهي القوَّة المُطْلقة، أُوَضِّحُ لكم هذه الحقيقة، قاضٍ قضى بين الناس أربعين عاماً، فأصْدر في هذه السنوات عشَرات القرارات، فإذا كان بين هذه الأحكام والقرارات والبالغة مثلاً مائة حكم، قرار غير صحيحة فإنَّهُ يُسَمَّى عند الناس قاضيًا عادلاً! لأنَّ الأحكام التي تنْطبق على الإنسان أحْكام من نوع الأعمِّ الأغْلب، ولكن لو قلتَ: إنَّ الله عادل، فهي كلمة مُطْلقة، ولا تسْمح لك أن تعتقد طيلةَ عمر الأرض كُلِّها، وفي تاريخ البَشَرِيَّة جميعاً أنّ إنسانًا هُزِمَ حقّه، فصِفات وأسماؤه تعالى مُطْلقة،

لا شيء يُعْجِزُهُ لِكمال قدْرته:

إذا قلْنا لا يُعْجزه شيء، أيْ قُدْرته مُتَعَلِّقة بكُلِّ ممكن، وهذا إلى ماذا ينْقلنا؟ ينقلنا إلى أنَّ المُعْجزات التي وردت في القرآن الكريم يقف منها بعض ضِعاف العُقول موقف المُتَرَدِّد، يقول لك: هل يُعْقل ألاّ تحْرق النار؟! فلو عرفَ أنَّ قدْرته متعلِّقة بكُلِّ ممكن فسَتَقول: هذا مَعْقول، نحن لم نألَفْ في عاداتنا أنَّ النار لا تُحْرق، إلا أنَّهُ في عُقولنا ما دامت قُدْرة الله مُتَعَلِّقة بِكُلّ ممكن: كُنْ فَيَكون، فالبحْر أصبح طريقاً يبَساً ! والنار، يا نار كوني برْداً وسلاماً على إبراهيم ! فكلمة (لا شيء يُعْجِزُهُ)، وهذه تجعلنا لا نقف حيارى أمام آيةٍ قُرْآِنيَّة أشارتْ إلى خرْقٍ لِقَوانين الكَوْن، وهذا لا يحْملنا على أنْ نرْفض الكرامة بل نُصدِّقُها، لكن لا نرْويها، أما إذا وردَتْ في نَصِّ قرآني أو حديث صحيح فإذا رفَضْناها فقد كَفَرْنا، فأهل الكهْف ليْسوا أنْبياء، بل هم مؤمنون، وكرامتهم أنَّهم لبِثوا في كهْفِهِم ثلاثمائة سنين وازْدادوا تِسْعاً، والسيِّدة مريم ليْسَت نَبِيَّة، إنما هي صِدِّيقَة ومع ذلك أنْجَبَتْ مولوداً ذَكَراً من دون زواج، فهذا خَرْقٌ للعادات، فَكُلّما تَبَحَّرْت في معرفة قدْرة الله عز وجل رأيْت المعجزة أمراً طبيعياً مَحْضاً.
قال تعالى:

(أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً)

[سورة الطلاق]

أشْمَل كلمة في القرآن الكريم على الإطْلاق هي كلمة (شيء)، كُلُّ شيءٍ، معنوي، أو مادي، أو حيوي، أو جماد، أو ميِّت، أو حيوان، أو إنسان، كبيراً كان أم صغيراً، قريبًا أم بعيدًا، مرْئيًّا أم غير مَرْئي، كُلُّ هذا شيء، والله على كُلّ شيءٍ قدير، ومثل هذه الآية قوله تعالى:

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)

[سورة المجادلة]

تَعَلَّقَتْ قدْرته بِكُلّ ممكن:

قال تعالى:

(أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

[سورة الطلاق]

وقال تعالى:

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً)

[سورة الكهف]

أما كلمة (كان) فهي تُفِيدُ علاقة رائِعَة جداً ! فقوله: كان الله، هذه الصِّفَة متعلِّقة مع وُجود الله عز وجل تلازما ترابطيًّا وُجودِياً، أي منذ أن كان الله تعالى كان عليماً، وكان حكيماً فإذا قرَأتَ القرآن الكريم، وقرأتْ قوله تعالى:

(وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً)

[سورة الفتح]

انْتَبِه إلى هذه العلاقة إذا جاءَتْ صِفات الله بعد كان معنى ذلك أنَّ هذه الصِّفَة مُترابطة مع المَوْصوف ترابطًا وُجوديًّا!

النفْيٌ المُتَعَلِّق بِذات الله هَدَفُه إثْبات كمال الضِدّ:

قال تعالى:

(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً)

[سورة فاطر]

أيها الإخوة، هذه الآية كم تَبُثّ في الإنسان من طمأنينة ومن أمَل؟! لو أنَّ عبدًا مرِض مرضاً عُضالاً، فما دام الله تعالى على كُلِّ شيء مُقْتَدِراً،
قال تعالى:

(وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)

[سورة البقرة]

يؤوده يعجزه، ومعنى هذا يُثْقِلُهُ ويُعْجِزُه،
وحينما يرِدُ في القرآن الكريم نفْيٌ مُتَعَلِّق بِذات الله فهذا النَّفْي هَدَفُه إثْبات كمال الضِدّ، فحينما ننفي عن الله جَلَّ جلاله شيئاً فَلِنُثْبِتَ كمال ضِدِّه، فما كان ليعجزه من شيء في السماوات والأرض، وكذا لا يؤوده حفظهما، فهذا النَّفي لثبوت كمال الضدّ، فَكُلٌّ نفْي يأتي في كتاب الله عز وجل، وفي السنَّة المطهَّرة فهو لِكَمال الضدّ،
فقوله تعالى:

(وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)

[سورة الكهف]

أي لِكَمال عَدْله،
وقوله تعالى:

(وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)

[سورة يونس]

لِكَمال علمه،
وقوله تعالى:

(لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)

[سورة البقرة]

لِكَمال حياته، وَقَيُّومتِه،
وقوله تعالى:

(لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)

لِكَمال جلاله وعَظَمَتِه.
وعندما نقول:

ولا شيء يُعْجِزُه

فَنَفْيُنا العَجْز من أجْل أنْ نُثْبِتَ كمال القدْرة، ما هو ضدّ العَجْز؟ القُدْرة المُطْلقة،
المُقْتَدِر اسْمُ فاعل مِن اقْتَدَر، أما قدير فهي صيغة مُبالغة اسم الفاعل، مِن قَدَر يقْدِرُ فهو قادر، فهو فيه المبالغة، ولكن اقْتدر غير مُبالغ به، فالفرق بين قدر واقْتدر كالفرق بين كتب واكْتتب، فَكَتَبَ يدلّ على الكتابة، أما اكْتتب يعني أنَّهُ جعل الكتابة حِرْفَةً له.

الله والعقل:

القضية الأولى: لماذا التفكر بذات الله مُهلك؟

وبالمناسبة كما تعْلمون ممنوع أنْ نُفَكِّر بذات الله بِنَصِّ السنَّة النَّبَوِيَّة لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

تَفَكَّروا في مخلوقات الله، ولا تفكَّروا في ذاته فَتَهْلكوا

[ذكره ابن كثير في تفسيره (4/260)]

هذا العقْل البشري جهاز اسْتِدلال له مجال مُحدَّد فَحيثما أعْمَلْتَهُ في مجاله المُحَدَّد أعْطاك نتائِج رائِعة، وما أرْوَعَها !! أما إنْ أعْملته في مجال آخر حَطَّمْتَهُ ولم يُعْطِكَ شيئاً من النتائج، كالميزان المُحَدَّد ليزِن من خمْس غرامات إلى خمْس كلغ فإن وزَنْتَ به مائة كلغ حَطَّمْتَهُ، فالعقْل كذلك مجاله المَحْسوسات، وهو بِشَكْل مُخْتصر جهاز ينقلك من المَحْسوس، إلى المُغَيَّب عنك، أبْسط مثل: رأيت وراء جدار دخانًا، فَعَقْلك يقول: لا دُخان بلا نار، فأنت لم ترَ النار، ولكن رأيت الأثر، ويجب أن تعتقد أنَّه ما دام هناك شيءٌ مادِيٌّ أو أثره أمام عَيْنَيْك فالعقْل يعْمل، فإذا انعدم الأثر فإنَّ العقْل لا يعْمل لذلك الشيء الذي لا أثر له، وليس هناك من سبيل لِتَصْديقه إلا الخبر الصادِق، فالآثار هي الكون، فإذا فَكَّرْت في الكون عَرَفْتَ الله عز وجل، أما إذا تَوَجَّهْت إلى ذات الله عز وجل وقلت: كيف يعْلم؟ ما طبيعة قدرته؟ كيف كان ولم يكن معه شيء؟ إذا خُضْتَ في هذا المجال أحْرَقْتَ هذا العَقْل ولم يُعْطِكَ أيَّة نتيجة، أحدُ أسْباب الهَلاك التَّفَكّر في ذات الله عز وجل.
والنُّقطة الثانِيَة: كُلّ حقيقةٍ يعْجز عقْلك عن إدْراكِها أخْبرك الله بها رَحْمَةً بك، فالآن إذا أخبرك الله عن شيء يعْجز عقْلك عن إدْراكه وتَرَدَّدْتَ في قَبول هذا الشيء يجب أن تُعيد إيمانك بالله تعالى، أمّا إذا جعلْت عقْلك حَكَماً على إخبار الله فقد كَذَّبْت الله جلَّ جلاله، ينبغي أن يكون أمْرُ الله وإخبارُه لك حَكَمًا على عَقْلك،
قال بعض العلماء:

عَقْلك حِصانٌ تَرْكبه إلى باب السُّلطان، فإذا دَخَلْتَ دَخَلْتَ وحْدك

أقرب مثل: إنسانٌ مريض معه قَرْحة، وحريصٌ على سلامة صِحَّتِه حِرْصاً لا حدود له، سأل عن طبيب شهير في أمراض الهَضْم، وسأل عن أحوال الطبيب، من تديّن، وإخلاص، وشهادات، إلى أنْ هداهُ عقْله واسْتِقراؤه، وأسْئلته، وكلام الناس، والتَّحْقيقات إلى معرفة الطبيب بشكل كامل، فإذا دخل الآن إلى هذا الطبيب ينبغي أن يُعَطِّل عقْله، لماذا؟ لأنَّ عقْله هو الذي أوْصله إلى هذا الطبيب، فإذا قال له هذا الطبيب: اترك هذا الطعام، وقال المريض: لستُ قانِعاً بذلك، فقد أخطأ فأنت كذلك عقْلك أوْصلك إلى الله، والله تعالى أوْحى إلى نَبِيِّه، فلو أردْتَ أن تُحَكِّم عقْلك في وحي الله تعالى لِنَبِيِّه الكريم فكأنَّك تُكَذِّب الله عز وجل.

القضية الثانية: المشكلة تكمن بنقل قضية من الإخباريات إلى المَعْقولات:

ويا أيها الإخوة، أقول ولا أُبالغ: إنّ أكثر مُشْكلات الناس أَنَّهم نقلوا قَضِيَّة من الإخباريات إلى المَعْقولات، بادئ ذي بدء أيّةُ قضِيّة تُعْرض عليّ فهذه إنْ كانت مِن المعقولات أُفَكِّر بها، وإنْ كانت مِن الإخباريات أُسَلِّم بها، كعالم الجن، والملائكة، والبرزخ، والصِّراط، والجنَّة والنار، أمّا ذات الله فهذه الموضوعات لا يجوز أن تدخل في إطار البحث العَقْلي، والعقل ينتقل من الأثر إلى المؤثر، ومن الكون إلى المُكَوِّن، ومن النِّظام إلى المُنَظِّم ومن الخلق إلى الخالق، وهذا هو كلّ ما في الأمر.
صاحب بقاليَّة عنده ميزان يقوم بوزن الأشياء التي يبيعها، صاحب البقاليَّة هذا عنده سيارة، فهل يزِنُ سيارته بِميزان بقاليَّتِه؟! يسأل الصانع عن وزْن هذه السيارة لأنَّ ميزان البقالي يعْجز عن وزْن السيارة، فالشيء الذي يعْجز عقْلك عن إدْراكه أَخْبرك الله به، فأنت كمؤمن لا ينبغي أن تُسْتَجَرّ إلى مناقشة قَضِيَّة إخْبارِيَّة، لأنَّ أعداء الدِّين أين يكْمُن خُبْثهم؟ يقول أحدهم: أخي أثبتْ لي أنَّهُ يوجد جنّ، وفِعْلاً لا دليل عقلي على إثبات الجنّ، وإنَّما الدليل إخباري، ونحن لما آمنَّا بالله خالقاً، ومُسَيِّراً، وموجوداً، وواحداً، وكاملاً، وآمنَّا بِكلامه ونَبِيِّه، فالقرآن هو الذي أخبرنا بذلك، فأنت لا تسْمح لِنَفْسك أن تُناقِش قَضِيَّة إخباريَّة مع أعداء الدِّين، لأنَّهُ لا يوجد دليل عقْلي، ولا مادِّي، إنما الدليل إخْباري، فهذه النقْطة مُهِمَّة جداً جداً في علاقتك مع الآخرين، فحينما تنْقل قَضِيَّة إخباريّة نقليَّة سَمْعِيَّة إلى مجال عَقْلاني تُخْفِق، فالإنسان حينما تُسَوِّلُ له نفْسه أن يجعل عقله حَكَماً على قَضِيَّة إخبارِيَّة فقد وقع في خطأ كبير
قال تعالى:

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5))

[سورة الفيل]

أنتم جميعاً، هل رأى أحدٌ منكم ما فعله الله بأصحاب الفيل؟ لا أحد رأى ذلك، فكيف يقول الله عز وجل: ألم ترَ؟ ألم تُصَدِّق؟ أمَعْقولة هذه ‍! قال علماء التَّفْسير إخْبار الله بِمِصْداقِيَّتِه كأنَّك تراها، إلهٌ يُخْبِرُك،

القضية الثالثة: أُثْبِاتُ عدالة الله بالعقل؟

ولذلك ننتقل إلى موضوع ثان، وهو أنَّ أكثر الخِلافات جرت حول إثبات عدالة الله، هناك من يسْلك طريقًا شائكًا، وطويلًا، ومُعَقَّدًا، كيف أُثْبِتُ عدالة الله؟ فالله تعالى لو يعْلم أنَّ هذا الذي خلقه سيكون مصيره إلى النار فلماذا خلقه؟!! يقول المضطرب: ينبغي ألاّ يعْلم !! فإذا نَفَيْنا عن الله تعالى العِلْم وَقَعْنا في مُشْكلة كبيرة جداً،
والله تعالى يقول:

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)

[سورة المجادلة]

فأنت لا تسْتطيع أن تُثبت عدالة الله عز وجل بِعَقْلِك إطْلاقاً إلا أن يكون لك عِلْمٌ كَعِلْم الله تماماً حينها تُثْبِتُ عدالة الله بِعَقْلك ولكنَّ الله تعالى أخْبرك بمئات الآيات أنَّهُ عادل، أفلا تكْفيك هذه؟!
قال تعالى:

(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)

[سورة لقمان]

وقال تعالى:

(أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)

[سورة التوبة]

وهي أعلى آيات التوحيد، كُلّ هذه الآيات ألا تكْفي؟ أنا الذي أعْجَبُ له أنَّ الإنسان يُريدُ أنْ يُثْبِتَ كمال الله عز وجل بِأُسْلوبٍ لا يُرْضي الله، فالله أخْبرك أنَّهُ لا يظْلمُ أحداً، أما أن تُثبت العدالة بِعَقْلك، فإنّ عقْلك لا يسْتطيع، فالإنسان يرى زلازل، وفيضاناتٍ، وشُعوبًا مَقْهورة، وأمراضًا وبيلة، لو كُشَفَ الغِطاء لاخْتَرْتم الواقع،
يقول الإمام عليّ كَرَّم الله وجْهه:

والله لو كُشِفَ الغِطاء ما ازْدَدْتُ يقيناً

فاليقين قبل كَشْف الغِطاء بعدالة الله كيَقينه بعد كشْف الغِطاء،

فهم الإخباريات بعد الإيمان بالله:

أيّة قَضِيَّة في الدِّين اُنْظر إليها: فهل تُصَنَّف مع المعْقولات أم مع الإخباريات ؟ فإياك أن تنقل قَضِيَّة من الإخباريات، أو المسْموعات، إلى مجال المعقول فلن تُفلح، ولذلك فأنت تسْتطيع أن تُناقش أيّ إنسان في المعقولات، أما في المسموعات فقُل له: ستعرفها وتفهمها بعد أن تؤمن بالله، وبِكماله، وبأسمائه الحُسنى، وبِنَبِيِّه المرسل، فكلّ شيء في الغرفة التي أنت فيها خاضِعٌ للنظر، والتأمّل، والتقييم، ولكن في الغرفة الأخرى التي لا نراها خاضع للإخبار فقط، فالشيء الذي لا تستطيع حواسّك أن تصِلَ إليه فلك سبيل واحد لمعرفته، هو الإخبار، والشيء الذي لا يَقْوى عقْلك على بُلوغه فليس أمامك من سبيل إلا أن تُصَدِّق الله عز وجل، فقولك: لا أدري تجعلك في أعلى درجات العِلْم، فَسُؤال مُتَعَلِّق بذات الله عز وجل، جوابه: لا أدري،

وعَيْنُ العلم بالله عين الجهْل به، وعيْنُ الجهْل بالله عَيْنُ العِلْم به

فلو سُئِلْتَ عن حجم البحْر المتوسِّط، وقلت: لا أدري، فأنت عالم، أما إن أجبْتَ بِعَدد فأنت جاهِل، العَجْزُ عن إدراك الإدراك إدْراك،
فلذلك أحد العلماء لما جاءهُ وَفْدٌ من مكان بعيد في زمن لم تكن فيه الاتصالات متوفرة، ولديهم ثلاثين سؤالاً، فأجاب عن سبْعة عشر، وأما الباقي فقال: لا أدري، فقالوا: أنا الإمام لا تدْري ! فقال: قولوا: الإمام لا يدري،
فالجواب بلا أدري أمر لا يُقَلِّل من قدْرك بل يرْفعه.

لماذا علم الكلام ليس الأكمل كمصدر للعقيدة؟

الأكمل أيها الأخوة أن ندْرس العقيدة من الكتاب والسنَّة، لأنَّ عِلْم الكلام ليس عربياً ولا إسلامياً ولأنَّه هَجين، وهو مُعَقَّد جداً والدِّين بالأساس بسيط، وعملِيَّة تعْقيد الدِّين هي عَمَلِيَّة ليْسَتْ مشْروعة، والدِّين آيةٌ واضِحَة كالشِّمْس، وحديثٌ واضِحٌ كالشِّمْس،
قال عليه الصلاة والسلام:

تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ

[رواه ابن ماجه]

فَعِلْم الكلام جَعْل الدِّين مُصْطَلحات، ومُعادلات، وأَقْيِسَة مُبْهمة، أنا أرى أنّ هذا ليس في صالح الناس اليوم، ومنهج اقْتِباس العقيدة من الكتاب والسنَّة هو الأكمل، وأن تبقى في حدود الأدب النبوي حيث وصف النبي عليه الصلاة والسلام ربَّهُ.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: العقيدة – العقيدة الطحاوية – الدرس (01-20) : لا شيء يعجزه
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-02-04 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس