الله قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى:

(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)

[سورة الحديد]

وقول النبي عليه الصلاة والسلام في دعائِه الشريف:

اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ

[رواه مسلم]

ولازلْتُ أؤكِّد حقيقةً، أن نسْتنبط العقيدة بِبَساطةٍ، وبِيُسْرٍ من كلام الله عز وجل، ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لأنَّ في كلام الله تعالى من الدِّقَّة والوُضوح والإيجاز ما يُغْني عن كُلِّ تفْصيل.

الإنسان بِفِطْرتِه يعْتَقِد أنَّ الله هو الأوّل بلا ابْتِداء، وهو الآخر بلا انتِهاء:

قال الإمام الطحاوي:

والعِلْمُ بِثُبوت هذين الوَصْفين مُسْتَقِرٌّ في الفِطَر

أيْ أنَّ الإنسان بِفِطْرتِه يعْتَقِد أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الأوّل بلا ابْتِداء، وهو الآخر بلا انتِهاء فَمَعنى مُسْتَقِرٌّ بالفِطَر أي أنَّ الإنسان أحْياناً يؤمن بالشيء من دون دليل فإذا آمن بالشيء من دون دليل فهذا اسْمه إيمان فِطْري، فلو أنَّك قرأت القرآن الكريم شعَرْتَ أنَّهُ كلام الله، وهذا الشعور أساسه أنّ فِطْرتك مجْبولةٌ على الإيمان بالله تعالى، ضَرَبْتُ مرَّةً مثَلاً وقلتُ: لو أنَّنا جئْنا بخارِطة ذات بُعد ثالث، ووضَعْناها ضِمن إطار خَشَبي، ثمَّ صَبَبْنا عليها جِبْصيناً سائِلاً إلى أنْ جفَّ، لوجدنا تطابقًا تامًا على مُستوى مِعْشار المليمتر على الخارطة البارزة والمُجَسَّمة وبين هذا القالب.
أيها الإخوة، النَّفْس البَشَرِيَّة في تطابقها مع الشرْع الحنيف ومع الدِّين لا تعْدو على أن يكون التطابق تاماً! فأنت متى ترْتاح؟ إذا عرَفْتَ الله ومتى تسْتَقِرُّ نفْسك؟ إذا اتَّبَعْتَ منهجه، ومتى تطْمَئنّ؟ إذا ذَكَرْته، ومتى ترْكن؟ إذا اعْتَمَدْتَ عليه، ومتى تشْعر بالأمْن؟ إذا أطَعْتَهُ، معنى ذلك أنّ الفِطَر مَجْبولةٌ على الإيمان بالله والاسْتِعاذة به واللُّجوء إليه، مثَلٌ آخر أقرب، هذه المرْكبة صُنِّعَت لِتَسير على طريق مُعَبَّد، فإذا سارَت في طريق وعْر لم تقْطف ثِمارها، وتَكَسَّرَتْ، فهذه المركبة لهذا الطريق.

الموجودات لا بدّ أن تنتهي إلى واجب الوُجود:

أيها الإخوة، العِلْم بِثُبوت هذين الوَصْفَيْن مُسْتَقِرٌّ في الفِطَر، وكُلُّكم يعْلم أنَّ هناك خالِقاً، وهناك ما سِوى الخالق، فما سِوى الخالق هي الموجودات، من كون وسماوات –
قال: فإنّ الموجودات لا بدّ أن تنتهي إلى واجب الوُجود بِذاته قطْعاً للتَّسَلْسُل،
فما معنى هذا الكلام؟ يعني إذا قلنا: مَن خلق هذا الكون؟ قلنا: خلقه إلهٌ، ومن خلق هذا الإله؟ خلقه إلهٌ آخر، ومَن خلق هذا الآخر؟ حلقة مُفْرَغَة، ونقع فيما يُسَمَّى التَّسَلْسُل غير المُتناهي، فلا بدّ إذًا أن نقْطع هذا التَّسَلْسُل، وهكذا يُقِرُّ العقل أنَّ برهان التَّسلسل يعني أنَّهُ لا بدّ في النِّهاية من خالقٍ لا يحْتاج إلى مَن يخْلُقُه، وما سِوى ذلك مَخْلوقون، هذه الموجودات يجب أن تنْتهي إلى واجب الوجود بِذاته، مثل أقرب من ذلك أن نقول: من أين هذه البيضة؟ من الدجاجة، ومن أين هذه الدجاجة؟ من البيْضة، ثمَّ نبقى نُكَرِّر هذا الحدث، فلا بدّ أن ننتهي إلى أنَّ هناك دجاجة خلقها الله مباشرةً هي التي أخْرجت بيْضةً، والدجاجة هي التي خرجت من هذه البيْضة أما أن نسْتمِرّ إلى ما لا نِهاية، فهذا تَسَلْسل غير متناهٍ، فلا بدّ من قَطْع هذا التَّسلْسل، والعقْل لا يقبل تسَلْسُلاً لا نِهائيًّا، فالتَّسلْسُل حاصِل، أما التَّسلسل اللانِهائي فمَرْفوض.

واجب الوُجود بِنَفْسِه لا يقبل العَدَم، فلا يُمكن أن يسْبقه عَدَم:

قال: فإنَّنا نُشاهد حُدوث الحيوان أمام أعيُنِنا، فالذي عنده هِرَّة قد يسْتيْقِظ أحْياناً، وقد ولَدَتْ له هرر كثيرة، وكذا النبات، وحوادِث الجوّ كالمطر، وغير ذلك، وهذه الحوادِث وغيرها – دَقِّقوا – ليْسَتْ مُمْتَنِعَة إنَّما هي مَوْلودة، هناك حيوان يولد، ونبات ينْبت، ومطر ينزل، وبُحَيْرة تتشَكَّل، ونَهْر يُشَق، وبئر يُحْفَر، إذاً هناك موجودات، وهذه الموجودات ليْسَت ممْتَنِعة أي يُمْكن أن توجد، فإنَّ المُمْتَنِع لا يوجد، فلو أنَّها كانت ممتنِعة لم تكن موجودة، فمادامتْ ليْست ممتنِعَة فهي موجودة وليْسَت واجِبَة الوجود لِنَفْسِها، فأيّ شيءٍ موجود إلا أنّه لا يسْتطيع أن يخْلق ذاته بِذاتِه، فإذا قلنا ممتَنِعة أي غير موجودة، وإذا قلنا موجودة معنى ذلك أنَّها لا توجد بِذاتِها، قال: فإنّ الممتنِع لا يوجد، وليْسَت واجبة الوُجود بِنَفْسِها، فإنَّ واجب الوُجود بِنَفْسِه لا يقبل العَدَم، فلا يُمكن أن يسْبقه عَدَم، وهذه الأشياء كانت مَعْدومة ثمَّ وُجِدَت، فَعَدَمُها ينْفي وُجودها بِنَفْسِها، ووُجودها ينفي امْتِناعُها، وما كان قابلاً للوُجود والعَدَم لم يكن وُجوده بِنَفْسِه، إذاً ما سِوى الله تعالى موجود، وليس مُمْتَنِعًا، وما سِوى الله تعالى موجودٌ، ولكن ليس بِذاتِه، والسَّبب أنَّهُ سبقه عدم، ولو كان هذا الموجود واجِباً بِذاته لما سَبَقَهُ عَدَم!
كما قال تعالى:

(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)

[سورة الطور]

هذه الآية النَّيِّرَة والمُشْرِقَة والواضِحَة الدلالة، هل هم أوْجَدوا ذاتهم بِذاتِهم؟ لا،

الموجود يحتاج إلى واجب الوجود قَطْعاً للتَّسَلْسُل:

فهذا الموجود يحتاج إلى واجب الوجود قَطْعاً للتَّسَلْسُل، وهذا الموجود لا يُعقل أنَّهُ وُجِدَ بِذاته والدليل أنَّهُ لا يسْبِقُهُ عدم، إذاً كلّ هذا الكلام الذي غاص فيه المُتَكَلِّمون مُلَخَّصُه قوله تعالى:

(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)

[سورة الطور]

أَحَدَثوا من غير مُحْدِث، أم هم أحْدثوا أنفسهم؟ والمعلوم قطْعاً أنَّ الشيء المُحْدَث لا يوجِدُ نفْسه فالممكن الذي ليس له من نفْسه وُجود ولا عدم لا يكون موْجوداً بِنَفْسِه بل لا بدّ من جِهَةٍ توجِدُه، وإلا كان معْدوماً، وكلُّ ما أمكن وُجوده بَدَلاً من عدمه، وعدمه بَدلا من وُجوده، فليس له من نفسِه وُجودٌ ولا عدم لازِمٌ له، فالكون موجود وليس مُمْتَنِع، ولكنَّ هذا الوُجود ليس بِذاتِه إذاً هذا الموجود لا بدّ له من واجب الوُجود قطْعاً للتَّسَلْسُل، وهذا الكلام يندرج كلَّه تحت قوله تعالى:

(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)

[سورة الطور]

أحياناً يُغرم الإنسان بِكُتب بعيدةٍ في منهجها عن منهج الله تعالى،
يقول الله عز وجل:

(وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً)

[سورة الفرقان]

لذلك فالإنسان إذا وُفِّق إلى اتِّباع منهج القرآن في العقيدة فقد وُفِّقَ:
أوَّلاً: إلى عقيدَةٍ صحيحة، ثانِياً: واضِحَة، ثالثاً: بسيطة، رابِعاً: يُمكن أن يحْفَظَها من دون تَعْقيد.

القديم ليس من اسماء الله الحسنى:

الله سبحانه وتعالى أوَّلٌ بلا بِداية، والآخر بلا نِهاية، علماء الكلام اصْطَلَحوا على تَسْمِيَة هذه الصِّفة في ذات الله عز وجل أنَّهُ تعالى: القديم، لكن ينبغي أنْ تعْلموا أنّ اسم القديم ليس من الأسْماء الحُسنى التي وَرَدَت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ليس كلّ فعْل من أفعال الله عز وجل لنا الحقّ أن نسْتنبط منه اسْماً من أسْمائه عز وجل.

كلمة القديم في اللغة:

أيها الإخوة تَعالَوا إلى لُغَة العرب، ألم يقل الله عز وجل:

(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)

[سورة الزخرف]

ماذا تعْني هذه الآية؟ وماذا تعْني الآية الأخرى:

(بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)

[سورة الشعراء]

معنى ذلك أنَّ هذا القرآن نزل بِلُغَة العرب، وينبغي أن يُفْهَمَ وَفْق لُغَة العرب، لذلك التَّمَكُّن من لغة العرب أحد الأدوات التي لا بدّ منها لِفَهْم كلام الله عز وجل، (القديم) في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المُتَقَدِّمُ على غيره، فيُقال قديمٌ للشيء العتيق، وهذا حديثٌ للشيء الجديد، ولم يُسْتعْمل هذا الاسم إلا في المُتَقَدِّم على غيره، لا فيما لم يسْبِقْهُ عَدَم،
قال الله عز وجل:

(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)

[سورة الحديد]

فكَلِمَة أوَّل أصَحُّ من كلمة قديم، فالقديم في اللُّغة هو الشيء المُتَقَدِّم على غيره، فالله عز وجل لم يسْبِقه عدم، لكن أيُّ شيء جاء قبل شيء نقول: هذا قديم، وهذا جديد، والدليل قوله تعالى:

(وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ)

[سورة يس]

العُرْجون القديم الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فقد يبقى عرجون النَّخل إلى العام القادم، ويظهر عرجون جديد، فنُسَمِّي الأوَّل قديماً، ونُسَمِّي الثاني جديداً، فمعنى القديم الشيءُ الذي تَقَدَّمهُ شيء،
قال تعالى:

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ)

[سورة الأحقاف]

أي مُتقدِّم في الزمان،
قال تعالى:

(قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ)

[سورة الشعراء]

فالأقْدمي مبالغة في القِدم،
قال تعالى:

(يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ)

[سورة هود]

فالقدَم سُمِّيَت قَدَمًا لأنَّها مُتَقَدِّمة، وكلكم يعلم أنَّهُ في اللغة العربيَّة شيء اسمه التَّثْليث ؛ وهو أن تقول: قَدَمَ وقَدِمَ وقَدُمَ، فمعنى قَدُمَ أصبحَ قديماً، ومعنى قَدِمَ أي حَضَر، ومعنى قَدَمَ أي أنَّهُ سبقه بِقَدَمِه،
فقوله تعالى:

(يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ)

أي يتَقَدَّمهم،
هذا أقدم من هذا، وهو يَقْدُمه، ومنه سُمِّيَت القَدَمُ قدَماً لأنَّ الإنسان يتَقَدَّمُ بها،

الله هو الأول:

وأما إدْخال اسم القديم في أسماء الله تعالى فهو مَشْهور عند أهل الكلام، ولا ريْب أنَّهُ إن كان مُسْتعْمَلاً في نفْس التَّقَدّم فإنَّ ما تَقَدَّم على الحوادِث كلِّها هو أحقُّ بالتَّقَدُّم، لكنّ أسماء الله تعالى هي الأسْماء الحُسْنى التي تَدُلّ على خُصوص ما يُمْدح به، والتَّقدُّم في اللغة مُطْلقٌ، ولا يخْتَصُّ بالتَّقدم على الحوادِث كلِّها فلا يكون من أسْماء الله الحُسْنى القديم ولكنّ الأوَّل، وهو أحْسَنُ من القديم لأنَّهُ يُشْعِرُ بأنَّ ما بعده آيِلٌ إليه وتابِعٌ له بِخِلاف القديم، والله تعالى له الأسْماء الحسْنى.

الله دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد:

قوله: لا يفْنى ولا يَبيدُ إقْرارٌ بِدَوام بقائِه سُبْحانه وتعالى، من أين أخذْنا هذه الحقيقة في عِلْم التوحيد؟
قال تعالى:

(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)

[سورة الرحمن]

وقوله تعالى:

(تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)

[سورة الرحمن]

لماذا في الأولى وَجْهُ رَبِّكَ ذو، وفي الثانِيَة تبارك اسمُ ربِّك ذي ؛ هنا السؤال؟! لأنَّ الوجه ذات، بينما الاسم عرض، فنحن نَصِفُ الذات من الوجْه، أما اسم الله عَرَض.
الإيجاز في القرآن الكريم سَمَّاه علماء البلاغة إيجازاً غَنِيًّا، أي كُلُّ الصِّفات المُتَعَلّقَة بالله عز وجل، وكلُّ الصِّفات المتعلِّقة بِكَرَمِه، ورحْمَتِه، وإحْسانِه بِخَلْقِه إكْرامٌ، فَبِهاتين الصِّفَتَيْن جَمَعْنا صِفات العَظَمة والإحْسان.
والفناء والبَيْد مُتقارِبان في المعنى، والجمع بينهما في الذِّكْر للتأكيد، وهو أيضاً مُقَرَّر بقوله: دائِمٌ بلا انتِهاء، لا يفْنى ولا يَبيدُ.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: العقيدة – العقيدة الطحاوية – الدرس (05-20) : الله قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-03-18 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس