الله قدَّر للناس أقْدارًا وضرب لهم آجالاً

بسم الله الرحمن الرحيم

الله خلق كل شيء وقدره تقديرا:

قال تعالى:

(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)

[سورة الفرقان]

فأنت ممكن أن تنشئ غرْفَةً، فلو أرَدْتَها أن تكون مرئابًا لِسَيَّارَةٍ فلها مواصفات غير بناء الغرفة، وهي أن تكون متناسبة مع المركبة، فلو أنَّها أضْيَق من عرْض المركَبَة، فهذه غير مُقَدَّرة تقْديرًا، وكذلك لو أنَّ سَقْفَها منخفض، ولو أنَّك إن دَخَلْتَ إليها لم تتمَكَّن مِن فَتْح الباب لِتَخْرُج فهي غُرْفَةٌ بُنِيَت بناءً صحيحًا، إلا أنَّ تقْديرها سيِّئٌ، فالتَّقْدير شيءٌ يخْتَلِف عن الخَلْق.
فالإنسان خلقَهُ الله، فلو أراد أن يُنَظِّفَ نفْسَه فإنّ يَدُهُ تَصِل لِكُلِّ أنْحاء جسْمِه، فلو أنَّها كانت قصيرة لَما كان هناك حَلٌّ لِهذا، ولو أنَّ الله تعالى ما خلق هذا المَفْصَل لما أمْكَنَ إلا أنْ يأكل كما تأكل الهِرَّة ينْبَطِحُ، ويلْتَقِمُ الطَّعام بِفَمِهِ! من الصَّحْن مُباشرةً، كيف تَصِلُ اللُّقْمة إلى الفَم، فالخَلْق شيء، والتَّقْدير شيءٌ آخر.

خَلَقَ الخَلْقَ بِعِلْمِهِ، وقَدَّرَ لهم أقْدَرًا

وهذا المعنى مُسْتفاد من قوله تعالى:

(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى)

[سورة الأعلى]

فَسَوَّى: أي ناسَب.
فالأشْجار لو أنَّها شامِخَة، ومَلْساء، وارتفاعها ثلاثون مترًا لاسْتَحال أن نقْطِفَ ثِمارَها، لكنّ ارْتِفاعُ الأشْجار مَعْقول، ولو أنَّها مع الأرض لكانت غير مَعْقولة فَكُلّ شيء مخلوق بِقَدَر.
قال تعالى:

(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)

[سورة الفرقان]

وقال تعالى:

(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)

[سورة القمر]

هل تُصَدِّق لو أنَّ القُدْرة على الرؤْيَة تضاعَفَت لما أمْكنك أن تشْربَ هذا الكأس من الماء! هذا الماء الصافي العَذْب الزُّلال فيه ملايين البكْتيرْيا، فلو أنَّ الله سبحانه وتعالى وسَّعَ القُدْرة على الرؤْية لرأيْتَ الكائِنات الحَيَّة، ولما أمْكنك شرب الماء، فالسَّمْع له عَتَبَة، والبصر له عَتَبَة، وأحْيانًا الإنسان إذا أكَلَ شيئًا حامِضًا، وشيئًا مالِحًا شعرَ بالحُرْقَة، ولو أنَّ الله عز وجل رفَعَ حساسِيَّة الأعصاب لغَدَتْ حياتنا جحيمًا.
وقال تعالى:

(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)

[سورة القمر]

وقال تعالى:

(مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً)

[سورة الأحزاب]

دليل الترجيح يُعَدُّ أكبر دليل على وُجود الله:

لذلك يُعَدُّ أكبر دليل على وُجود الله، دليل التَّرْجيح، وأوْضَحُ مثلٍ، أن تفتَح مفتاح الكهرباء، أليس بِإمكان الكهربائي أن يضع المفتاح على ارْتِفاعٍ كبير؟! بلى، ولكن هذا غير حكيم، أو في مكان مختفٍ! إلا أنَّ هذا المفتاح في كلّ البيوت تجدهُ معْتَدِل الارتفاع، وهذا سَمَّاهُ العلماء دليل التَّرْجيح، ولا ترْجيح بلا مُرَجِّح، وكل شيء فيه حِكْمة، أيْ أنَّ وراءهُ عقْلاً حكيمًا جعله في هذا المكان، وهذا أحَدُ أكبر الأدِلَّة التي تُؤَيِّد، أو تُؤَكِّد وُجود الله عز وجل، ولك أن تستنبط مِن خلْق الإنسان ما لا يُعَدُّ، ولا يُحْصى، عَتَبة البصر، وعَتَبة السَّمْع، والشمّ والرؤية، والإحساس، فَكُلّ شيء خلقَهُ الله بِقَدَر دقيق.

الله حدد آجال الخلق:

وضربَ لهم آجالاً

أي أنَّ الله تعالى قدَّر آجالَ الخلائق، حيث إذا جاء أجَلُهم لا يستأخرون ساعَةً ولا يسْتَقْدِمون.

1.عدم قصم الظالم فرصة لكي يتوب:

يقول الله سبحانه وتعالى:

(وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)

[سورة الشورى]

فهذه الآية أيها الإخوة، لو تأمَّلْنا فيها لذابَتْ نُفوسُنا حُبًّا لله عز وجل.
(وَلَوْلَا) كما تعلمون حرْف امْتِناعٍ لِوُجود، لولا المطر لَهَلَك الزَّرْع، فامْتَنَع هلاك الزَّرْع لِوُجود المطَر، وامْتَنَع قَصْم العباد العُصاة لِسَبَبَيْن: امْتَنَع قَصْم العباد الفجار العُصاة بِكَلِمَةٍ سبَقَتْ من ربِّك ولأجلٍ مُسَمَّى.
وهناك سؤال يطْرحه بعض الناس، فهذا الفاجر، والظالم، والعاق للوالِدَين، والذي يؤذي من حوله، وهذا الكافر، صِحَّتُهُ جيِّدة، ومالُهُ كثير، والناس يخافونَهُ، فأين الله؟ لماذا لا يقْصِمُهُ؟ هذا سؤال يَرِدُ كثيرًا؟ والجواب هو الآية قال تعالى:

(وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)

[سورة الشورى]

فما دام هذا الإنسان لم يأتي أجله، إذاً هناك فرصه في هِدايَتِهِ.
والدليل قال تعالى:

(وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)

[سورة هود]

وما دام أنَّ الإنسان يعيش، معنى ذلك أَنَّهُ أُعْطي فُرْصَةً لِيَتوب، وعندي ألف قِصَّة حول هذا الموضوع، فهناك مَن يرْتَكِب أكبر الكبائر، يا ربّ لماذا لم تَقْصِمْهُ؟ ثمَّ تُفاجأ أنَّه تاب إلى الله! معنى ذلك أنّ عِلْمَ الله لِصالِحِك، عَلِمَ فيك الخَيْر فأَعْطاك فُرْصَةً لِتَتُوب، وهذا شيءٌ دقيق جدًا، قال تعالى:

(وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)

2.الله يُمْهِل ولا يُهْمِل:

ما هذه الكلمة؟ أنَّ رحْمة الله سَبَقَتْ غَضَبَهُ، ليس القَصْد أن يُعَذِّبَهم، ولا أن يَقْصِمَهم، ولا أن يُقيمَ عليهم الحُدود، لا، ولكن القَصْد أنْ يَرْحَمَهم، فالأب الرَّحيم يَغُضُّ بصَرَهُ عن تِسْعَة أخْطاء، ويُحاسِب على العاشِرَة، ولأنّ الله سبحانه وتعالى رحْمته سَبَقَت غَضَبَهُ.
قال تعالى:

(وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى)

[سورة طه]

عِقابُهُم وَقَصْمُهم، ولكان لِزامًا إهْلاكهم.
قال تعالى:

(إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)

[سورة الشورى]

أَوْضَح مَثَلٍ: طالبٌ لا يُمكِنُ أن ينْجَح، فَهَل يمكن أن يرقن اسمُه في العام الدِّراسي؟ لا، إلى أن يأتي الامْتِحان، وهذا الامْتِحان هو أجَلٌ ضُرِبَ له، وبعد الامْتِحان يرْسُب، ولكن قبْله لا يَرْسُب، وهذا حتَّى لا يكون للإنسان حُجَّة على الله.
قال تعالى:

(وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ)

[سورة فاطر]

فالله عز وجل بيَّن أنّه لا يَهْلِك إلا هالِكًا.
قال تعالى:

(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ)

[سورة الأنفال]

قال تعالى:

(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ)

[سورة هود]

فالله تعالى قَصَمَهُم، والله تعالى يقول:

(قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)

[سورة يونس]

وهذا بعد أربعين سنة حتَّى أجاب الله الدَّعوة، فالإنسان نفسُه قصير النظر، ويُريد بعد ساعات معْدودة أنْ تُحسَمُ المسألة! ولكنَّ الله عز وجل يُمْهِل، ولا يُهْمِل.
قال تعالى:

(وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لَا رَيْبَ فِيهِ)

[سورة الإسراء، مِنَ الآية 99]

أي أنَّ الله سبحانه وتعالى قدَّر آجال الخلائق حَيْث إذا جاء أَجَلُهم لا يسْتأخِرون ساعَةً، ولا يسْتَقْدِمون.

3.طول عمرك هو الأنسب لك:

إلا أنَّ هناك ملاحظة، ولأنّ الله عز وجل حِكْمَتُهُ مُطْلَقةٌ فالإنسان لو كُشَفَ له يَوْمَ القِيامة عن حِكْمَة الأَجل الذي عاشَهُ سَيَقُول: الحمد لله ربِّ العالمين، فَكُلُّ ما يقوله الإنسان مِن كلام أنّ فلانًا مات في ريعان شبابه فهذا مِن جَهْلِنا، وحِكْمَةُ الله مُطْلَقَة ولا يعْرِفُها إلا الله.
إذاً الأجَلَ الذي كتَبَهُ الله لي هو أنْسَبُ أجَلٍ، ويُؤَكِّدُ هذا دُعاء النبي عليه الصَّلاة والسَّلام.
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو فيقول:

اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي

[رواه النسائي]

4.تقصير العمر:

يجب أن تعْتَقِدُ أنّ الميِّت مَقتول بِأجَلِه، وثمة عقيدة خطيرة، وهي أنّ له أجَلاً، ولكنَّ القاتِل عدَّل له أجلهُ! هذه عقيدة فاسِدَة، فاحذَر الزللَ، فالمَقصود أنّه مَيِّتٌ بِأجَلِهِ، فَعَلِمَ الله تعالى، وقَدَّر، وقضى أنَّ هذا سيموتُ بِسَبب المَرض، وهذا بِسَبب القتْل، وهذا بِسَبب الهَدْم، وهذا بالحَرْق، وهذا بالغَرَق إلى غير ذلك من الأسباب، والله سبحانه وتعالى خلق الموت والحياة، وخلق سبَبَ الموت والحياة.
بعضهم قال بأن المَقْتول مَقْطوعٌ عليه أجَلُه، ولو لم يُقْتَل لَعاشَ إلى أجَلِه، معنى ذلك أنَّ الكافر سبق الله عز وجل، فهو تعالى قدَّر له أجَلاً! كلامٌ مُضْحِك، فالله تعالى قدَّر أجَلاً، وجاء القاتِل فَحَسَمَ هذا الأجَل قبل أوانِه‍!.
فَكأن له أَجلان، وهذا باطِل، لأنَّهُ لا يليق أن يُنْسَبَ إلى الله تعالى أن يكون جعَلَ له أجَلاً يعْلَمُ أنَّه لا يعيش له البتَّة، فإذا قلْتَ: لا يعْلم، معنى ذلك أنَّ الله تعالى جعل له أجَلاً غير حقيقيّ، يعْلم أنَّه سيُقْتَل، وجعل له أجَلاً بعيدًا، أو يجْعل أجَلهُ أحَدَ الأمْرَين، كَفِعْل الجاهل بالعواقِب، وهذا عذْر أقبَح من ذنب، ووُجوب القصاص والضَّمان على القاتِل لارْتِكابِهِ المَنهيّ عنه، وكأنَّ الله تعالى رَسَم خُطَّة والقاتِل أفْسَدَها عليه!!!

5.إطالة العمر:

وعلى هذا يُخَرَّج قوله صلى الله عليه وسلَّم: صِلَةُ الرَّحِمُ تزيد في العُمْر، أي هي سبب طول العُمْر، فهناك توجيه لطيف جدًا: العُمْر لا يزْداد زَمَنًا، ولكن غِنًى بالعَمَل الصالِح، فأنت في مَحلّ تِجاري مثلاً، هل يَهُمُّكَ كم ساعَةً فَتَحْتَ، أم كم وَجَدْتَ في الدُّرْج من الربح؟! فقيمة الأَجَل بِمُحْتواه من عَمَلٍ صالِح، هذه هي قيمَتُه! لذلك الأحاديث التي تَدْعو بِطُول العُمُر تُوَجَّه هذا التَّوْجيه، أي أن يَغْتَنِمَ هذا العُمر بالأعمال الصالِحَة.
فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن من المُعَمِّرين في العمر كزَمَن: ثلاث وستُّون سنة عاشَها صلى الله عليه وسلَّم، ووصَل هُداه إلى الصِّين وإلى فرنسا، والآن بِأمريكا، وقال لي أخٌ كان في وَاشِنْطُن: عِشْتُ هناك أمَدًا، والآن فيها سبْعة مساجِد، وفي باريس احْتَفَلوا بإنشاء المسجِد رقم ألف! ويُعَدُّ الإسلام الدِّين الثاني في البلاد، ولذلك أقْسَم الله تعالى بِعُمْر النبي عليه الصلاة والسلام.
قال تعالى:

(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)

[سورة الحجر]

6.العِنايَة بالصِحَّة وإطالة العمر:

سألني أَحَدُ الإخوة، مادام الأجَل مَحْدودًا، فَلِمَ العِنايَة بالصِحَّة؟ فقُلْتُ له: العِنايَة بالصِحَّة مِن أجل حالتَيْن: إمَّا أن تعيشَها، وأنت مريضٌ على الفراش، وإمَّا أن تعيشَها وأنت صحيحٌ! أما الأجَل فهُوَ هُوَ! فالمَرَضُ لا يُنْهي حياة الإنسان، إنَّما الذي يُنْهي حياة الإنسان هو انتهاءُ الأجَل، فَكَم مِن سقيمٍ عاشَ حينًا من الدَّهْر.
وقال تعالى:

(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)

[سورة آل عمران]

7.لن تندم على عمرك إلا ما فاتك من عمل صالح:

وأنت إذا كان عمرك ثمينًا، من طلبِ عِلمٍ، إلى عملٍ صالِحٍ، إلى عملٍ، وإلى خِدْمةٍ، ولإصْلاح بين الناس، وإيناس الزَّوْجة والأولاد، فٍجْعَل عمرك غَنِيًّا بالعمل الصالِح، لأنَّك لن تنْدم على الدنيا بِشَيءٍ إلا على ما فاتك منها من العمل الصالِح.
وربُّنا عز وجل قال:

(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)

[سورة المؤمنون]

كلمة الحق لا تقْطَعُ رزْقًا، ولا تُقَرِّبُ أجَلاً.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: العقيدة – العقيدة الطحاوية – الدرس (14-20) : قدَّر لهم أقْداراً وضرب لهم آجالاً
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-05-27 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس