الله خلق الخلق بِعلْمه

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة، هذا موضوع دقيق دقيق، وحَسَّاسٌ، لأنَّ فِئاتٍ كثيرة ضَلَّت وأضَلَّتْ، وزَلـــَّتْ أقْدامُها في هذا الموضوع.

صَلاَحِيَّة العَقْل في الاستدلال فقط:

إنَّ العَقْل مَحْدود الإمْكانات وذلك لِحِكْمةٍ أرادها الله تعالى، فأَنْ تَعُدَّ عَقْلَكَ كُلَّ شيء، وأنَّهُ بِإمْكانه أن يفْعَلَ كلّ شيء، هذه فِكْرة ساذِجة، فَعَقْلُكَ أداة مَعْرِفَة الحقائق، ولكن له طاقَةٌ مَحْدودة فَحَيْثُما وَجَّهْتَهُ إلى المادَّة لِتَخْتَبِر مُنْشِأها، وإلى الخَلْق لِتَعْرِفَ خالِقَهُ، وإلى النِّظام لِتَعْرِفَ نِظامَهُ، وإلى الفِطْرة لِتَعْرِف من فْطَرَها فحَيْثُما تَوَجَّهْتَ إلى المادَّة بِعَقْلِكَ كَشَفَ لك ما وراء المادَّة، وهذه المُهِمَّة سَمَّاها العُلماء الاسْتِدْلال، وهذه هي صَلاَحِيَّة العَقْل، تنْظر في الكون فَتَرى المُكَوِّن، وتنظر في النِّظام فَتَرى المُنَظِّم، وتنظر في الإبداع فَتَرى المُبْدِع، وتنظر في الجمال فَتَرى الجميل، وتنظر في الحِكْمة فَتَرى الحكيم.

الزلل يأتي من استخدام العقل في غير مكانه:

وإيَّاكم ثمَّ إيَّاكم أن تُحَمِّلوه ما لا يُطيق، وأن تُقْحِموه في عالَم الغَيْب، عِنْدَئذٍ يأتيكم بِنَتائِج مُضْحِكَة، لذلك الذين ضَلُّوا وأضَلُّوا ماذا فَعَلوا؟ سَلَّطوا عُقولهم على موضوعات غايتها في الدِّين الإخْبار، فأنت في دائرة الإحْساس، أو دائرة العَقْل، أو دائرة الإخْبار: ذاتُ الله عز َّوجل وأسْماؤُه وصِفاتُه، الماضي السَّحيق والمستقبل البعيد عالَمُ الغَيْب وعالَم الملائكة وعالَم الجنّ، هذه مَوْضوعات إخْبارِيَّة لا نَمْلِك فيها إلا الخَبَر الصادِق، وأيَّةُ زِيادَةٌ على الخَبَر الصادِق هي زِيادَة وَهْمِيَّة وظَنِيَّة، وليْسَت قَطْعِيَّة.
فلا ينبغي أبَدًا أن نُسَلِّطَ عُقولنا على موضوعات إخْبارِيَّة أخْبَرَنا الله بها، فلا ينبغي أن تَخُوض في موضوعات ذات الله عز وجل مُسْتَعينًا بِعَقْلِك، إذْ العَقْل هنا لا يُجْدي، ويجب أن تعرف حُدودك، فالعاقِل هو مَن يعرِف أين يقِف؟ ومتى ينبغي أن يقِفَ؟ لذلك

عَيْنُ العِلْم بالله تعالى هي عَيْن الجَهْل به، وعيْن الجهل به هي عين العِلْم به

وكلمة لا أعلم في ذات الله تعالى هي قِمَّةُ العِلْم، فلو قال لك أحد: كم مترًا بين البحر الفلاني والبحر الفلاني؟ فلو أجَبْتَهُ لكان هذا عَيْنَ الجَهْل،

والعَجْز عن الإدراك إدراك

وهو كلام سيِّدنا الصِّدِّيق، فلِذلك أيها الإخوة، أنت تبقى في أعلى درجات العِلْم، والوَقَار، والهَيْبَة، والمكانة إذا قلتَ عن موضوع مُتَعَلِّقٍ بِذات الله تعالى: لا أعلم! أما أن تَجْعَلَ مِن عَقْلِكَ أداةً تحكم به على كلّ شيء، ولو كان مُتَعَلِّقًا بِذات الله وأسْمائِهِ وصِفاتِه، فهذا تطاوُلٌ وتَألٍّ على الله، تعالى، ما أنزل الله به من سلطان، وخطأ كبير بحق نفسك لأنك استخدمت الأداة الخطأ للمعرفه بهذا الشأن، وهو ظلم كبير للعقل.

كُلَّما زِدْت في الكَون تَفَكُّرًا كلَّما زِدْت بالله تعالى مَعْرِفَة:

لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

تفَكَّروا في مخلوقات الله ولا تفكَّروا في ذات الله

لذا وَطِّن نَفْسَك على أن تَخوض في آيات الله التي تتحدث عن خَلْقِه، وأن تُمْضي حياتَكَ كُلَّها في التأمُّل في مَخْلوقات الله وعَظَمَتِها، وكُلَّما زِدْت في الكَون تَفَكُّرًا كلَّما زِدْت بالله تعالى مَعْرِفَة وإلى أسمائِه وصِفاته الفضلى، أما إذا زَلَّتْ قَدَمُك وسَلَّطْتَ عَقْلَك على معْرِفَة ذات الله، فَهُنا المشكلة، ومِن هنا أخطأ بعض الناس، وزلَّتْ أقْدامهم، حينما جَعَلوا عَقْلَهم حَكَمًا على الغَيْبِيَّات، فَكَّروا في ذات الله بِهذا العَقْل المَحدود، وأرادوا به أنْ يسْتَوْعِبوا هذا الخالق القديم، فَلِذلك هنا المُنْزَلَق، لكن، سبحان الله!‍ هناك باب واسع يُمْكِن أن يرْقى بِكَ إلى أعلى عِلِيِّين، فلو تأمَّلْتَ حِكْمَة الخالِق فيما خَلَق لرأَيتَ عِلْمًا ما بعْدَهُ عِلْم.
ولو فَكَّرْنا في عِلْم الله تعالى، ودَقَّقْنا في خَلْق الله تعالى، وفي النبات، والحيوان، والإنسان، وفي عِلْم الأجِنَّة، وفي الكَوْن، لَوَجَدْنا في عِلْم الله تعالى الشيء الذي لا يُصَدَّق!

الله يُحيطٌ بالزَّمَن لأن الله من خلقه والزَّمَن مُحيطٌ بالإنسان:

وهل الزَّمَن يُحيط بالله عز وجل؟ أم أنَّ الله عز وجل مُحيطٌ بالزَّمَن؟
الزَّمَن مِن خَلْق الله، فَنَحن كَبَشَر مَحْدودون، نقول: اليوم السَّبت، وغداً الأحد، إلخ …، ونقول: هناك شَهْر كذا وكذا، ونقول في عام ألْفَيْن! فنحن لأنَّنا ضِمْنَ الزَّمَن نقول هكذا، لكنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي خلَقَ الزَّمَن وهو من بعض خلقه،
والعلماء قالوا: إنَّ الأجسام المادِيَّة لها طول، وعرْض، وارْتِفاع، وهي الأبعاد الثلاثة، أما إذا تَحَرَّكَت أصبَحَ هناك بُعْدٌ رابِع هو الزَّمَن، فالزَّمَن هو البُعْد الرابِع، وحَرَكَة الأفلاك هي سبب تَشَكُّل الزَّمَن، فالزَّمَن بُعْدٌ مِن أبعاد الخَلْق، والله عزَّ وجل مُحيط بالخَلْق، حتَّى إنَّ هناك أشياء كما تعلمون كشَفَها أنْشتايْن، نحن أجْسام عاكِسَة للضَّوء، فَكَيْف أنّ المُذيع أمام الكاميرا تَظْهر صورته على الشَّاشَة؟ يُسَلَّط عليه عشْرة آلاف شَمْعة من الكهرباء القَوِيَّة، ويُصْبِحُ جَسَدُه عاكِسًا للضَّوء، وتخْرُج منه مَوْجات ضَوْئِيَّة، فَنَحن عندَنا مَنْبَع ضَوْئي، وعاكِس ضَوْئي، فَهذا المِصْباح مَنْبَع ضَوْئي، وهذا الكتاب مثلاً عاكِس ضَوْئي، فالمَنْبَع الضَّوئي، والعاكِس الضَّوْئي يُصْدِران أمْواجًا ضَوْئِيَّة، وهي تسير بِسُرْعَة ثلاثمائة وستُّين ألف كيلومتر في الثانِيَة! يقول أنْشتايْن: لو قُدِّرَ لإنْسانٍ أن يمْشي بِسُرْعَة الضَّوْء لما بَقِيَ هناك زَمَن! لو فرضْنا أنَّهُ لا يوجد سَقْف، وكانت هناك إضاءة، ونحن أجسام عاكِسَة تَصْدر عنها أمواج ضَوْئِيَّة نحو الفضاء الخارجي سرعتها ثلاثمائة وستُّون ألف كيلومتر بالثانِيَة، فلو ركِب إنسانٌ مَرْكَبَةً وسار مع هذه الأمواج، ماذا يحْدُث؟ يرى هذه الجَلْسَة إلى أبَدِ الآبِدين، معنى ذلك أنَّ الزَّمَن تَوَقَّف، ويكون إخواننا كَبروا، وجاءهم الأولاد، وأصبحوا دعاة، وأصْبَحوا أجدادًا، وأخونا الذي يمْشي مع الضَّوْء يرى هذا المنظَر هو هو! أما لو سَبَق الضَّوء لتراجَعَ الزَّمَن، والآن هناك دِراسات تقول: إنَّهُ يُمْكِن أن نرى معْرَكَة اليَرْموك! فلو أنَّ معركة مضى عنها مثلاً ألف سنة، فلو سَبَقْنا أمواج الضوء، واسْتَطَعْنا أن نُسَجِّل هذه الأمواج، فلو كان لنا جهاز يعْكس هذه الأشياء لرأيْناه، لذا كلّ شيءٍ يعمله الإنسان مُسَجَّل عليه، فأصْبح لدينا أنَّنا إن سبَقْنا الزَّمَن فإنَّه يتراجَع، أو إن نَسْبِقَ الضَّوء يَتَوَقَّف الزَّمَن، وإن نُقَصِّرَ عنه تَراخَى الزَّمن!
فَمِنَ السَّذاجَة وضيقِ الأُفُق أن نَجْعَلَ الزَّمَن مُحيطًا بالله عز وجل، وأن تقول: الله لا يعلم ما سيَكون! هذا الكلام بالنِّسْبة لنا، أما بالنِّسْبة لله تعالى فلا حقيقة له، لا يعلم ما سيَكون! إنَّما قوله لشيء إذا أراده: كُن فَيَكون، والزَّمَن بعض خَلْقِه،

الدليل النقلي على أن الله خلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِه:

خلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِه

خلَقَ: أي أوْجَدَ، وأبْدع، وأنْشأ، ويأتي خلَقَ بِمَعنى قدَّرَ،
الخَلْقَ: هنا بمعنى المخلوق،
بعِلْمِه: أي خَلَقَهم عالِمًا بِهم،
وقد ذَكَرْتُ لكم موضوعًا دقيقًا، وهو حينما يأتي أخٌ مِن إخواننا الكرام لِيُمْسِكَ هذا الكأس، ويَضَعه هنا، وأنا أعرف ماذا يفْعَل فهذا علمٌ، لكِنَّني إذا أمْسَكْتُهُ أنا، ونَقَلْتُه، فهذا فعلٌ لا علم، ومِن وراء الفعل علمٌ، هذا من باب أوْلى، وهو أبْلَغ، فالفِعْل فِعْلُ الله، فَكَيْف لا يعْلم مَن خلَق؟ ولا يمكن أن يكونَ شيء إلا بالله، وهو الحيّ القَيُّوم، فالحَرَكات،والسَّكنات، وكل شيء في الكون لا يقوم إلا بالله، فالإنسان إذا عَلِمَ فَهُوَ طرَفٌ مُتَفَرِّج، لكنَّ الله تعالى كيف يعْلَم؟ لأنَّه لا يقَعُ شيء إلا بِفِعْلِه، فَعِلْمُ الله تعالى إذاً لازِمٌ،والدليل القرآني قوله تعالى:

(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)

[سورة الملك]

فلو أنَّ أحدكم فرشَ بيْتَهُ، واشْترى غرفة النَّوم، وغرفة الضُّيوف، وانتَقى، وبحث في المَحَلاَّت، فهل من المَعقول أن يقول أحَدٌ: هل يعلم ماذا اقْتنى؟‍! هو الذي اشْترى، وهو الذي نَقَلَ، ورَتَّب.
وقال تعالى:

(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)

[سورة الأنعام]

تعرفون جميعًا أنَّ كلمة: وعنده مفاتِحُ الغَيْب، تختَلِف عن قول: ومفاتِح الغَيْب عنده! فالثانِيَة تعني أنَّ مفاتِحَ الغيب عنده وعند غيرِه، أما الأولى فهِيَ حَصْرًا له تعالى، لذا إيَّاك أن تتوَرَّط في حديث عن المستقبل، فإنّ الغَيْب لا يعْلمُهُ إلا الله، ولا النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلَّم يعلمه، فإن عَلِمَ غيْبًا فَمِن إعلام الله له، فقد حَدَّثنا النبي عليه الصلاة والسلام عن قِيام السَّاعة، وعلامات آخر الزَّمان، أما أن يعلم الغَيْب لذاته فهذا مُستحيل.
قال تعالى:

(عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً)

[سورة الجن]

وقال تعالى:

(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)

[سورة الأنعام]

يعلم دبيب النَّملة السَّمراء، على الصَّخرة الصَّماء في الليلة الظَّلماء

فَبَاب العِلْم يُعطيك راحة نَفْسِيَّة، والله عز وجل يعلم السرّ وأخفى،
قال تعالى:

(وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)

[سورة الأنعام]

وفي الآية ردّ على من يقول: إنَّ الله لا يعْلم، ولا يعْلم الشيء إلا بعد أن يقَع! فَعِنْدَئِذٍ ما الفرق بينك وبين الله؟!! فأنتم تروْن أنَّني أتَكَلَّم الآن، فأنتم متى علِمْتُم ذلك؟ بعد أن تَكَلَّمْتُ، فإذا كان الله عز وجل لا يعْلم إلا بعد الوُقوع، فما الفرق بيننا وبينه تعالى؟!

ليس كمثله شيء سبحانه
وكلّ شيء خطر بِبَالِك فهو تعالى خلاف ذلك

الدليل العقلي على أن الله خلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِه حيث أنَّه يسْتحيل إيجادُه الأشياء مع الجَهْل:

هذا كله بالنسبة للدليل النَّقلي، أما العقْلي فسأضْرِبُ لكم مثلاً:
مَرْكَبَة فضائِيَّة اسْتطاعَت أن تتخَلَّص من جاذِبِيَّة الأرض، هذا يعني أنَّ سرعتها فائقة وخيالية، إخواننا علماء الرياضيات يعلمون كيف تتفَلَّت المركبة من جاذِبِيَّة الأرض، فالطائرة العادِيَّة لا يمكن أن تخرق الغِلاف الجَوِّي فالأرض تجْذِبُها، أما مركبَة الفضاء التي تذهب للقَمَر فهذه انْدَفَعَت بِسُرْعَة، ولا أذْكر الآن بالضَّبْط التفاصيل إلا أنّ الأمْر على أساس الوَقُود السائل، يشْتَعِل فَتَنْدَفِع المركبة انْدِفاعًا مُذْهِلاً، ولا بدّ من سرعة عاليه جداً حتَّى تتغَلَّب هذه المركبة على جاذِبِيَّة الأرض لها، فأنت لم تَلْتَقِ إطْلاقًا بِأُناسٍ صَمَّموا هذه المرْكَبَة إلا أنَّهُ ثبتَ لَدَيْك أنَّ هناك مرْكبة انْطَلَقَت من قاعِدَة إطْلاق صَّواريخ، وسارَت باتِّجاه القَمَر، وتحتاج إلى ثلاثة أيَّام، هذا يعني أنَّ الذي وَجَّهها نحو القَمَر، أو إلى ما بعد القَمَر هذا يعني أنّه درَسَ سرعة الاتجاه نحو القَمر، ودرس السرعة التي تتفلَّت المركبة من الجاذِبِيَّة، وأثناء السَّير صار هناك تصحيح مسار، وهناك اتِّصال بين الأرض والمركبَة لاسِلْكي، ووصَلَت هذه المركبة إلى القَمَر، ومَشَت عليه، وتَجَوَّل الرُّواد عليه، فهل تَحْكم، وأنت لم تَرَهم، ولم تر خِبْراتِهم؟ هل تحكم بِعِلْمِهم، أم بِجَهلهم؟
فأن تركب طائرة تَسَع لأربعمائة راكب؟ عقلك لا يستوعب أن تسع هؤلاء الركاب! تراها وكأنَّها مدينة، ويُقَدَّم لك الطعام والشراب، وتجلس بِمقاعِد مُريحة، وعلى ارْتِفاع أربعين ألف قَدَم، شيء غريب، فهل تَحْكم على مَن صَمَّم هذه الطائِرَة بالعِلْم أم الجَهْل؟ هذا دليل عَقْلي فالذي صَمَّمها لم ترهُ، لكن ألا تحْكم له بالعِلْم، وأنت تصعد الطائرة، وهناك بخار ماء، والحرارة فوق كَم؟ الحرارة خمسون تحت الصِّفر! لذا بخار ماء المنبعث سيتجمد، وهذا يعني تجمّد الأجهزة، وعلى هذا فهناك أجْهزة تَسْخين في الطائرة، فإذا رأى انخفاض الحرارة خمس درجات يسخِّن الأجهزة كلَّها، الأمر الثاني، هل يُعْقَل على ارْتِفاع خمسين ألف قَدَم أنْ يتنفَّس الإنسان، المفروض أنْ يخرج الدَّم مِن رِجْلَيْه! ويخْتَنِق! لكنَّ الطائرة مَضْغوطة ثمانِيَة الأمْثال هواءً، حتى يتوافق الضَّغط على ارْتِفاع أربعين ألف قَدَم مع الضَّغط الذي على الأرض، ولو تَعَطَّل جِهاز الضَّغط على الطائِرَة لَوَجَب أن تَهْبِط اضْطِرارِيًّا، وقد جَلَسْتُ مرَّةً مع طيَّار، فذَكَر لي أشياء لا تُصَدَّق، والآن هناك بعض الطائرات الحديثة تنزِل بفعلٍ أوتوماتيكيٍّ، فهي تَصعد، وتَنزل على الرادار! فالقَصْد من كلامي أنَّ الذي صَمَّم هذه الطائرة ما رأَيْتَهُ، وما رأيْتَ شهاداته، أفلا تَحْكم عليه بأنَّه عالِم يقينًا! أفلا تقول: إنّ وراء هذه المهارات أدْمِغَة؟
قرأْتُ كتابًا مُتَرْجَمًا عن الطُّيور، إلا أنَّه لفَتَ نظري فيه أوّل عبارة وهي: إنَّ أعْظَمَ طائِرَةٍ صنَعَها الإنسان تبْدو تافِهَةً أمام الطائِر، فالطائر يطير سبْع عشرة ساعَة من دون تَوَقُّف! ويرى ثمانية أمْثال الإنسان، يا ربّ لماذا خَصَصْتَ هذا الطائر بالبَصَر الحادّ؟ لأنَّه يلْزَمُه كي يأكل حين ينزل من السَّماء إلى الأرض، وربما لا يجد، ثمّ يُعيد الكرَّة فلا يَجِد مثلاً لكن لمَّا أوْدع الله تعالى فيه قُوَّة الإبْصار، فهذه تَجْعَلُه يرى الأكل من بعيد، هذه هي الحِكْمة! وله غِشاء شَفّاف مُقاِوم للهواء حينما يطير بِسُرعة هائِلَة، وما دام الطائر في حركة دائِمَة فهل تُصَدِّقون أنّ الهواء الذي يسْتَنشِقُه الطائِر يسْري إلى جِسْمِه كُلِّه، فالهواء المُسْتَنْشَق يجري في قَصبات هوائِيَّة تَصل لِجَميع الجسَد، وذلك من أجْل تَبْريد العَضَلات، والله أيها الإخوة، لو قرأتُم عن الطُّيور لَوَجَدْتُم شيئًا لا يُصَدَّق، وإنًّ الطائرة لتبْدو تافِهَة أمام هذا الطائِر، فَخالِقُ الطُّيور أبْدعَ أموراً وأشياء لا تُقاسُ بأيّ اخْتِراع.
فالدليل العَقْلي على عِلْمِه تعالى أنَّه يسْتحيل إيجادُه الأشياء مع الجَهْل! يسْتحيل أن يُصَنَّعُ دواء فعَّال جدًّا من قِبَلِ رجلٍ جاهِل! ولأنَّ إيجادهُ الأشياءَ بإرادَتِه، والإرادة تَسْتَّلْزِمُ تَصَوُّر المُراد، وتَصَوُّر المُراد هو العِلْم بالمُراد، فكأنَّ الإيجاد مُسْتَلْزِمًا للإرادة، والإرادة مُسْتَلْزِمَةً للعِلْم، فأصْبَحَ الإيجاد مُسْتَلْزِمٌ للعِلْم، والعقل يقول هذا.
هناك عالِم ألماني قال: هل تؤمن أنّ انْفِجارًا حصل بِمَطبعة فَصَدَر منه قاموس: لاروس (LAROUSSE)‍! واللهِ، فالذي يؤمن أنّ هذا الكَوْن جاء بالصُّدْفة كمَن يؤمن أنّ هذه الكتب الآن جاءَت عن طريق انْفِجار مَطْبَعَة، فالفِكْرَة أنّ الوُجود يَقْتَضي العِلْم.
قلتُ لكم مرَّةً: أحْيانًا الإنسان لا تكون له علاقة بالموضوع، ولكن تكون لك حاجَة عَقْلِيَّة، فأنا كنت أُلاحظ
أن بعض جُسور فيها منَبِّهات أجراس، إن زادَت الحُمولَة على الوزن المُقَرَّر فإنَّ رنينًا يُنَبِّهُك! هذا فِكْرٌ صَمَّم هذه التَّرْتيبات، فالإنسان إذا فَكَّر وجَدَ وراء هذا التَّصْميم عَقْلاً وعلمًا .
صهاريج الوقود تَجِدها تمْشي ووراءها قطعة حديد تضرب الأرض، فما هي؟ ولماذا؟ مِن أجل امْتِصاص الشحنات السَّاكنة.
فالعَقْل البشري له مَبْدأ السَّبَبِيَّة، والغائِيَّة، وعدم التناقض، هذه مبادئ العَقْل، وهي وَفْق مبادىء الكَوْن.

الله الخالق هو العالِم:

ولأنَّ الفِعْلَ المُحْكَم المُتْقَن يَمْتَنِعُ صُدوره عن غير العالِم، ولأنَّ مِن المَخْلوقات ما هو عالِمٌ، ولأنّ العِلْمَ صِفَةٌ كمالٍ، ويَمْتَنِعُ ألاّ يكون الخالِق عالِمًا، وهذا له طريقان، فهذا دليل عَقْلي، فَكُلّ شيءٍ مُتْقَن يَحْتاج إلى عِلْم.

1.الطريق الأول:

نحن نعلم بالضرورة أنَّ الخالِق أعلم من المخلوق، وأنَّ الواجبَ – وهو الله – أكْمَل من المَخْلوق، ونَعْلَم ضَرورَةً أنَّنا لو فَرَضْنا شيئَين، أحدهما عالِم، والآخر غير عالِم كان العالِم هو الأكْمَل، فلو لم يكن الخالق عالِمًا لَلَزِمَ أن يكون المُمْكِن أكْمل منه وهذا مُمْتَنِع.

2.الطريق الثاني:

كلُّ عِلْمٍ في المُمْكِنات التي هي المَخلوقات فهو منه، ومِن المُمْتَنِع أن يكون فاعِلُ الكمال ومُبْدِعُهُ عارِيًا منه، بل هو أحَقُّ به، والله تعالى له المَثَل الأعلى، فلا يَسْتوي هو والمَخلوقات، لا في قياس تمثيل، ولا في قياس شُمول، بل كل ما ثَبَتَ في مَخلوق من كمال، فالخالِقُ به أحَقّ، وكل نَقْصٍ تنزَّه عنه مَخلوق ما فَتَنْزيهُ الخالِقِ عنه أوْلى.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: العقيدة – العقيدة الطحاوية – الدرس (13-20) : خلق الخلق بِعلْمه
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-05-20 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس