من شمائل النبي تجمله

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع شمائل النبي صلى الله عليه تجمُّله صلى الله عليه وسلَّم.
فكان صلى الله عليه وسلَّم يتجمَّل، ويأمر أصحابه بالتجمُّل، ويأمرهم أن يكونوا بمظهرٍ حسن

معنى التجمُّل

التجمُّل يعني نظافة البدن، ونظافة الثوب، وترجيل الشعر، وقصَّ الأظافر، وأناقة الثياب .

كان عليه الصلاة والسلام يتجمَّل، ويأمر أصحابه بالتجمُّل

وكل إنسان يتجمَّل بقدر إيمانه، فكان عليه الصلاة والسلام يتجمَّل، ويأمر أصحابه بالتجمُّل،

النبي كانت له حلةٌ يلبسها للعيدين والجمعة عليه الصلاة والسلام

فقد روى البيهقي أنه كانت له حُلَّةٌ يلبسها للعيدين والجمعة .
المؤمن له ثياب جديدة يرتديها في المناسبات، لأن المؤمن لا يمثل شخصه، بل يمثِّل هذا الدين الذي ينتمي إليه، فلا ينبغي أن يكون في ثيابه خطأ، ولا في ثيابه سبب للازدراء، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت له حلةٌ يلبسها للعيدين والجمعة، وثياب خاصَّة، الآن لابدَّ من ثياب في عقد قِران، وفي احتفال، وفي يوم العيد، وفي زيارة، وفي اجتماع، وفي مقابلة مع شخص،
لأنك حينما تدخل على مجتمع، أو حينما تلتقي بإنسان، وأنت ساكت يقيِّمك من ثيابك، فإذا تكلَّمت نسي ثيابك، فإذا عاملته نسي كلامك .
مظهر، ثم كلام، ثم معاملة، والمعاملة تنسي الكلام، والكلام ينسي الهَيْكَل، فإنسان أنيق تكلَّم كلمات بذيئة لا قيمة لأناقته،
أذكر مرَّة إنسانًا يرتدي ثياب جميلة، وتكلَّم كلامً بذيئًا، فقال له واحد من وجهاء الأحياء : ” إما أن تحكي مثل لباسك، أو تلبس مثل كلامك “، فلا يتناسب كلامك مع لباسك، فلباس ينم عن الشخصية أو ما يُتوقع منك كتصرفات وأقوال.

المؤمن يمثِّل الدين

فالمؤمن يمثِّل هذا الدين،
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

رجل من المسلمين على ثغرة من ثغر الإسلام، اللهَ اللهَ لا يؤتى الإسلام من قبلك

[كتاب السنة للمروزي(28) عن يزيد بن مرثد]

فكل مؤمن صادق يشعر أنه يمثِّل هذا الدين، وسفير هذا الدين، واللِه الذي لا إله إلا هو ستحاسب عن نظافة بدنك، وعن نظافة ثوبك، و عن مواعيدك، وعن أمانتك، وعن دقة كلامك، سبحان الله ! المؤمن بالذات دائماً أعداء الدين يسلِّطون عليه الأضواء، فالأضواء الشديدة كلُّها مسلَّطة عليه، فإذا ارتكب صغيرةً أقاموا عليه القيامة، وأقاموا عليه النكير، فإذا أردت أن تكون سفيراً لهذا الدين فكن في المستوى اللائق
وقد ورد في الحديث القدسي :

(إن هذا الدين ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه)

[من المأثور : عن جبر بن عبد الله]

فأنت تمثِّل هذا الدين فكن سخيًّا، كريمًا، صادقًا، لأن كل الكلام فقط لا قيمة له،

على المؤمن أن يكون أنيقاً

ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يتجمَّل، ويأمر أصحابه بالتجمُّل، وروى البيهقي أنه صلى الله عليه وسلَّم له حلةٌ يلبسها للعيدين والجمعة، إذاً فواجب على كل واحد من إخواننا المؤمنين أن تكون له ثياب أنيقة، أنا لم أقل غالية، أنيقة، أي نظيفة، فإذا كان يلبس ثيابًا عاديَّة مكويَّة، نظيفة، فيها تناسب في الألوان، حتى إذا دُعي لعقد قران أو لاحتفال، قيل : فلان مؤمن، وثيابه مقبولة، فلا أطالبكم بثياب غالية الثمن، ولكن ثياب فيها شيء من الذوق، وشيء من النظافة .

قبل أن يخرج لأصحابه كان يُدقق في مظهره عليه الصلاة والسلام

تروي السيدة عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلَّم خرج ذات يومٍ إلى إخوانه، فنظر في كوز الماء ـ لم يكن وقتها مرآة – أين نظر ؟ في كوز الماء إلى جمَّته، أي إلى شعره وهيئته،
فشيء لطيف من الإنسان قبل أن يخرج أنْ يقف أمام المرآة، يا ترى شعره منتظَم، وثيابه منتظمة، فيها خطأ، أو فيها شيء، فهذا من السُنَّة،
وقال عليه الصلاة و السلام :

إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ

[من مسند أحمد : عن عبد الله بن مسعود]

إذا خرج أحدكم إلى إخوانه فليتهيأ في نفسه

فعلى الإنسان أنْ يغسل، ويرجِّل شعره، ويضع عطرًا، ويتأنَّق بثيابه، ويجعل هندامه مقبولاً

الثياب الأنيقة تعطي الإنسان ثقة بالنفس

أحياناً الإنسان ينطلق في حديثه إذا كانت ثيابه جيِّدة، فإذا كان في ثيابه خطأ اضطرب في حديثه، لأنّ الثياب الأنيقة تعطي الإنسان ثقة بالنفس، ولو دعي إنسان إلى عقد قران، وكانت ثيابه غير جيِّدة، تجده مرتبكًا، ومضطربًا، ومنكمشًا، ومتطامِنًا، لا، أنت مؤمن .

الجمال في البساطة لا في التعقيد

والحقيقة هناك تعليق لطيف : الجمال في البساطة لا في التعقيد . وأحياناً تجد في الألوان تناسقًا، مع أن الشيء رخيص، والشيء الرخيص وفي ألوانه تناسق تجد فيه راحة نفسيَّة، فليس شرطاً أن ترتدي أغلى الثياب، إنما الشرط أن ترتدي ثياب مقبولة .

يلبس أحسن ما عنده لضيوفه عليه الصلاة والسلام

وكان إذا قدِم عليه وفدٌ لبس أحسن ثيابه، وأمر أصحابه بذلك، فرأيته وفَدَ عليه وفد كِنْدَة وعليه حُلَّةٌ يمانيَّة، وعلى أبي بكرٍ وعمر مثل ذلك .
وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلَّم أن حُسْنَ السمت والزيِّ الحسن من شمائل الأنبياء وخصالهم الأصيلة

العناية بالهندام حتى لو كان عملك بعيداً عن الناس

قَالَ النَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

إِنَّ الْهَدْيَ الصَّالِحَ وَالسَّمْتَ الصَّالِحَ وَالِاقْتِصَادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ :

خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَنِي أَنْمَارٍ قَالَ جَابِرٌ فَبَيْنَا أَنَا نَازِلٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلُمَّ إِلَى الظِّلِّ – أي شجرة ظلُّها وارف –
قَالَ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُمْتُ إِلَى غِرَارَةٍ لَنَا – غرارةٍ ظرفٍ شديد العِدْلِ، أي محفظة – فَالْتَمَسْتُ فِيهَا شَيْئًا فَوَجَدْتُ فِيهَا جِرْوَ قِثَّاءٍ – أي خيار وقته – فَكَسَرْتُهُ ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَقَالَ مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا قَالَ فَقُلْتُ خَرَجْنَا بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ الْمَدِينَةِ قَالَ جَابِرٌ وَعِنْدَنَا صَاحِبٌ لَنَا نُجَهِّزُهُ يَذْهَبُ يَرْعَى ظَهْرَنَا – أي نجهِّز صاحب لنا ليرعى الغنم – قَالَ فَجَهَّزْتُهُ ثُمَّ أَدْبَرَ يَذْهَبُ فِي الظَّهْرِ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ لَهُ قَدْ خَلَقَا قَالَ
فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ فَقَالَ أَمَا لَهُ ثَوْبَانِ غَيْرُ هَذَيْنِ فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُ ثَوْبَانِ فِي الْعَيْبَةِ كَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا
قَالَ فَادْعُهُ فَمُرْهُ فَلْيَلْبَسْهُمَا قَالَ فَدَعَوْتُهُ فَلَبِسَهُمَا ثُمَّ وَلَّى يَذْهَبُ قَالَ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَهُ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا لَهُ قَالَ فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ فَقُتِلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

[رواه مالك في الموطأ]

إلى أين يذهب ؟ إلى الجبال ليرعى الغنم، ومع ذلك ما رضي النبي له هذين الثوبين، ليس هناك لقاء، ولا احتفال، ولا عقد قران، ولا عيد، ولا جمعة، راٍع يذهب إلى الجبال ليرعى الأغنام، وعليه ثوبان خَلِقان، فلما نظر النبي إليه قال: ” ((أَمَا لَهُ ثَوْبَانِ غَيْرُ هَذَيْنِ ؟ فقلت : بلى يا رسول الله، له ثوبان في العَيْبَة كسوته إيَّاهما ـ أي في البيت ـ قال : ” فَادْعُهُ فَمُرْهُ فَلْيَلْبَسْهُمَا “، قال : فدعوته فلبسهما ثم ولَّى يذهب، فقال عليه الصلاة والسلام : ” أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا لَهُ ؟ ” .
النبي عليه الصلاة والسلام لا يرضى للراعي، وهو يرعى الغنم في شعف الجبال، وليس معه أحد، لم يرض له هذه الثياب المبتذلة المهترئة، فكيف إذا كنت مع الناس وفي المدينة، ومع علية القوم كما يقولون ؟

عندما يلبس ثوباً جديداً يدعو بدعاء خاص

وأحياناً الإنسان يرتدي ثوبًا جديدًا، وهذا من إكرام الله له، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام كانت تعظم عنده النعمة مهما دقَّت، وكان إذا ارتدى ثوبًا جديدًا، هناك دعاء خاص للثوب الجديد .

التميز بالمظهر

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

أحسنوا لباسكم، وأصلحوا رحالكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس

[من الجامع الصغير]

الله يُحب أن يرى نعمه على عبده

لأن الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وأوضحُ أثر في الثياب،
قال النبي صلى الله عليه وسلم:

إن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه، ويكره البؤس والتباؤس ويبغض السائل الملحف، ويحب الحيي العفيف المتعفف

[من الجامع الصغير : عن أبي هريرة]

الهيئة القذرة، والهيئة المبتذلة،و الخنوع، والمسكنة، والتذلل، واليأس، يا حسرتي علينا، لماذا هذا التحسُّر ؟ أنت مؤمن، وتعرف ربك، ولك منهج، والله هو الرزاق، وهو الكريم، فالله يكره البؤس والتباؤس ويبغض السائل الملحف، ويحب الحيي العفيف المتعفف، اسأل لكن مرة واحدة، فالإلحاح ليس له فائدة، فإذا أراد أن يعطيك يعطيك من مرة واحدة، فإن لم يعطِك لا تبذل ماء وجهك، ولا تذل نفسك، ولا تهينها، لذلك لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه .
قال النبي صلى الله عليه وسلم:

ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير

لذلك مرة سيدنا عمر رأى إنسانًا يطلب بإلحاح فقال له :

يا هذا لقد ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع منك

ضيعت ماء وجهك، وكرامتك، وضيعت أثمن شيء تملكه .

إذاً كان عليه الصلاة والسلام متجملاً، ويأمر أصحابه بالتجمُّل، وكان له ثياب لا يرتديها إلا في أيام الجمعة والأعياد، وكان إذا وفد عليه الوفد لبس أحسن ثيابه، وأمر عليَّة قومه بذلك،
والآن تجد البيوت كلها مرايا، وراء كل باب مرآة، وغرفة النوم فيها مرآة، والمدخل، فكان ينظر إلى جمته من الكوز من صفيحة ماء ساكنة، ومع ذلك كان متجملاً، ولم يكن عندهم قديماً حمام، وأنت تفتح الماء الساخن فينزل مباشره، ونحن الآن ننعم بشيء لا يتصوره الإنسان، ماء ساخن دائماً، الحمام فيه ماء جار، وقد كانت الأمور بدائية، وكان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات التجمل والنظافة، على الرغم من أن الأمور كانت بدائية .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – شمائل الرسول 1995 – الدرس (03-32) : تجمله صلَّى الله عليه وسلَّم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-10-17 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس