الإرهاب

بسم الله الرحمن الرحيم

هنالك فرق بين ما يُلصق بالإسلام وبين حقيقة الإسلام:

هناك فرق كبير بين الممارسات الخاطئة التي يرتكبها أناس يجهلون أو يتجاهلون حقيقة الإسلام، أو التي يرتكبها أعداء الإسلام، ثم ينسبونها ظلماً وعدواناً إلى المسلمين، ليعطوا صورةً مشوهةً عن الإسلام الذي هو بريء من كل هذا… هناك فرق كبير، وبون شاسع، بين هذه الممارسات الخاطئة، وبين حقيقة الإسلام الناصعة، التي تليق بدين سماوي، جاء ليخرج الناس من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
فما كل ما يُلصق بالإسلام من الإسلام، وما كل من رفع راية الإسلام ونطق بكلماته يمثل الإسلام وكلما ارتقى الإنسان في سُلَّم العلم، استطاع أن يفرِّق بين أصل المبدأ وبين ما ألصق به من أفكار بعيدةٍ عن جوهره بُعد الأرض عن السماء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:

تركت فيكم شيئين، ما إن تمسكتم بهما، فلن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنة رسوله

فالكتاب الذي هو وحي السماء إلى الأرض، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسنة رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، وقد عصمه الله من أن يخطئ في أقواله، وأفعاله، وإقراره، ومواقفه وصفاته.
فالله هو المشرع، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو المبيِّن، وكل إنسان يؤخذ منه ويُرَدُّ عليه، إلا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد الصق بالإسلام على مرِّ العصور والحقب، ما ليس منه.

المعنى الذي ورد فيه الإرهاب في الكتاب والسنة:

والإرهاب لم يرد في الكتاب والسنة إلا بالمعنى التالي:
إحداث أثر نفسي من شأنه أن يَردَعَ صاحبه عن المعصية والعدوان
وكلِّ الممارسات الخاطئة، التي تلصق بالإسلام ظلماً وعدواناً، ليس لها أصل في كتاب الله وسنة رسوله، اللذين هما الأصلان الكبيران اللذان تستقي منهما كل المناهج والأحكام.
وسوف يتضح من خلال الصفحات التالية، تفصيل هذه الحقيقة:
جاء في المعجم: رَهِبَ يرهَب رهَبَاً ورَهْبَةً: خَافَ، فهو راهِب والرَّهَبُوت: الرجل المرهوب.
والراهب: المتعبد في صومعته.
والرهبانية: الانقطاع عن ملاذ الدنيا، والزهد فيها، وطلب العزلة عن أهلها، وترك الزواج جلباً للعبادة.
أرهبه: أخافه وأفزعه، وجعله يرهب جانبه
والإرهابيون: مصطلح حديث، وهو وصف يُطلق على الذين يسلكون سبل العنف، والإرهاب ؛ لتحقيق أهدافهم السياسية.
وأما الإرهاب من خلال الكتاب والسنة، فلم يرد إلا بمعنى الخوف وإذا شئنا التفصيل: إحداث أثر نفسي مثبط، يمنع العدوان والظلم
قال تعالى:

(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60))

[سورة الأنفال]

وقد وَرَدَ جذر: رَهَبَ في القرآن الكريم اثنتي عشرة آية، وفي عشر سور هي:
ففي سورة البقرة:

(بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40))

أي خافونِ،
وكذلك في الأعراف:

(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154))

أي يخافونِ،
وكذلك في سورة النحل:

(وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51))

أي يخافونِ،
وكذلك في سورة الأنبياء:

(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90))

رهباً أي خوفاً.
وأما في سورة القصص:

(اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (32))

الرهب: هو الخوف،
وفي سورة الحشر:

(لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13))

الرهبة: إخافة،
وفي سورة الأعراف:

(قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116))

استرهبهم: أراد إرهابهم، أي إخافتهم، وانتزاع إعجابهم.
تُرْهِبُون، فارْهَبون، يَرْهَبُون، رَهَبَاً، الرَّهَبْ، رَهْبَة، استرهبوهم كل هذه الفعال والأسماء والمصادر، مشتقة من الرَهْبَة، أي الخوف.
وفي سورة المائدة، وسورة التوبة ورد من جذر (رهب) الرهبان، جمع راهب وهو المنقطع للعبادة:

(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82))

[سورة المائدة آية 82]

(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31))

[سورة التوبة آية 31]

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34))

[سورة التوبة]

وأما في سورة الحديد، فقد ورد من جذر رهب الرهبانية، وهو الانقطاع للعبادة:

(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27))

[سورة الحديد]

وفي الحديث الصحيح ورد كلمة: رهبة، وراهب، راهبة، أرهبهم أرهب، وكل هذه الكلمات مشتقة من مادة رهب يرهب رهباً، ورهبة… أي خاف يخاف خوفاً..
من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم…

اللهم أسلمت نفسي، إليك وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك

كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول:

… ربِ اجعلني لك شاكراً لك ذاكراً لك رهَّاباً، لك مطواعاً، لك…

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق، أو يذكر بعظيم

الإسلام لا يُقرُّ ظلماً، ولا بغياً، ولا عدواناً:

ومع الإقرار بأن الأهداف النبيلة، لابد لها من وسائل نبيلة، فإن الوسائل تأخذ حكم غاياتها، وهذا ما أكده العالم الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات:

العبرة في اتخاذ الوسائل الناجعة، والملائمة في التدبير السياسي هي نتائجها ومآلاتها

فمن الأهداف المشروعة النبيلة ؛ دفع العدوان، وإزالة آثاره، استنقاذ الحق المستلب، تحقيق العزة، والسيادة التي ثُلمت، استرداد ما اغتصبه العدو قهراً، وظلماً، وعنوةً.
إذ يأبى الإسلام أن يقرِّ ظلماً، أو أن يستمرئ عدواناً،
قال تعالى:

(وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39))

[سورة الشورى]

وقال تعالى:

(وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41))

[سورة الشورى]

وقال تعالى:

(إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42))

[سورة الشورى]

وقال تعالى:

(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194))

[سورة البقرة]

فالإسلام لا يُقرُّ ظلماً، ولا بغياً، ولا عدواناً مطلقاً، سواء أنزل بساحته أم على أمته، أم أصاب غيره من الدول والأمم والشعوب ؛ لأن العدل في الإسلام لا يتجزأ، ولأن الظلم والبغي محرم لذاته، وحيثما كان موقعه وهذا مبدأ إنساني حضاري.
كما أن الصالح العام لأمة، يعني حقها في الاستقلال، والسيادة على أرضها، والتصرف السياسي الحرُّ في تدبير أمرها، داخلياً وخارجياً بما يحفظ كيانها، ويحقق مصالحها الأخرى المشروعة، دون أن يكون لأي أجنبي سلطان عليها، أو نفوذ يتسرب إلى قراراتها، أو تدخل في شؤونها.
كما نعني بالصالح العام للأمة، ما أقرته لها الشرائع السماوية المنزهة والمواثيق الدولية، وشرعة حقوق الإنسان العالمية، والقانون الدولي العام.

ظهور الإرهاب والإرهاب المضاد:

وحينما احتُلت الأراضي ظلماً، وعدواناً، وشُردت الشعوب عن طريق القتل والتعذيب، وهُضمت الحقوق، ونُهبت الثروات، وسكتت الدول الكبرى عن هذا الظلم، والاغتصاب، بل واستعملت حق النقض ضد أي قرار عادل، ينصف الشعوب، ويعيد لها حقها، هذا الإرهاب الدولي يُعد تعبيراً عملياً واقعياً عن الحقد الدفين، والحرمان من الحق الإنساني المشروع بسبب اختلال موازين العدل في أعظم هيئة دولية عُرفت في تاريخ الإنسانية من جراء حق النقض الفيتو..
لذلك لم تجد الشعوب الضعيفة بدأ من أن تردَّ على الإرهاب الدولي والتعصب العنصري، والهيمنة المتغطرسة، وبسط النفوذ، والتوسع الاستيطاني على حساب الدول المجاورة، لم تجد هذه الشعوب المستضعفة حيال هذا الاستكبار الدولي بداً من أن تردَّ على الإرهاب الدولي بإرهاب مثله.
الإرهاب متعدد الجنسية والدين والهوية والقضية، ولا يمكن أن يلصق بالإسلام، ولا أن يُلصق الإسلام به هو سلوك الضعيف المظلوم حينما يواجه خصمه القوي الظالم.. لقد ظهر الإرهاب بمفهومه الحديث في كل القارات والدول شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً.. ظهر في الصين، وفيتنام وفي الجزائر، وأنغولا، وجنوب أفريقيا، وفي أوربة، وفي إيطاليا والمانيا، وفرنسا، وفي كوبا، وفي أمريكا اللاتينية…
وما حركة التحرير الوطني في الجزائر، وفيتنام، وحركة الجيش الجمهوري الايرلندي، وحركة أييتا في إسبانيا، وحركة السيخ في الهند والتاميل في سيرلانكا، ومنظمة ما رجيلا في البرازيل، وتوباماروس في أرغواي، ومونتونيروس في الأرجنتين، والأولوية الحمراء في إيطاليا، ومنظمة ما ينهوف في المانيا الغربية، والعمل المباشر في فرنسا، والخلايا الثورية في بلجيكا، إلا دليل على ذلك…
وما لم نبحث عن السبب الحقيقي الكامن وراء هذا العنف السياسي، ألا وهو الظلم بشتى أنواعه، وأقسامه، والتمييز العنصري بشتى صوره وأشكاله، والعدوان بشتى أساليبه وأطواره، فلن يزول الإرهاب والعنف السياسي إلا بزوال أسبابه، فالحقيقة الصارخة، أن العنف لا يلد إلا العنف.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: موضوعات متنوعة – مقالات – المقالة 04 : الإرهاب.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-02-15 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس