العبودية سبيل الحرية الحقة

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة المؤمنون… من معاني العبودية، العبودية الحقة سبيل إلى الحرية الحقة.
إذا عبدت الله وحده فعبادتك لله هي عين حريتك، وسبيل حقيقي إلى سياتدك، لذلك من عبد الله أصبح حراً من رق المخلوقين، من رق الشهوات، من رق النزوات، من رق الحاجات، أصبح حراً،

كن عبد الله فعبد الله حر

الإنسان بحاجه إلى إله يعبده:

أيها الإخوة المؤمنون… في قلب كل إنسان، وهذا جزء من فطرته، حاجة ذاتية إلى إله يعبده، إلى معبود يتعلق به، ويسعى إليه، ويعمل على مرضاته، فإذا لم يكن معبود الإنسان هو الله لابد من أن يتجه إلى معبود آخر، فقد يعبد نفسه، وقد يعبد هواه، وقد يعبد زيداً، وقد يعبد عبيداً، وقد يعبد هذه الشهوة،
في قلب كل إنسان حاجة فطرية ملحة إلى أن تعبد معبوداً، إلى أن تسعى إليه، إلى أن تعمل من أجله، إلى أن تبتغي رضاه، ولا يليق بالإنسان أن يعبد غير الله، لأنه هو الخالق، هو المصور، هو المبدأ هو المعيد، هو الرافع هو الخافض، هو المعطي هو المانع، هو القابض هو الباسط، هو المعز هو المذل، هو الرزاق ذو القوة المتين.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ)

[سورة البقرة 21]

إما أن تعبد الله أو تعبد غيره:

يا أيها الإخوة المؤمنون… إما أن تعبدوا الله وحده وهذا الذي يليق بك، وإما أن تعبد زيد أو عبيد أو شهوة أو حاجة أو شيء من سوى الله عزوجل، إما أن تعبد الله وإما أن تعبد شيئاً يرى أو لا يرى، يعقل أو لا يعقل، موجود أو غير موجود، والديانات الوثنية الأرضية التي تطفح بها البشرية الجاهلة تؤكد هذه الحقيقة، إما أن تعبد الله أو تعبد البقرة، كما هي الحال في بعض بلاد شرقي آسيا، إما أن تعبد الله وإما أن تعبد صنماً، إما أن تعبد الله وإما أن تعبد شهوة، لابد وأن تتجه إلى ما تظنه أنه عظيم، فليكن هذا الذي تتجه إليه هو الله رب العالمين.
يا أيها الإخوة المؤمنون… يقول أحد العلماء:

كل من استكبر عن عبادة الله لابد من أن يعبد غير الله

إما أن تكون عبداً لله، وإما أن تكون عبداً لعبد لئيم، كل من استكبر عن عبادة الله لابد من أن يعبد غير الله، لأن الإنسان له إرادة، وهذه الإرادة تقتضي أن يكون له مراد، ما دام له إرادة فله مراد، فإذا لم يكن الله مراده فلابد من أن يتجه بإرادته إلى مخلوق ليرضيه وليسعى له، وليعمل من أجله.
فيا أيها الإخوة المؤمنون… أنت بين خيار صعب إما أن تعبد الله وإما أن تعبد غيره، أما أن لا تعبد الله ولا تعبد أحداً سواه، هذا مستحيل في فطرة الإنسان، ركبت فطرة الإنسان على التوجه إلى جهة ما على السعي لها على الطواف حولها، على إرضائها، على العمل من أجلها، فطوبى لمن عرف ربه، طوبى لمن عبده، طوبى لمن اطمأنت نفسه بذكر الله

معرفة الله هدف مصيري:

أيها الإخوة المؤمنون… الإسلام دين الفطرة، هذه النفس الإنسانية، لا تستطيع أن تسعد، لا تطمئن، لا تستقر، لا تهدأ، لا تعود إلى الدار الآخرة سالمة إلا إذا عرفت ربها، معرفة الله أيها الإخوة هدف مصيري للإنسان،

ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء

العاقل من عبد الله:

أيها الإخوة المؤمنون… ليس أشرف للإنسان العاقل من أن يعبد الذي خلقه، أيعبد مخلوقاً من دون الله، لا ينفعه ولا يضره، أيعبد جهة من الجهات، لا تملك له نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة، ولا نشوراً، لا تستمع إليه، وإذا استمعت لا تستجيب له، أهذا يليق بالإنسان ؟ ليس أشرف للإنسان العاقل من أن يعبد الذي خلقه، فسواه فعدله، وأن يطرح كل عبادة من سواه، وليس أجلب للسعادة
قال عليه الصلاة والسلام:

تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ

[صحيح البخاري 2673]

ويستنبط من هذا الحديث وسعد عبد الله.

العابد لله حراً من الهموم:

أيها الإخوة، ليس أشرف، وليس أجلب للسعادة، وليس أجلب للسلامة مع الضمير من أن تتوجه الهم كله إلى الله، قال عليه الصلاة والسلام:

مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ

[ابن ماجه]

وقد قال عليه الصلاة والسلام:

اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها

العابد لله حر من رق المخلوقين:

أيها الإخوة المؤمنون… ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يضرب لنا هذا المثل،
يقول الله عزوجل:

(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً)

[سورة الزمر 29]

لو أن رجلاً يأتمر عليه أناس عدة، هذا يأمره بكذا، وهذا يأمره بكذا، وكثيراً ما تتضارب هذه الأوامر، كثيراً ما تتناقض هذه الأوامر، ماذا يفعل ؟ أيرضي زيداً أم يرضي عبيداً، أيرضي فلاناً أم يرضي علاناً، كيف يفعل إذا جاءت الأوامر متضاربة، والتوجيهات متضاربة، ماذا يفعل ؟ كيف يتجه ؟ إلى أين يسعى، هذه الحيرة، وهذا القلق، وهذا التخبط، وهذا الصراع المؤمن معافى منه، لأنه توه إلى الله وحده، وما سوى الله بيد الله.

(وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ)

[سورة هود 123]

إذاً من أجل أن تكون حراً من رق المخلوقين، من أجل أن تكون حراً من الشهوات المكبلة، من أجل أن تكون حراً من الصراع، من الضيق، من الحرج، من البحث لإرضاء زيد أو عبيد، يجب أن تجعل همك كله أن ترضي الله عزوجل.

(وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)

[سورة التوبة 62]

يا أيها الإخوة المؤمنون…. الإنسان إذا ترك ربه، إذا أعرض عنه صار موزعاً بين المخلوقين، صار مشتتاً، صار مبعثراً، صار ممزقاً، وقع في الصراع، ولن تستغني عن المخلوقين، إلا في حالة واحدة، إلا إذا اتجهت إلى الله رب العالمين، لن تستغني عن المخلوقين،

احتج إلى الرجل تكن أسيره، واستغني عنه تكن أميره

لن تستطيع أن تستغني عن المخلوقين إلا إذا اتجهت إلى الله رب العالمين، لذلك يقول الله عزوجل على لسان سيدنا داود:

(فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56))

[سورة هود]

في العبادة السعادة:

يا أيها الإخوة المؤمنون… آية في كتاب الله، آية محكمة يقول الله عزوجل:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56))

[سورة الذاريات]

والعبادة :

طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية

العبودية سبيل إلى الحرية، الحرية مطلب كل إنسان، الحرية مطلب كل مخلوق، ولا تتحقق هذه الحرية إلا بعبادتك لله عزوجل.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: خطبه الجمعة – الخطبة 0265 : خ1 – العبادة7 ( العبودية سبيل إلى الحرية الحقة ) ، خ2 – دعاء الحاج.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1989-07-28 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس