العلاقات الزوجية الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الأخوة الأكارم:
من الموضوعات التي أراها جديرة بأن تطرح في هذا اللقاء موضوع العلاقات الزوجية، فالإنسان حينما يسعد في بيته ينتج في عمله، وكلما اصطفى البيت انعكس هذا الصفاء إنتاجاً وتفوقاً وعطاءً، وحجم الإنسان عند الله بحجم عمله، فكل شيء يعكر صفاءه ينعكس على عمله وبالتالي ينعكس على سعادته.

الحقيقة الأولى: الله بين الزوجين في العلاقات الزوجية الإسلامية:

باديء ذي بدء أهم فكرة في العلاقات الزوجية الإسلامية أن الله بين الزوجين، بمعنى أن الزوج المؤمن يعامل زوجته من خلال الله، ومن خلال الخوف منه، ومن خلال رجاء رحمته ومن خلال تطبيق منهجه، يخافه ويرجو رحمته ويطبق منهجه، الزوج المؤمن يغفر سلبيات زوجته ويتقرب إلى الله بخدمتها، والزوجة المؤمنة تغفر سلبيات زوجها وتتقرب إلى الله بخدمته، فإذا كان الله بين الزوجين سعد الزوجان.
العلاقات الأخرى في مجتمع شارد عن الله بعيد، العلاقة مباشرة الأقوى يسحق الآخر، ما دام هناك نفع من الزواج فالزواج قائم، فإذا انقطع النفع سقط الزواج، فرق كبير كبير بين زواج إسلامي مبني على أن كل طرف يعامل الطرف الآخر من خلال معرفته بالله، من خلال تطبيق منهجه، من خلال طلب جنته، من خلال الخوف من ناره، أما الطرف الآخر مبني على علاقة مباشرة، بل إن بعض المنظرين يقول الحضارة الإسلامية كلها مبنية على أن الله بين كل علاقتين.
والحضارة الأخرى مبنية على علاقة مباشرة فالقوي يأكل الضعيف والأعلى يسحق الأسفل، هذه حقيقة.

الحقيقة الثانية: هناك مرجعية في العلاقات الزوجية الإسلامية:

وهذه المرجعية تلغي الغالب والمغلوب، كتاب الله وسنة رسوله بين الزوجين فإذا تنازعا في شيء ردوه إلى الله ورسوله، إذا كان هناك تشريع من قبل الله عز وجل، هذا التشريع هو مرجع وهذا التشريع يلغي الغلبة، لا يوجد أحد غالب هذا أمر الله عز وجل، فلذلك الإنسان في ظل هذا النظام الإلهي يسعد بزوجته لأن الله له أمر وله نهي، فإذا طبقنا أمر الله عز وجل ليس هناك إنسان غُلب وإنسان غَلب، هذه الحقيقة الثانية.
المؤمن له مرجع، وأساساً المسلم حينما يطبق منهج ربه سبحانه وتعالى يشعر أنه في ظل الله، يشعر أن الله سبحانه وتعالى معه، يشعر أن الله متجلي عليه بالبركات والأنوار والخيرات والتوفيق والدعم من الله.

الحقيقة الثالثة: الله يتولى إنجاح الزواج في حال بُنيى على طاعة الله:

أنه ما من زواج يبنى على طاعة الله في الجزئيات ولو افتقر إلى مقومات النجاح إلا ويتولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين، وما من زواج يبنى على معصية الله ولو توافرت له كل أسباب النجاح إلا ويتولى الله التفريق بينهما.
يجب أن تبنى جزئيات العلاقات الزوجية، جزئيات الحياة الزوجية على طاعة الله عز جل وذكرت هذا كثيراً أن كل إنسان يشعر أنه يطبق تعليمات الخبير يقطف الثمار يانعة، أضيف إلى هذه الأسس في العلاقة الزوجية المرجعية، الله بين الزوجين، بناء تفصيلات الزواج على منهج الله عز وجل.

الحقيقة الرابعة: كل من الزوج والزوجة هي ملء لعالم الآخر:

قال تعالى:

(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)

[سورة النور]

معنى ذلك أن هذه الآية الكريمة التي احتلت مساحة من كتاب الله الذي يتلى إلى يوم القيامة لولا أنها تشير إلى أخطر حقيقة في السعادة الزوجية لما ذكرت.
ما الذي يميز العلاقة الزوجية الإسلامية؟ أن الزوج المؤمن يقصر طرفه على زوجته فهي ملء عالمه، والزوجة المؤمنة تقصر طرفها على زوجها فهو ملء عالمها، فهينما تنفرد الزوجة من بين النساء بملء عالم الرجل، وحينما ينفرد الرجل من بين الرجال بملء عالم المرأة يكون الوفاق بينهما.
أما إذا تطلعت إلى غيره وتطلع إلى غيرها، والإنسان بعقله الباطن يوازن، هو يوازن وهي توازن وصار شرخ في العلاقات الزوجية، هذا معنى قول الله عز وجل:

(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)

[سورة النور]

ومن غض بصره عن محارم الله أورثه الله حلاوة في قلبه إلى يوم يلقاه ومن ملء عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم.
في بعض الجهات التي تعمل في مكافحة الجرائم، عندها مقولة ابحث عن المرأة في كل جريمة، أنا عدلتها ابحث عن المعصية في كل مشكلة.
وسأقول هذه الحقيقة:

ما من مشكلة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله

ابحث ما شئت، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب جهل به، والجهل أعدى أعداء الإنسان، الجاهل يفعل بنفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، يعني مثل بين أيديكم فلاح عنده بيت بلاستيكي زراعة محمية، وزرع محصول رائج جداً في أيام البرد وغلة البيت مئتان ألف، اشترى سماد التعليمات كيلو سماد في البرميل لجهله وضع كيليين، وأصبح فإذا المحصول كله أسود اللون مات، ضيع مئتان ألف لأنه جاهل.
دائماً وأبداً الجاهل يفعل بنفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، كل منا حريص على سعادته لكن لهذه السعادة أسباب بينها الله عز وجل، الاختلاط والانفتاح الغير المعقول،
قال أحدهم:
أنا أسمح للهواء ليدخل إلى غرفتي فيجدد هواءها، أما أن يقتلعني من جذوري هذا ليس هواء منشطاً أبداً، هذا هواء مدمر،
فالإنسان إذا انفتح انفتاحاً غير معقول واختلط اختلاطاً كثيراً ولم يعبأ بتوجيهات النبي.
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ، قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ، وَإِنَّمَا مَعْنَى كَرَاهِيَةِ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ عَلَى نَحْوِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ الْحَمْوُ يُقَالُ هُوَ أَخُو الزَّوْجِ كَأَنَّهُ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا

دائماً وأبداً عندنا معاصي لها وهج، والمعاصي التي لها وهج لها قوة جذب النهي لا عن مقارفتها بل عن الاقتراب منها،
إذا كان يوجد تيار عالي ثمان آلاف فولط ينقل الطاقة من مكان إلى مكان، وأراد وزير الكهرباء أن يضع تحذير للمواطنين يقول لهم: ممنوع مس التيار أم ممنوع الاقتراب من التيار؟ له حرمة ثمان أمتار ومن دخل إلى هذه الحرمة جذبه التيار وجعله قطعة فحم، هذا المعنى ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم قال تعالى:

(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا)

[سورة البقرة ]

لابد من أن تترك بينك وبينها هامش أمان، كأن نهراً مخيفاً له شاطئ مائل زلق وله شاطئ مستوي جاف، فأنت لا تنجو إلا إذا سرت على الشاطئ المستوي الجاف، أما إذا اقتربت من الشاطئ الزلق هذا الشاطئ ألقاك بالماء، لذلك بأمور النساء ليس النهي عن الفاحشة بل النهي عن الاقتراب قال تعالى:

(وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً)

[سورة الإسراء]

لا تقربوا الزنا لا تخلون بامرأة، لا تقربوا الزنا لا تصاحب الأراذل، صحبة الأراذل تجرح العدالة، قلت حديث رسول الله:

من عامل الناس ولم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته وحرمت مغيبته

من عاملهم فظلمهم، ومن حدثهم فكذبهم، ووعدهم فأخلفهم، سقطت عدالته إلا أن هناك حالات تجرح العدالة، صحبة الأراذل تجرح العدالة التنزه في الطرقات يجرح العدالة، الحديث عن النساء فيما لا يرضي الله عز وجل يجرح العدالة، من علا صياحه في البيت يجرح العدالة، من أكل في الطريق، من مشى حافياً تجرح عدالته، من قاد برزوناً تجرح عدالته ، من أطلق لفرسه العنان تجرح عدالته، الإنسان حينما يقترب من هامش الأمان للمعصية هذا الهامش قد يجذبه إليها ومن هنا جاء قوله تعالى:

(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا)

يوجد معاصي لها قوة جذب، هذه المعاصي يجب أن تدع بينك وبينها، وهذه النقطة قد يغفل عنها كثيرون وقد يغفل عنها الآباء، فإذا غفل عنها الآباء وقعوا في شر عملهم ووقع أولادهم في شر عملهم.
أخوانا الكرام:
أنت تسير في طريق وجدت لوحة كتب عليها حقل ألغام، هل تشعر أن هذه اللوحة تقيد حريتك؟
أوامر الدين ليست تقيداً لحريتك ولكنها ضمان لسلامتك، مرة ذكرت مثل آخر،
أنت راكب شاحنة وتحمل عشرون طن، وصلت إلى جسر كتب عليه الحمولة القصوى عشرة طن، الآن تنظر هل يوجد شرطي مرور، هل تكتب في حقي مخالفة، ليس الموضوع موضوع مخالفة الموضوع أكبر من ذلك بكثير، الموضوع أنك سوف تسقط.
موضوع المخالفة ليس له أهمية إطلاقاً، الإنسان لو فهم الدين على أن كل أمر فيه نتائج، والعلاقة بين الأمر والنتيجة هي علاقة سبب بنتيجة، والعلاقة بين النهي وسببه هي علاقة أمر بنتيجة، مثلاً:
أحياناً تقول لابنك اجلس هنا يا بني، فأراد أن يتحداك جلس في مكان آخر تضربه هل هناك علاقة بين الضرب والجلوس؟ أبداً، أربع كراسي أنت أردت لحكمة أن يجلس هنا، جلس هناك ضربته، نقول العلاقة بين العقاب والسبب علاقة وضعية أنت وضعتها، في هذه القاعة بابين، إذا قلنا للناس أخرجوا من هذه الباب، والذي خرج من ذلك الباب، ليس هناك علاقة علمية بين المخالفة والنتيجة.
أما إذا كان هناك مدفأة مشتعلة وجاء طفل ووضع يده عليها، فاحترقت نقول إن هناك علاقة علمية بين وضع اليد على المدفأة وبين احتراق اليد.
حينما تؤمن أن العلاقة بين المعصية ونتائجها، وبين الطاعة ونتائجها علاقة علمية فقد نجوت، العلاقة علمية بين الأمر والنهي ونتائجها، علاقة سبب بنتيجة، والدين ضمان لسلامتك و ليس قيداً لحريتك، إذاً لو ربنا عز وجل يحرم الاختلاط و إطلاق البصر هو يضمن لك سعادتك الزوجية و هذا الإنسان الذي يطلق بصره و يشقى في بيته إنسان شقي، و الحقيقة أنصف شيء في حياة الإنسان زوجته و عمله فإذا كان سعيداً بهما سعد في دنياه إجمالاً و إذا كان شقياً بهما شقي في دنياه إجمالاً.

الحقيقة الخامسة: يجب أن تُحل المشاكل بين الزوجين في بيت الزوجية:

هناك أربع عناصر بالعلاقة الزوجية وهناك عنصر خامس هذا العنصر الخامس هو أن بيت الزوجية المقدس، فلمجرد أن تخرج المرأة من بيت الزوجية غاضبة أو أن يخرجها زوجها إلى بيت أهلها غاضبة أي خروج من المرأة من بيت زوجها ما الذي يحصل؟ أصغر مشكلة تغدو أكبر مشكلة، فإذا بقيت المرأة في بيت زوجها أكبر مشكلة تغدو أصغر مشكلة، لأنه إن خرجت صار هناك أطراف عدة و تغذية معينة و تكبير رأس و تحطيم و تحدي كل هذا الزوجات في غنى عنه لذلك قال تعالى:

(لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً)

[سورة الطلاق]

ليس لها أن تخرج و ليس له أن يخرجها، فإذا بقيت في بيت الزوجية أكبر مشكلة لابد من أن تتلاشى، أما إذا خرجت أصغر مشكلة تتفاقم هذه قاعدة ثانية.
يوجد بين الزوجين خلافات، أولاً وطن نفسك أنه ليس في الأرض زوج تنطبق طباعه و أفكاره و رؤيته على طباع زوجته، هناك مسافة، إذاً البطولة لا أن تنعدم المشكلات و لكن أن نقف منها الموقف الكامل، هذه البطولة،
لذلك لو صار هناك خصومة أو منازعة هناك من تمتد بهم هذه المنازعات أياماً و أسابيع و أشهر و هذا إتلاف للحياة الزوجية، أما الأكمل أن نجعل أمد النزاع أقصر أمد على الإطلاق، عبرت عنه بالشكل التالي: إذا خرجت من البيت تعود و كأن شيئاً لم يكن، إذا نمنا استيقظنا و كأن شيئاً لم يكن، فإذا اتفق الزوج و زوجته على أن أي خلاف بينهما يجب أن ينتهي بمرور مرحلة زمنية قصيرة جداً، مرحلة الخروج و العودة، أو النوم و الاستيقاظ، بهذه الطريقة تغدو الحياة سعيدة، و أحياناً هناك مشكلة قد تزيد العلاقة متانة و قد تزيد الصلة بشاشة، هذا كله من قبيل رعاية مبادئ الشريعة في العلاقة بين الزوجين،

الحقيقة السادسة: النظر إلى الجوانب الإجابية في الزوجة:

هناك شيء آخر: أن الإنسان أحياناً بعد فترة من الزواج ترتفع الكلفة و يصمت الرجل عن مدح زوجته و تصمت هي عن مدح زوجها و تغدو حياة رتيبة مملة لا معنى لها، هذا من عدم حكمة الزوج فهذه التي ترعى أولادك،
مرة أحد الأعراب شكا زوجته إلى عمر، طرق الباب فسمع صياحاً فولى هارباً، سيدنا عمر فتح الباب فرأى الرجل بعيداً، يا أخا العرب تعال، لماذا رجعت؟ قال جئتك أشكو مما أنت منه تشكو، نفس المشكلة عندك، قال له: يا أخي هذه الزوجة ترعى أولادنا و تهيئ حاجاتنا فبين له الناحية الجيدة،
وأنا مرة أخ شكا لي زوجته و كان على وشك أن يطلقها، استدرجته قلت له تخونك فقال لي: معاذ الله، طاهرة عفيفة، سألته طبخها سيء؟ قال لي: لا و الله طبخها جيد، غير نظيفة؟ قال لي لا إنها نظيفة جداً، و من غير أن يشعر ذكر كل ميزاتها ثم استحيا من نفسه، فدائماً كن موضوعياً، لا تتعامى عن ميزاتها و ينبغي أن لا تتعامى عن ميزاتك.
أخوانا الكرام:
الزواج نعمة من الله و هو من أكبر النعم، فمن أساء إلى زوجته أو من أساءت إلى زوجها تكفر هذه النعمة، و البناء صعب و التخريب سهل، أي ألف تصرف ذكي و حكيم يشدها إليك و تشدك لها و تصرف واحد أحمق هذا يخرب العلاقة بينكما، إذاً أيضاً من حكمة الإنسان أن يسعد في بيته، لذلك قال تعالى:

(فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)

[سورة النساء]

رجل تزوج امرأة في عصر التابعين يبدو أنها لم تعجبه، ندم أشد الندم و شعرت عليه بذلك فقالت يا فلان: قد يكون الخير كامناً في الشر، بقيت هذه الكلمة ترن في ذهنه ثم هام على وجهه عشرين عاماً هكذا القصة، عاد إلى المدينة فدخل إلى المسجد فرأى درساً يلقيه شاب حوله آلاف مؤلفة، قال: من هذا؟ قالوا: هذا أنس بن عامر، هو عامر ابنه، قال له: قل لأمك إن في الباب رجلاً يقول لك: قد يكون الخير كامناً في الشر، قالت: يا بني هو أبوك،
أي الله عز وجل علمنا أن مصلحة الإنسان، مصلحة الزوجة و الأولاد فوق كل شيء، فالإنسان حينما يرضى و حينما يقبل بقضاء الله و قدره عندئذ ربنا عز وجل يسبغ على هذا الزواج سعادة ما بعدها سعادة،

الحقيقة السابعة: بيت الزوجية مؤسسة ولا بد لها من قائد:

هو أن هذا البيت مؤسسة، و ما من مؤسسة على وجه الأرض إلا و تحتاج إلى قائد، فالله سبحانه و تعالى لحكمة بالغة قال:

(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً)

[سورة النساء]

هذه آية لا ينتبه لها أحد، فضل بعضهم على بعض ليس معنى هذا أفضل منك، معنى ذلك أنها أفضل منه في حالات و في قضايا و هو أفضل منها في قضايا، ففي شؤون العاطفة و العناية بالبيت و بالأولاد هي أفضل منه، و في شؤون الرؤيا و القيادة هو أفضل منها فقال فضل بعضكم على بعض و ليس معنى هذا أنه يوجد طرف مفضل، معنى ذلك أن كل طرف مفضل و فاضل كل طرف، فالرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض و ليس بما فضلهم على النساء كلا، بل بما فضل بعضكم على بعض، و بما أنفقوا من أموالهم فالقوامة من الرجل إلا أن هذه القوامة لا تعني أنه كل شيء و هي لا شيء قال تعالى:

(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)

[سورة البقرة]

أي إذا كان بالمراتب العسكرية هناك لواء فهي ليست جندي بل هي عميد، رتبة واحدة هذه المرتبة هي مرتبة القيادة، لا بد من قائد للمركبة، الشيء الثاني: هذا لا يمنع أن نتشاور و الدليل على ذلك قال تعالى:

(وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ)

أي تنصحها و تنصحك، و تأمرها و تأمرك، و الحياة حركة إلى منتصف الطريق، هناك مثل واضح هو: أنك هنا و أنا هنا لا بد من أن أصل إلى نصف الطريق إليك و لا بد من أن تصل إلى نصف الطريق إلي بهذه الطريقة يلتقي الأطراف،

الحقيقة الثامنة:المعاملة بالمثل:

المعاملة بالمثل، أي إذاً كنت تتمنى أن تحترم أهلك فاحترم أهلها، كنت قلت:
هناك ثلاثة آباء، أب أنجبك و أب زوجك و أب دلك على الله، فالذي زوجك أب فإذا عاملت والد زوجتك كأنه أبوك و إذا عاملت أم زوجتك كأنها أم، و إذا عاملت والد زوجها كأنه أب و أم زوجها كأنها أم صار الوئام، كما أنك تحرص على إرضاء أمك تحرص على إرضاء أمها،
المؤمن منطقي يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه، أما هو يجب أن تحترم أهله إلى أعلى درجة و هو يسيء إلى أهلها هذا إنسان عنصري غير موفق و غير منطقي و لا يستحق أن يسعد في زواجه، إذا كنت أنت منطقياً قال عامل الناس كما تحب أن يعاملوك،

الحقيقة التاسعة:التصحيح:

هذه بعض النقاط الدقيقة التي يمكن أن يبنى عليها نجاح الزواج، والإنسان إذا كان أخطأ سابقاً في زواجه يجب أن يؤمن بالتصحيح، ممكن كل شيء أن يتصحح، كم من زواج بني على فساد و صار هناك شقاق و نفور و كان على وشك الطلاق ثم صح الزوج و اصطلح مع الله و استقام على أمره فإذا هو إنسان آخر يجب أن تؤمن بقوله تعالى:

(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)

[سورة الأنبياء]

وأيضاً نقول لك و أصلح الله لك زوجك، إصلاح الزوج و الزوجة شيء ممكن مائة في المائة، و كل بيت قال تعالى:

(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)

[سورة طه]

كل بيت تؤدى فيه الصلوات، و كل بيت فيه ذكر لله عز وجل، هذا البيت مبارك، و ذكرت لكم:
يَقُولُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: محاضرات وندوات خارجية – أمريكا – الرحلة1 – المحاضرة ( 02 – 10 ) : العلاقات الزوجية.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-01-30 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس