حركاتك في حياتك وسائلك إلى الله

بسم الله الرحمن الرحيم

وسائلك إلى الله:

أيها الأخوة:
الله جلّ جلاله بيده كل شيء، وإليه يرجع الأمر كله، ولكن لولا أنه رسم إليه طرائق كثيرة ما سعِدنا به، ولا فُزنا بالقرب منه، الله عز وجل يقول:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)

[سورة المائدة]

هناك وسائل تُسوقنا إليه، هناك طرائق وأسباب وسُبل تفضي إليه، وهذه السبُل والوسائل كثيرة جداً، ابدأ
في البيت هناك وسيلة إلى الله أن تكون زوجاً كاملاً أو أباً كاملاً أو ابناً كاملاً أو زوجة كاملة… ضمن البيت هذه الطرق إلى الله، لك أن تعبده وأنت في بيتك،
خرجت من البيت، في الطريق بإمكانك أن تعبده بطاعتك لله عز وجل، بغض البصر في الطريق، بضبط اللسان، بإلقاء السلام، بالإصلاح بين الناس،
وصلت إلى عملك لمجرد أن تتقن عملك وأن تنصح المسلمين هناك طريق إلى الله، من يستفيد من علمه وسيلة، أنفقت المال وسيلة،
جلست مع الصالحين وسيلة،
العبرة أن تؤمن بالله، بعد أن تؤمن كل حركاتك وسكناتك هي عبادات وقربات وأعمال صالحة.

ما من عمل تبتغي به وجه الله عز وجل هو عند الله وسيلة

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا)

كيف تتقوه ؟ كيف تصلوا إليه ؟ عن طريق الوسائل، أما في عالم الدنيا قد تجد إنسان قوي بيده الأمور كلها، لكن لا طريق له ! لا تستطيع أن تقابله ولا أن تعرض عليه مشكلتك ولا أن تسمعه صوتك، لكن الله جل جلاله جعل له وسائل لا تعدّ ولا تحصى، حتى قال بعضهم:

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق

وأنت في حرفتك إتقان عملك وسيلة،
نصحك للناس وسيلة،
إن كنت صادقاً فالصدق وسيلة،
إن كنت أميناً فالأمانة وسيلة.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)

قد تدخل بيت الله عز وجل بنيّة أن تتقرب إلى الله، وهذا باعتكافك في المسجد فأنت ضيف من ضيوف الله عز وجل، ودخولك بيت الله وسيلة،
فإذا فهمنا الوسيلة بمعناها الواسع طلب العلم وسيلة، العمل به وسيلة،
الأبوّة الكاملة وسيلة، الزوجة الكاملة وسيلة، البنوّة الكاملة وسيلة،
المرأة خصّها الله بعبادة متميزة، ثيابها ثوبها عبادة، كل مساحة من ثوبها متعلقة بدينها، فإذا تسترت وحجبت مفاتنها عن الآخرين تكون قد ساهمت بعفاف الشباب ! وإبعادهم عن هيجان الغريزة، إذاً المرأة عندها وسائل، فلو أنها عطفت على تربية أولادها وسيلة،

الدين والدنيا متطابقان:

فالدين هو الحياة، الحياة بأوسع معانيها، فليس لدينا في الحياة شيء اسمه دين، وشيء اسمه دنيا، الدين والدنيا متطابقان، فيمكن أن تمارس حياتك بأعلى مستوى وأنت في عبادة الله عز وجل،

الوسائل تحتاج إلى معرفة لله:

فالوسائل تحتاج إلى معرفة لله، تعرفه أولاً وتبتغي رضوانه ثانياً، إذاً كل حركاتك في الدنيا أصبحت وسائل.

الله يجزيك أعظم الجزاء على وسائلك إليه:

عند الله شيء يُحيّر العقول من الكرم ! فأنت لمجرد أن تدلّ إنساناً على الله كل أعماله في صحيفتك بكاملها أعماله وأعمال ذريّته، وذريّة ذريّته إلى يوم القيامة، هذا يُفهم من قوله تعالى:

(وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)

أعظم عمل هو الذي يبقى بعد الموت، هناك أعمال لاتعد ولا تحصى.
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ

[سنن الترمذي]

الوسائل والهدف:

لذلك المؤمن يتميز عن غير المؤمن يسعى إلى هدف يأكل ويشرب ويتزوج ويسكن ببيت ويعمل ويكسب المال…. هذه كلها عنده وسائل، أما الهدف أن يصل إلى الله عز وجل، ترى إنسان بلا هدف يعيش ليأكل هذا النموذج الذي يؤكد تفاهة الحياة.
مرة دُعيت إلى تعزية، المكان بعيد عن مدينتي مائة كيلو متر، والذي دعاني أتمنى أن أُلبي دعوته وألقيت كلمة هناك، سألت: هذا المتوفى من هو ؟ أعطوني اسمه، ما هو وضعه ؟ قيل أنه كان تاجراً، أين يقيم ؟ قيل: خارج البلد، ما مقدار الثروة التي تركها ؟ قيل: أربعة آلاف مليون ! لم يأخذها إرثاً أخذها جهداً، عمره خمس وخمسون عاماً، كان في بلد للسياحة، وهو في الفندق جاءته سكتة قلبية فمات،
هنا لدينا سؤال كبير: هل من المعقول أن إنساناً يعمل خمس وخمسون عاماً حتى جمع ثروة طائلة، ثم تنتهي الثروة بثانية ؟ ! ترك ومات، سؤال كبير: ما هذه الحياة ؟ ما طبيعتها ؟
الإنسان يشعر أن هناك مشكلة، كم شركة ربط ؟ وكم بضاعة استورد ؟ وما هو مستوى إدارته ؟ ومستوى جمع ماله؟ وما مستوى تحصيل ديونه ؟ وزياراته وسفرياته ؟ طبعاً بالنسبة للتجارة من أعلى مستوى ! معقول هذه الثمرة العالية جداً تذهب في ثانية واحدة ؟
سبحان الله في طريق العودة أنا أفكر طريق طويل فتوصلت إلى: أن هذا الإنسان بالجهد والحرص نفسه، بإتقان مصلحته وقدراته التجارية نفسها، لو كان يعرف الله عز وجل لوظّف هذا المال بالحق، هناك أناس كثيرين، لو أنه عرف الله وعرف سرّ وجوده وغاية وجوده، لوظّف هذا المال في الحق، المبلغ ضخم جداً، أنا أقول: سبحان الله الأغنياء أمامهم فرص للجنة لا تعد ولا تحصى ‍! كم دمعة يمسحون عن وجوه البائسين ؟ كم مدرسة يفتحوا ؟ كم معهد يؤسسوا ؟ كم ميتم يفتحوا ؟ ممكن الغني أن يقوم بأعمال كالجبال، وكلها عند الله عبادات، وكلها تلقي به إلى أعلى درجات، وكلها طرق إلى الجنة،
لكن عندما يغفل الإنسان عن الله:

(وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً)

كله مبدد،
أما إذا كنت مع الله توظف حرفتك وبيتك وأولادك وزوجتك حتى نشاطك والحزن والفرح أيضاً كلهم يوظفون بالحق !

ما الهدف؟ وما الوسائل؟

فالوسيلة لها مفهوم واسع جداً، حرفتك إحدى وسائل العبادة لله عز وجل، وكأن الجنة مدينة الأحلام وكل من دخل بها سعد بها، يمكن أن تدخلها بدراجة أو بسيارة أو بطائرة أو سيراً، حينما تدخلها التغت الوسيلة وأنت هو الغاية، فالهدف يجب أن يكون هو الله، الوصول إليه هو كل شيء،
لذلك يمكن أن تقول: الله عز وجل هو الحقيقة الوحيدة في الكون، أي شيء يقربك إليه يُسعد، وأي شيء يبعدك عنه يُشقي،
فابداء من طلب العلم إلى خدمة الخلق إلى ذكر الله إلى أمر بالمعروف، كل حركاتك وسكناتك ونشاطاتك في سبيل أن تصل إليه أعمال صالحة،

معرفتك الهدف أساس الحياة:

فمن هنا كانت حياة المؤمن ذات معنى، تجد المؤمن حياته خشنة لكنه في أعلى علّيين، قد تذهب إلى إنسان غاية في النعيم لكن بجهله وغفلته عن الله هو في أسفل السافلين لذلك:

(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55))

[سورة الذاريات]

الإنسان لديه مجموعة حقائق ينبغي أن يعرفها بشكل دقيق جداً، ومعرفة هذه الحقائق تجب قبل أن يعمل وقبل أن يتزوج لأنها متعلقة بمصيره الأبدي، من هنا كان طلب العلم فريضة، شتان بين إنسان يعلم وإنسان لا يعلم، مثل الذي يعرف الله والذي لا يعرفه، كمثل الحي والميت.

(أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ)

[سورة النحل]

كلما تعمّقت المعرفة بالله انعكست في العمل، أصبح لديك هدف،

الخلاصة:

فلذلك أيها الأخوة: الله خلقنا لكن رسم لنا طرق إليه قال: صلي اذكر أُءمر بالمعروف، ربّي أولادك أتقن عملك اخدم الناس… كلها طرق سالكة إليه، فإذا أردتني فأتني من هذه الطرق، وأنا أقول لكم كلمة: والله مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تخطب ودّه ثم لا تجد استجابة الله لك، من أتاه مشياً أتاه الله هرولة !
من تقرّب شبراً إلى الله تقرّب الله إليه ذراعاً، جرّب واقترب وقم بحركة نحو الله، لكن دون نفاق ومظاهر، فقط بينك وبينه، صلي في الليل اخدم عباده لا تقل له أنت من أين، اخدمه لوجه الله، كل إنسان أمامك هو عبد لله، اخدم أي إنسان، اخدم حيوان اُخدم مخلوق ترقى عند الله.
العبرة أنه ما خطب أحد ودّ الله عز وجل إلا والله قبله وأكرمه وعامله معاملة متميزة، فالذي يشدّك إلى الدين معاملة الله لك بعد تقربك منه.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: أحاديث رمضان 1421 – تفسير آيات – سورة المائدة – الدرس ( 07 – 52 ) : السبُل والوسائل لله تعالى .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-12- 01 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس