أغسطس
27
2012

عام الحزن.

بسم الله الرحمن الرحيم

النبي بسيرته جمع بين الواقعية والمثالية ؟

أيها الأخوة الكرام، مع موضوع جديد من موضوعات فقه السيرة النبوية، ولا يخفى عن الأخوة الكرام أن العبرة من هذا أن نستنبط من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن سيرته، ومن مواقفه القواعد الصحيحة في التعامل، بل إن الأحداث التي وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقعت وهي مقصودة لذاتها، وقعت ليقف النبي صلى الله عليه وسلم منها موقفاً كاملاً يعبر به عن سلوك يرضي الله عز وجل .
ذلك أن الحقيقة حينما يعبر عنها بالسلوك تكون أقوى في التأثير، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم لها وجه آخر، وهو أن هناك مثالية حالمة، هناك من لا يلتفت إليها، يقول: ليست واقعية، فالنفس تبتعد عن المثالية الحالمة، وعن الواقعية المقيتة، ولكن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تجمع بين المثالية والواقعية بحق يمكن أن نسميها واقعية مثالية، أو مثالية واقعية، والناس لا يتعلمون بآذانهم فحسب، بل يتعلمون بعيونهم، ولعل موقف النبي صلى الله عليه وسلم الموقف العملي أبلغ في الدلالة على فهم النبي في كتاب الله من كلامه، الموقف العملي حدي، بينما الكلام يحتمل التأويل .
فرأيي في موضوع إذا كان كلامياً فكلامي يحتمل التأويل، بينما إذا كان رأيي في الموضوع سلوكياً، السلوك حدي، من هنا جاءت قيمة فقه السيرة النبوية، والنبي كما تعلمون صلى الله عليه وسلم مشرّع في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، وفي صفاته، وألصق شيء في حياتنا من هذا الدين العظيم سيرة النبي عليه الصلاة والسلام .
أيها الأخوة, نحن نتعلم من سيرة النبي الشيء الكثير،
ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)

[سورة الأحزاب الآية: 21]

لأن الله جعله أسوة حسنة أذاقه كل شيء،
أذاقه الفقر قالت عائشة رضي الله عنها:

دَخَلَ عَليّ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْماً, فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَإنّي صَائِم

[أخرجه مسلم في الصحيح]

أذاقه الغنى،

سأله رجل: لمن هذا الوادي من الغنم؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟! قال: لا، قال: أشهد أنك تعطي عطاء من لا يخشى الفقر، أشهد أنك رسول الله

[أخرجه مسلم في الصحيح]

أذاقه القهر في الطائف، كذبوه، وسخروا منه، وأغروا صبيانهم بإيذائه، فقال دعاءه المشهور:

إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى

[ورد في الأثر]

أذاقه النصر في فتح مكة، فسألهم:

ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء

[ورد في الأثر]

أذاقه موت الولد، فقال:

إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون

[أخرجه البُخَارِيُّ عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنهما في الصحيح]

أذاقه موت الزوجة، وأذاقه تطليق البنات، وأذاقه الهجرة، لأن الله سبحانه وتعالى أذاقه كل شيء وقف الموقف الكامل .
أخوتنا الكرام، حقيقة دقيقة جداً، ليست بطولتك ألا تصاب بمصيبة، ولكن البطولة أنه إذا أصابتك مصيبة أن تقف الموقف الكامل منها، فالنبي عليه الصلاة والسلام علمنا كيف نقف من هذه المصائب الموقف الكامل؟ .

المصيبتان الكبيرتان اللتان دخلتا على النبي في السنة العاشرة من بعثته :

وننتقل في سيرته صلى الله عليه وسلم إلى حادثين مأساويين مؤلمين وقعا في السنة العاشرة، حتى سمى كتاب السيرة السنة العاشرة عام الحزن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فقد إنسانيين، الأول سنده من الداخل، والثاني سنده من الخارج، فَقَدَ خديجة زوجته الحبيبة، وفَقَدَ عمه أبا طالب الذي كان داعماً له في مكة .
فكانت مصيبة النبي صلى الله عليه وسلم كبيرة بوفاة عمه أبي طالب، وزوجته أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، في آخر السنة العاشرة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن غادر المسلمون، هذه بعد المقاطعة التي استمرت سنوات ثلاث، وكان أبو طالب يحوط النبي صلى الله عليه وسلم، ويغضب له .
أيها الأخوة, النبي عليه الصلاة والسلام في السنة العاشرة للهجرة أصيب بمصيبتين كبيرتين،
لكن يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم دائماً، حينما قال مرةً:

لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا

[أخرجه مسلم في الصحيح]

الحقيقة الناصعة أن الله وحده حي وباق على الدوام، وأن كل حال يزول، وأن كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت, صدق القائل:

والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر***والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر

أيها الأخوة الكرام، أنتم كمؤمنين حينما توطنون أنفسكم على أن هذه الدنيا دار ابتلاء، منزل ترح لا منزل فرح، إذا أيقنا أنها دار ابتلاء لا نُفاجئ.

المصائب:

أولاً: المصائب التي تُصيب المؤمنين:

1. مصيبة الدفع :

أيها الأخوة, المصائب التي تصيب المؤمنين،
قال تعالى:

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)

[سورة البقرة الآية: 155-157]

مصائب المؤمنين مصائب دفع أو رفع، ضعفت همته، أفرغت صلاته من الخشوع ، قرأ القرآن فلم يشعر بشيء، تأتيه شدة تحثه على مضاعفة جهده، تنعقد صلته بالله عز وجل ، يكون قد قفز قفزة، قفز وتابع، فكلما ضعفت همته، وكلما بطأ سيره، وكلما لانت إرادته، تأتيه شدة تدفعه إلى الله عز وجل، تعزز مسيرته، تقوي إرادته، تسرع خطاه إلى الله عز وجل ، هذه مصيبة الدفع، لذلك
ورد في الأثر:

أن أوحى ربك إلى الدنيا أن تشدّدي، وتكدّري، وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي

أيها الأخوة، رجل كان شارداً عن الله شروداً كثيراً، أصيب بأزمة قلبية، ودخل في العناية المشددة، وألقي في رُوعه أنه سيموت، فناجى ربه، وقال: يا رب، لا أريد أن أقابلك عرياناً وبلا عمل صالح، أعطني مهلة كي أقابلك على عمل صالح، مد الله في عمره، التزم، تأثر كثيراً، ندم كثيراً، بكى كثيراً، قال لي مرةً وأنا أناجي ربي قلت: يا رب، كل هذه السعادة التي منحتني إياها عقب هذا المرض العضال، لمَ لم ترسل لي هذا المرض قبل عشر سنوات؟ من شدة سعادته .
يد الله يد رحيمة، يد كريمة، يد معطاءة، يد الله تعمل في الخفاء،

ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك

الحزانى في كنف الله، الحزانى معرضون إلى الرحمة، إن الله يحب كل قلب حزين، الحزن خلاق، الحزن يصنع البطولات، يصنع الأمجاد، ولكن الرخاء، والغنى، والصحة, ماذا تفعلان بالإنسان؟ لا تفعل شيئاً.

2. مصيبة الرفع :

أيها الأخوة, هناك مصيبة أيضاً تصيب المؤمنين، اسمها مصيبة الرفع، له عند الله مقام لم يبلغ هذا المقام بعمله الصالح، عمله أقلّ من بلوغ هذا المقام، فساق الله له شدة، إن صبر عليها ارتقى إلى هذا المقام، والآية المتعلقة بالمؤمنين هي:
قوله تعالى:

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)

[سورة البقرة الآية: 155-157]

ثانياً: المصائب التي تصيب الكفار والمشركين :

أيها الأخوة, أما الكفار والمشركون فمصائبهم نوعان:
1. مصائب ردع .
2. مصائب قصم .
إذا في المليون واحد فيه الخير فمصيبته ردع، وإن علم الله أنه لم ينتفع بهذه المصيبة,
قال تعالى:

(وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)

[سورة هود الآية: 36]

تأتي مصيبة القصم، يبطش الله به، للكفار والمشركين المصيبة مصيبة ردع إن كان ثمة بقية خير فيهم، أو قصم حتى ينتهي كلياً .

ثالثاً: المصائب التي يبتلى بها الأنبياء :

أيها الأخوة, بقيت مصائب الأنبياء والمرسلين، هذه مصائب كشف، هؤلاء قِمم البشر، ينطوون على كمال لا يظهر أبداً بالأحوال العادية .
إنسان يمشي على قدميه في الحجاز، درجة الحرارة 56، بلاد لا نبات فيها، جبال وصحارى، والحر لا يحتمل، في هذه البيئة القاسية الحارة مشى النبي على قدميه إلى الطائف، كم كيلو قطع؟ 80 كم، والجبال عالية، والطرق وعرة، وصل إليهم، ينتظر أن يؤمنوا به، ويدعموه، ويعززوا موقفه بعد موت عمه وزوجته، فما كان منهم إلا أن كفروا به، وسخروا منه، وأغروا صبيانهم كي يضربوه، وألجئوه إلى حائط، ودعا ربه الدعاء المشهور،
فقال صلى الله عليه وسلم:

إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي

[ورد في الأثر]

جاءه ملك الجبال، قال: يا محمد لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين

الآن أعطي صلاحية الانتقام ـ إذا استفز إنسان إنسانًا، وتمكن منه يسحقه،

قال: لا، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده

ما تخلى عن قومه، ودعا لهم، واعتذر عنهم ، ورجا لهم ذرية صالحة، هذا الموقف، هذه مصيبة أن تُكذب، وأن يُسخر منك، و تُضرب .
أيها الأخوة، هذه مصائب كشف للأنبياء والمرسلين .

المراحل التي يجتازها المؤمن أثناء التربية الإلهية حتى يحقق سعادته في الدنيا والآخرة :

أيها الأخوة, في حياة المؤمن مرحلة اسمها التأديب، ومرحلة اسمها الابتلاء، الطالب أجاب إجابة صحيحة، يقول له المدرس: متأكد؟ يقول: لا، أخطأت، لعله نقلها من صديقه أو سمعها منه, الآن يمتحن، الابتلاء ليس شرطاً أن يسبقه معصية، الابتلاء امتحان المصداقية، امتحان التأكد،
1. فمرحلة يؤدب فيها المؤمن،
2. ومرحلة يبتلى ويمتحن،
3. وفي مرحلة يكرم،
هذه المراحل تكون متمايزة أو متداخلة، لكن أطمئنكم أن حياة المؤمن إذا أدبه الله، واستقام على أمره، وإذا امتحنه ونجح في الامتحان لا تستقر ولا تستمر إلا على الإكرام، هذا معنى قوله تعالى:

(مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)

[سورة النحل الآية : 97]

هذا معنى قوله تعالى:

(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)

[سورة الرحمن الآية: 46]

هذا معنى قول بعض العلماء: ” في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة “، هذا معنى قوله تعالى:

(أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)

[سورة الرعد الآية: 28]

هذا معنى قول أحد العارفين:

فلو شاهدت عيناك من حسننا***الذي رأوه لما وليت عنا لــــــغيرنـا
ولـــــو سمعت أذناك حسن خطابنا***خلعت عنك ثياب العجب و جئتنـا
ولـــــو ذقت من طعم المحبة ذرة***عذرت الذي أضحى قتيلاً في حبنـا
ولـــــو نسمت من قربنا لك نسمة***لــــمُت قتيلاً واشتياقاً لقربنـا

إذاً: هذه المصائب، وتلك الإجراءات التي تقتضي سلامة المؤمن، وهي مرحلة التأديب، ومرحلة الامتحان، ومرحلة التكريم .
أيها الأخوة، كتعليق دقيق جداً، ونحن في أمسّ الحاجة إلية، الله عز وجل كريم، لطيف، رحيم، في حديث قدسي يذوب القلب له،
يقول ربنا جل جلاله فيما يرويه عنه النبي صلى الله عليه وسلم:

ما ترددت (الله لا يتردد) في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المسلم، يكره الموت، وأنا أكره مساءته ولا بد له من الموت

[أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة في الصحيح]

ربنا عز وجل قبل أن يقبض عبده المؤمن يكره مساءته، هكذا الحديث، أكره مساءته، هو يكره الموت، وأنا أكره مساءته

تدرج العلاج الرباني:

الله عز وجل قبل أن يسوق للإنسان المصيبة لا بد من أنها ضرورية جداً، ولكن ماذا يسبقها؟

أولاً: الهدى البياني:

فلذلك الله عز وجل يبدأ بالهدى البياني، وأنت صحيح معافى، تتمتع بحواسك الخمس، ولك بيت وأهل وزوجة، ولا تشكو من شيء، يسمعك موضوعاً أخلاقياً، يبين لك وأنت جالس حكماً شرعياً، أو موقفاً دينياً ، هذا اسمه الهدى البياني، بيان فقط، أكمل موقف هذا للهدى البياني أن تستجيب لله :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)

[سورة الأنفال الآية : 24]

ثانياً: التأديب التربوي:

فإن لم تستجب أخضعك الله لإجراء آخر، التأديب التربوي:

(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)

[سورة السجدة الآية: 21]

أكمل موقف في التأديب التربوي أن تتوب إلى الله،

ثالثاً: الإكرام الاستدراجي:

فإن لم تتب أخضعك الله لإجراء ثالث، الإكرام الاستدراجي,
قال تعالى:

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ)

[سورة الأنعام الآية : 44]

رابعاً: القصم:

فإن لم تعُدْ إلى الله جاء الإجراء الرابع الذي لا بد منه، وهو القصم، هكذا، فأسأل الله لي ولكم أن نكون في المرحلة الأولى، الهدى البياني .

العمل الصالح إن لم يسبقه إيمان بالله لا قيمة له :

أيها الأخوة, ولكن الشيء الذي أتمنى ألا أذكره أن أبا طالب رغم كل جهده في صون النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الدفاع عنه، وفي تعزيز مكانته لم يُسلِم، هذا المغزى خطير جداً، العمل الصالح إن لم يُبْنَ على الإيمان فلا قيمة له، وما من إنسان في أول البعثة قدم خدمة لسيد الأنام كعمه أبي طالب، ومع ذلك لم يُسلِم، وكان أبو طالب يحوط النبي صلى الله عليه وسلم، ويغضب له ، وكان ينصره، وكانت قريش تحترمه، وقد جاء زعمائها حين حضرته الوفاة، فحرضوه على التمسك باللات والعزى، وعدم الدخول في الإسلام، وعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام بإلحاح طالباً منه أن يتلفظ بالشهادتين ليشهد له بها يوم القيامة، وكان رد عمه عليه: لولا أن تعيرني بها قريش، يقولون: إنما حمله عليها الجزع، لأقررت بها عينك، رفض أن ينطق بالشهادة، ولا أحب أن أكمل، وهذه حكمة بالغة أنه ما مِن عمل إن لم يُبْن على إيمان بالله فهذا العمل يكون هباءً منثورا .
أيعقل أن يموت الإنسان من دون إيمان بالله، وهذا الكون كله ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله؟ أنزل الله عز وجل بعد هذه الحادثة:

(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)

[سورة القصص الآية: 56]

فإذا كان منا مؤمن بخالق الأكوان فهو في نعمة كبيرة، هناك من لا يستطيع أن ينطق بالشهادة عند الموت.
أيها الأخوة, لا نريد وهماً مريحاً، نريد حقيقة مُرّة، الوهم المريح ما له قيمة، مثلاً: ما الذي يحدث الآن؟ يكون تاركًا للصلاة، ما توجه إلى القبلة في حياته، وماله حرام، وغارق بالمشروبات، يموت، يقول أهله: رأيناه في الرؤيا كبة نور، يرتدي ثياباً بيضاء، هذا كلام لا يصح،
أرح نفسك من تقييم الأشخاص، تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، وأنت حينما تقيم تطاولت على الله،
لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أحد أصحابه، وقد توفاه الله، واسمه أبو السائب، فسمع امرأة, تقول: هنيئاً لك أبا السائب، لقد أكرمك الله، لو أن النبي سكت لكان كلامها صحيحاً، فسألها:

ومن أدراك أن الله أكرمه؟ قال: قولي: أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم

وهو سيد الخلق، هذا سماه العلماء:

التألّي على الله

أن تقول: فلان من أهل الجنة، من أنت؟ قل: أرجو أن يكون من أهل الجنة، أو تقول: فلان في النار، من قال لك ذلك؟ إذا تاب قد يسبقك، فأن تحكم على العباد مستقبلاً هذا تألي على الله، وهذا تطاول على الذات الإلهية .
بل إن العلماء السابقين رحمهم الله تعالى إن كلفوا بتقييم إنسان, يقولون: نحسبه صالحاً، ولا نزكي على الله أحداً .
لما استخلف سيدنا أبو بكر رضي الله عنه عمر بن الخطاب، وخوفه بعض الصحابة بأن عمر شديد على أصحابه، فقال الصديق: أتخوفونني بالله؟ والله لو أن الله سألني يوم القيامة : لمَ وليت عليهم عمر, لأقولن له: يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به، فإن بدل وغيّر فلا علم لي بالغيب .
مثلاً: الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، هذا الإنسان العظيم الذي ترك الإحياء، قال بعد أن مات، ورآه بعض تلاميذه في الرؤيا، وقد قيل له: يا إمام، ما فعل الله بك؟ قال: لم ينفعني عملي من شيء، له أعمال كالجبال، لكن الله غفر لي بذويبية, كائن متحرك، حجمه أقل من واحد على مئة بالميليمتر، نقطة سوداء تتحرك على الكتاب، هذه الذويبية, قال: وقفت ذويبية على كلمة كتبتها لتشرب من الحبر، فانتظرتها، فرحمني الله بها،
هذا خلل في الدين، أعمال، ومؤلفات، وهجرة في سبيل الحق، حتى يقنعك أن الدين ليس بالعمل، أما الحقيقة: ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم,
قال تعالى:

(ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)

[سورة النحل الآية: 32]

أي اقتسموا الجنة بأعمالكم، أما أصل دخولها فبرحمة الله .

المكانة التي تحتلها السيدة خديجة عند رسول الله :

أيها الأخوة, وقد فَقَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بوفاة عمه سنداً كبيراً، إذ لم يعد بنو هاشم مستعدين لتقديم القدر نفسه من الحماية للنبي صلى الله عليه وسلم لما يصيبهم من أضرار مادية ونفسية، كما تبين من المقاطعة، أما خديجة بنت خويلد فإنها امرأة عملاقة، إنها امرأة تُعلم النساء جميعاً, كيف تكون الزوجة؟ لا تنسوا أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما فتح مكة دعاه سادتها لبيت عندهم، قال:

انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، وركز لواء النصر أمام قبرها

ليعلم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر، أما خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقد توفيت قبل الهجرة النبوية إلى المدينة بثلاث سنين، في عام وفاة أبي طالب نفسه ، وكانت خديجة وزيرة صدق .
أخوانا الكرام، هناك ملمح في هذه المرأة لا يصدق، حينما جاءه الوحي، وجاء إلى البيت مضطرباً عليه الصلاة والسلام، ماذا قالت له؟ لم يأتِ الوحي بَعد، والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتطعم الجائع، وتكسو العاري، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصل الرحم، وتعين نوائب الدهر، أنى لها هذه المعرفة؟ هذه الفطرة .

هل يمكن أن يتخلى الله عن عبده المؤمن المنضبط عند حدود شرعه ؟

أيها الأخوة: أي شاب مؤمن، مستقيم, يجب أن يتفاءل مهما تكون الظروف صعبة,
قال تعالى:

(أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ)

[سورة السجدة الآية: 18]

(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)

[سورة القلم الآية: 35-36]

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)

[سورة الجاثية الآية: 21]

أيها الأخوة, مستحيل، وألف ألف ألفِ مستحيل أن يعامل المستقيم كالمنحرف، والصادق كالكاذب، والأمين كالخائن، والمنصف كالجاحد، وأن يستوي هؤلاء مع هؤلاء، هذا لا يتناقض مع عدل الله فحسب ـ دققوا فيما سأقول ـ بل يتناقض مع وجود الله، بأي زمان كنت، بأي مكان، بأي ظرف صعب، بأي حالة اضطراب، لك معاملة خاصة,
قال تعالى:

(وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)

[سورة الأنبياء الآية: 88]

سأل النبي معاذ بن جبل، وكان رديفه على الدابة، ما حق الله على عباده؟ فقال: الله ورسول أعلم، فأعاد عليه السؤال ثانية، يا معاذ، ما حق الله على عباده؟ قال: الله ورسول أعلم، ثم سأله ثالثة، ما حق الله على عباده؟ فقال عليه الصلاة والسلام: حق الله على عباده أن يعبدوه، وألا يشركوا به شيئاً، ثم سأله يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه؟ قال: الله ورسول أعلم، سأله ثانية، وثالثة، ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم

[أخرجه مسلم في الصحيح]

اطمئنوا، أنت إذا عبدت الله أنشأ الله لك حقاً عليه ألا يعذبك، لذلك:

(وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)

[سورة الأنبياء الآية: 88]

(وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)

[سورة الروم الآية: 47]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (20-57) : عام الحزن .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-09-12 | المصدر

PDF
WORD
biography








1011
1013
1016

الزوار الكرام

نرحب بكم في موقعنا والذي يتناول أساسيات الدين الإسلامي والإيمان بالله تعالى ونبيه ، وذلك لمن يريد أن يفرق بين حقيقة الإسلام واعتقاد البعض عنه.

نتيجة استفتاء الشهر

السؤال :
يعود سبب تخلف المسلمين إلى؟
الجواب الصحيح :
ضعف الإيمان
شرح نتيجة الاستفتاء
أرشيف استفتاء زوار الموقع
mail
RSS