مباسطته صلى الله عليه وسلَّم لجلسائه وتوسعه معهم

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة المؤمنون … من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم وخصاله الحميدة ، مباسطته صلى الله عليه وسلم لجلسائه واتساعه لهم ، فقد كان عليه الصلاة والسلام ينبسط لجلسائه انبساط الانطلاق الشرعي المباح .
قبل أن أمضي في الحديث عن هذه الخصلة الشريفة ، هناك أشخاصٌ مرنين ، أينما حلوا، وأينما جلسوا يأنَسون ويؤنسون ، يألفون ويؤلفون ، ينبسطون مع من حولهم ، لا تشعر أنهم غرباء ، لا تحس بفوقيةً في سلوكهم ، ولا الانزواءٍ في تصرفاتهم ، ولا عنهجيةٍ في حركاتهم وسكناتهم ، تحس أنهم منك وأنت منهم ، هذه صفات العظماء ، الأُلفة ، الأنس ، قد تشعر إذا كنت في مستوىً أخلاقي رفيع أن هذا الإنسان العظيم قريبٌ منك . و إن النبي عليه الصلاة والسلام فيما أثر عنه ، أنه ما من صحابيٍ عامله إلا شعر بأنه أقرب الناس إليه .
لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا جلس مع أصحابه يبسط إليهم رداءه ، ويطلق لهم وجهه دون أن يشعرهم أنه نبيٌ عظيم ، وأن بينه وبينهم مسافاتٍ شاسعة ، هذا الشعور لم يكن عند أصحاب رسول الله ، مهما بالغوا في أدبهم معه ، إلا أنهم يشعرون أنهم قريبون منه ، وقريبٌ منهم ، هذا كلام عام ، لكن لو أردنا التفاصيل كيف ؟

كان يُشارك أصحابه الحديث:

كان النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا جلس مع أصحابه وتحدثوا في حديثٍ مباحٍ من أمر الدنيا. كأنْ إذا تحدثوا في التجارة مثلاً ، استمع إليهم وأدلى بدلوه في هذا الموضوع ، و إذا تحدثوا عن الأمطار ، استمع إليهم وأدلى بدلوه في هذا الموضوع ، و إذا تحدثوا عن مشكلاتٍ يعانيها المجتمع ، استمع إليها وأدلى بدلوه في هذا الموضوع ،وذلك تأليفاً لقلوبهم ، وتطييباً لخواطرهم ، وإيناساً لهم .
فعن خارجة بن زيد أن نفراً دخلوا على أبيه زيد بن ثابت رضي الله عنه فقالوا : حدثنا ببعض حديث النبي صلى الله عليه وسلم . قال :

وما أحدثكم ، كنت جاره صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فآتيه فأكتب الوحي ـ سيدنا زيد كان من كُتَّاب الوحي ـ فكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا.

فلا أدل على هذا الخلق الرفيع من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشارك في الحديث المطروح إذا كان مباحاً ،

فإذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا

قَالَ سِمَاكٍ قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ :

أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَعَمْ فَكَانَ طَوِيلَ الصَّمْتِ قَلِيلَ الضَّحِكِ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَذْكُرُونَ عِنْدَهُ الشِّعْرَ وَأَشْيَاءَ مِنْ أُمُورِهِمْ فَيَضْحَكُونَ وَرُبَّمَا تَبَسَّمَ

إنسان طبيعي لطيف ، يأنس ، ويُؤنس ، يألف ويُؤلف ، فإذا أريد منه شيءٌ جللٌ عظيم انطلق إليه كأنه بطل . لا زلت أركز على نقطة واحدة من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان طبيعياً ، لا تكلف عنده و لا تصنع ، فهو عفوي ، بسيط ، يألف يُؤلف ، يستمع ، يضحك مما يضحك منه أصحابه ، ذكروا أمر الدنيا يذكرها معهم ، ذكروا أمر الآخرة يذكرها معهم ، ذكروا شيئاً من حطام الدنيا المباح يذكره معهم .
و هذا ذكرني بموقفٍ عظيم لسيدنا الصديق رضي الله عنه
فعَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ ـ بصفاء ، بانشراح، بسمو ـ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ ـ عدنا إلى البيت وانغمسنا في أمور الحياة ، شؤون البيت ، شؤون العمل ـ فَنَسِينَا كَثِيرًا – هذا الحال الطيب نفقده – قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا – ما هذا التواضع ؟! – فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذَاكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ

[مسلم]

إنسان يشكو لك همه ، يشكو لك زوجته ، يشكو لك أولاده ، يشكو لك ضيق ذات يده ، يشكو لك صعوبةً في عمله ، أنت كإنسان راقٍ فماذا عليك أن تقول ؟ لا ، أنا عكسك ، أنا التي عندي ما شاء الله امرأة نادرة الأخلاق ، لا تقل كذلك ، بل قل له : معظم النساء كذلك . طيب خاطره ، أشعره أنها قضية عامة ، قضية يعاني منها كل الأزواج ، أشعره أن هذا الابن ليس شاذاً هكذا معظم الأبناء ، هذه مشكلة عامة ، طيِّب قلبه ، لا تجعل نفسك فوقه ، لا تنفرد بميزات ليست عنده ، ليس هذا من خُلق المؤمن ، ألِّف ، لا تجعلهُ يشعر بالوحشة والانفراد .

مزاحه مع أصحابه:

كان عليه الصلاة والسلام يمزح مع أصحابه لإدخال السرور عليهم .
قال الله تعالى:

(وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ?)

[سورة آل عمران : من آية 159]

يروون بالتاريخ عن أحد كبار القواد الذين فتحوا قارة بأكملها ، مرة تفقد أحد حراسة فرآه نائماً ، حارس ونائم!! فأمسك سلاحه بيده ووقف مكانه ، هذا الحارس شبع من النوم ثم فتح عينيه فإذا هذا القائد العظيم يقف في الحراسة مكان هذا الجندي وسلاحه بيده .
كن قريباً من الناس ، كن طبيعياً ، لا تكن متكلفاً ، لا تجعل بينك وبين الناس هوةً كبيرة ، لا تشعرهم أنك فوقهم بكثير ، أشعرهم أنك واحدٌ منهم ،
أذكر لكم أنني قرأت مرة تقديماً لكتاب عن شمائل النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ ، يا من قدَّست الوجود كله ورعيت قضية الإنسان ، يا من زكَّيت سيادة العقل وأنهيت غريزة القطيع الشاهد : يا من هيأ لك التفوق لتكون واحداً فوق الجميع ، فعشت واحداً بين الجميع

هذا ملخص هذه الخصلة الرائعة في رسول الله، هو متفوِّق بحيث إنه بإمكانه أن يعيش فوق الجميع لكنه لم يعش إلا بين الجميع كواحدٍ منهم .
فكان عليه الصلاة والسلام يمزح لإدخال السرور على قلوب أصحابه، لو أنه ترك الطلاقة في وجهه والانبساط في خلقه ولزم العبوس والانقباض لألزم أصحابه بهذا الخُلق وكذلك التابعون ، فأصبح هذا الدين دين انقباضٍ ودين اكتئابٍ ، ودين عبوسٍ ، وديناً ينفر منه الناس .

1. مزاحه مع أهل البادية وتهاديه:

أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهرا ، كان يُهدي إلى النبي عليه الصلاة والسلام هديةً من البادية ـ يسكن بالبادية فيأتي بشيء من الحليب ، أو شيء من السمن ، أو شيء من الصوف ـ كان يهدي النبي صلى الله عليه وسلم هديةً من البادية.
والنبي عليه الصلاة والسلام قال :

تَهَادَوْا

[من سنن الترمذي : عن أبي هريرة]

والتهادي تبادل الهدايا ، وكان عليه الصلاة والسلام يجهزه إذا أراد أن يخرج إلى البادية .
أنت جئتنا بهذا السمن ، وخذ هذا قماش مثلاً ، إذا كان الإنسان له صديق من أهل الريف الكرام ، وجاءه بهديةٍ مما ينتج الريف ، وأنت تسكن في المدينة ، قدِّم له علبة حلوى مما تشتهر به المُدن ، هو يألف هذا الحليب واللبن والسمن ، وهذه الحلوى لا يألفها ليست عندهم ، إذا قدَّم لك هديةً من البادية ، قدم له هدية من الحاضرة ، هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام ،
فكان عليه الصلاة والسلام يقول :

إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه

[من الجامع الصغير : عن أنس]

هو يجهزنا بمنتجات من البادية ، ونحن نجهزه بمنتجات من المدينة.
وكان عليه الصلاة والسلام يحبه ، وكان زاهرٌ رجلاً دميماً ، وكان عليه الصلاة والسلام دائماً ينظر إلى الحقائق ، إلى الجوهر ، الرجل لا يقيّم بشكله ، فكان يحبه ، وكان يداعبه ، وكان يمازحه ، وكان يهديه ،
فأتاه النبي عليه الصلاة والسلام يوماً وهو يبيع متاعه في السوق ،
فعَنْ أَنَسٍ قال:

أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانَ اسْمُهُ زَاهِرًا كَانَ يُهْدِي لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهَدِيَّةَ مِنْ الْبَادِيَةِ فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهُ وَكَانَ رَجُلًا دَمِيمًا فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لَا يُبْصِرُهُ – إلى هذه الدرجة المداعبة ، كان اللهم صلِّ عليه طبيعي ، احتضنه من خلفه وهو لا يبصره – فَقَالَ الرَّجُلُ أَرْسِلْنِي مَنْ هَذَا فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ لَا يَأْلُو مَا أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عَرَفَهُ وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا وَاللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا – لا أحد يشتريني – فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ أَوْ قَالَ لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ

[أحمد]

أنت غالٍ كثيراً عند الله ، المؤمن يشعر أن الله يحبه ، قد يكون بالمستوى الاجتماعي ضارب آلة كاتبة ، وقد يكون حاجباً ، وقد يكون قلامة ظفره تساوي عن الله مليون إنسان من علية القوم ، هو حاجب و لكنه يخاف الله ويطيع الله ويشكر الله ، ويقدِّم من ذات نفسه لله ، ويشتاق إلى الله عزَّ وجل ، حاجب قد تعدل قلامة ظفره مليون إنسان من علية القوم التائهين الشاردين .
هذه العلاقة العفوية ، الطبيعية أساسها الحب ، أساسها المداعبة ، أساسها تبادل الهدايا .

2. مزاحه مع المرأة العجوز:

وجاءت امرأةٌ فقالت : يا رسول الله احملني على بعير .
فقال :

احملها على ابن بعير

قالت : وماذا أصنع به ؟ وما يحملني يا رسول ؟
قال :

وهل يجئ البعير إلا ببعير

أيضاً أُثر أنه كان يمزح مع أصحابه ولا يمزح إلا حقاً ،
أما هذه المرأة العجوز التي أتت النبي صلى الله عليه وسلم قالت : يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة
قال :

يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز

فولت وذهبت وهي تبكي
فقال عليه الصلاة والسلام

أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز

إن الله تعالى يقول:

(إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً)

[سورة الواقعة الآية: 35 – 37]

القصد أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤنس أصحابه ، يطيب نفوسهم ، يدخل على قلوبهم السرور والمِزاح هذه وظيفته في الحياة ، تأليف القلوب ، تلطيف الجو ، تطييب القلوب ، إدخال الفرح على قلب جليسك الذي تحادثه و يحادثك .
وقد ورد في الأثر أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتمازحون فيما بينهم ، فإذا جاءت الحقائق كانوا هم الرجال . أحياناً تجد في حياة الإنسان فصولاً متباينة ، بينما تراه متواضعاً ، ليِّن الجانب ، رقيق الحاشية ، يألف ويؤلف ، فجأةً تجده كالأسد الهَصور ؛ شديدٌ ، مقدامٌ، شجاعٌ . قد تقول : والله شيء غريب ، من هذا اللطف الشديد وهذه الوداعة التي لا حدود لها إلى هذه الشدة والقوة ، هكذا كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله كانوا يتمازحون ، فإذا كانت الحقائق ؛ في غزوة ، في أمر جلل ، كانوا هم الرجال .

3. مزاحه حتى مع الطفل الصغير:

عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ :

إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ

يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ

طفل صغير أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام كُنية ، يا أبا عمير ، كان معه عصفور صغير اسمه النغير ، قال : يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ، تصور إنساناً يتربَّع على قمة المجتمع ، نبوةٌ على ملك ، على عظمة ، على علم ، على وقار ، على هيبة ، مع الوحي والإعجاز ، ومع ذلك يتحبب لطفلٍ صغير ، سماه أبا عمير.

4. مزاح اصحابه معه عليه الصلاة والسلام:

عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ ـ في خيمة صغيرةٍ ـ فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ وَقَالَ ادْخُلْ فَقُلْتُ أَكُلِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ـ رآها خيمة صغير جداً لعله يداعب النبي ـ قَالَ كُلُّكَ فَدَخَلْتُ
هنا نقف عند نقطة جديدة : كان عليه الصلاة و السلام يمزح مع أصحابه لكن هناك أشخاصٌ لا يسمحون لأحدٍ أن يمزح معهم ، لو تجرأ أحد ومزح معهم لأقاموا عليه النكير وعنَّفوه، هذا الصحابي الجليل مزح مع النبي ، قال : أَكُلِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ كُلُّكَ فَدَخَلْتُ مزاح لطيف ، مهذب ، أديب .

5. مزاحه مع أهل بيته:

قال : أما مزاح الرجل مع أهله وملاطفته بأنواع الملاطفة فمطلوبٌ ومحبوب وهو من أخلاق النبيين،
قالت السيدة عائشة له :

أتحبني ؟

قال :

نعم كعقدة الحبل عقدة لا تفك

فكانت هذه الزوجة الطاهرة السيدة عائشة تسأل النبي عليه الصلاة والسلام من حينٍ إلى آخر تقول:

كيف العقدة ؟

يقول :

على حالها

فالزوج عندما يمزح مع زوجته مزاحاً لطيفاً ، فهذا مما يؤلف القلوب ، أحياناً تبذل من الجُهد فوق ما تطيق إرضاءً لزوجها ، لأنه يطيِّب قلبها ويثني عليها ويشعرها أنها شريكته في الحياة .
فأنا حقاً أرجو اللهَ أن يكون بيت كلٍ منكم جنة ، السرور بالبيت ليس له علاقة بمساحة البيت ، ولا بفخامة الأثاث ، وليس له علاقة بنوع الطعام ، لكن له علاقة بارتفاع مستوى الإيمان ، ممكن أن يكون كل بيتٍ من البيوت قطعةً من الجنة ، فالزوج يمزح مع أهله ويطيب قلبهم ويؤنسهم ، وأولاده كذلك .
يقول سيدنا عمر وهذا قولٌ قد يبدو غريباً :

ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي (الصبي يحب المرح دائماً) فإذا التمس ما عنده وجد رجلاً
فإذا التمس ما عنده من حزم من إرادة ، من ورع من تصميم، قال : وجد رجلاً

لذلك قرأت كلمة أعجبتني هي : المؤمن الحق طفلٌ كبير .
فكيف ؟ لأن الطفل عنده صفاء ، و لديه براءة و طيب ، لا يحقد ، لاحظ أحياناً الأب يعاقب ابنه ، بعد دقيقة يبتسم له الابن لأنه لا حقد عنده ، بعد دقيقة واحدة تجده أقبل على أبيه ورمى نفسه في أحضانه ، فهذا يعني أنه لا يعرف الحقد ، بل عنده صفاء نفسي ، وعنده عفو ، لكنه رجل من حيث المروءة ، من حيث الشهامة، من حيث العقل ، من حيث الورع ،

6. لا يُحب الإفراط بالمزاح:

لكن بالمقابل
قال عليه الصلاة والسلام :

لست من ددٍ ولا الدُد مني …

وددٍ يعني لست محباً للضحك والمزاح واللهو والعبث ، طبعاً النبي كان يمزح ، وكان طليق الوجه ، وكان منبسط الأسارير لا يعني هذا أنه كان مغرماً بالضحك ، لا يعني هذا أنه كان يسرف لإضحاك أصحابه ، لا فهو جادٌ ويحمل هموم أمته ويحمل رسالة كبيرة ، إلا أنه ُيدخل على قلوب أصحابه السور بهذا المزاح اللطيف .
ويقول النبي عليه الصلاة والسلام :

لست من الباطل ولا الباطل مني

[من الجامع الصغير : عن أنس]

هو يحمل رسالة ، ويسعى نحو هدفٍ جليل عظيم ، لكن لا بأس من أن يكون لطيفاً يمزح مع أصحابه ، يدخل على قلوبهم السرور.

7. المزاح المنهي عنه:

لكن هذا الكلام يدعونا إلى التساؤل؟
قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لَا تُمَارِ أَخَاكَ وَلَا تُمَازِحْهُ وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدَةً فَتُخْلِفَهُ

كيف نوفق بين مزاحه صلى الله عليه وسلم وبين هذا النهي الصرح الواضح عن المِزاح؟
العلماء قالوا :

هذا النهي محمولٌ على الإفراط في المزاح ، فمن جعل المزاح شغله الشاغل فقد أسرف وتجاوز الحد

والنبي عليه الصلاة والسلام ينهى عن الإفراط في المزاح ، ويبيِّن أن كثرة المزاح تُقَسِّي القلب ، بل إن كثرة المزاح تورث العداوة ، والأذى والحقد ، وجراءة الصغير على الكبير .
فالمعلم ، المدرس ، صاحب المنصب القيادي إذا مزح مزحاً لطيفاً وقليلاً يؤلف القلوب أما إذا كثر مزاحه قلت هيبته ، وتجرأ عليه من هم دونه ، مَنْ مزح استخف به ، كثرة المزاح تُذهب الهيبة ، كثرة المزاح تقسِّي القلب ، تورث العداوة والبغضاء والحقد ، وجرأة الصغير على الكبير.
وقد قال سيدنا عمر رضي الله عنه :

من كثر مزاحه قلَّت هيبته ، ومن مزح استخفَّ به

من أكثر من المزاح ، أو من مزح مزاحاً فيه أذىً أو فيه تحقير لشخصٍ ما أو لفئةٍ ما ذهبت هيبته و لربما لحقه الأذى ، فهناك مزاح يسبب أذى و يلحق بصاحبه الضرر.
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا ، وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا

كإخفاء حاجة ثمينة ، نقل خبر كاذب مفجع ، هذا ليس مزاحاً ، هذا مزاح فيه أذى ، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن هذا المزاح ، فأي مزاح يسبب صدمة للشخص هذا مزاح محرَّم .
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ فَفَزِعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا

ويوم الخندق كان زيد بن ثابت ينقل التراب مع المسلمين ، فنعس ـ فغلبه النوم ـ فجاء عمارة بن حزم فأخذ سلاحه وهو لا يشعر ، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم .
فهذا المزاح يؤذي ، إنه مزاح يخيف، و مزاح يحرج .
عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه أن رجلاً أخذ نعل رجلٍ فغيَّبها وهو يمزح ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام :

لا تروعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلمٌ عظيم

الملخص: أن المزاح مندوبٌ إليه بين الإخوة والأصدقاء بما لا أذىً فيه ، ولا ضرر ، ولا قذف ، ولا غيبة، ولا شَيْن في عرضٍ أو دين ، ولا استخفافٍ بأحدٍ منهم . امزح مع أصدقائك وإخوانك وأهلك ، من دون أذى ، ولا ضرر ، ولا قذف ، ولا غيبة ، ولا شَيْن لا في عرضٍ ولا في دين، ولا استخفافٍ بأحد ، فإذا خلا المزاح من هذه الشروط أو من هذه النواقص كان مزاحاً مباحاً بل مندوباً إليه .

تبسمه في وجه أصحابه:

كان عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يتبسم في وجوه أصحابه حينما يلقاهم .
قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :

مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ

[متفق عليه]

ما معنى ما حجبني ؟ أي ما اضطرني أن أسال حاجباً كي أدخل عليه ، مفتوح بابه .
عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ :

كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا حَدَّثَ حَدِيثًا تَبَسَّمَ فَقُلْتُ لَا يَقُولُ النَّاسُ إِنَّكَ أَيْ أَحْمَقُ – تضحك دائما – فَقَالَ مَا رَأَيْتُ أَوْ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا إِلَّا تَبَسَّمَ

فكان أبو الدرداء إذا حدث حديثاً تبسم اتَّباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم . عود نفسك الابتسامة والمؤانسة ، وأقرب الناس إليك أهلك

خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – شمائل الرسول 1995 – الدرس (09-32) : مباسطته لجلسائه وتوسعه معهم – النهي عن كثرة المزاح
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-12-05 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس