العافية والمرض من منظور الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي ينبغي أن لا ينساه المريض المؤمن؟:

أيها الأخوة الكرام، لا شك أن الحياة الدنيا مفعمة بالمصائب والأحزان والهموم، ولكن أهل الإيمان يعرفون حكمة المصائب، المصيبة تقع ولا أحد ينكرها، ولكن الناس يتفاوتون في تفسيرها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:

يود أهل العافية يوم القيامة، حين يُعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قُرضت في الدنيا بالمقاريض

[أخرجه الترمذي عن جابر في سننه]

يعني: عند الله أن يستوي صحيح ومريض، هذا عاش حياة كلها أمراض، ومعاناة، وآلام، وهذا عاش حياة صحيحة، لا شك أن الله سبحانه وتعالى حكيم، أعطى الصحة لمن كانت الصحة في حقه حكمة، أعطى المرض لمن كان المرض في حقه حكمة، ولكن المريض المؤمن، لا ينبغي أن ينسى أن لهذا المرض عند الله ثواباً.

الحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء وفي الآخرة موزعة توزيع جزاء:

يود أهل العافية يوم القيامة، حين يُعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قُرضت في الدنيا بالمقاريض

[أخرجه الترمذي عن جابر في سننه]

معنى في الدنيا: في مريض وفي صحيح، في غني وفي فقير، في قوي وفي ضعيف، في وسيم وفي دميم، في ذكي جداً وفي أقل ذكاء، هذه الحظوظ التي وزعت في الدنيا، وزعت توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، وهذه فكرة دقيقة جداً:
لو أتينا برجلين، إنسان فقير، وإنسان غني، لو أن الفقير –مثلاً- نجح في امتحان الفقر، وأن الغني رسب في امتحان الغنى، تمتع الفقير بجنة عرضها السموات والأرض إلى أبد الآبدين، وذاق الغني الذي سقط في الامتحان، آلام العذاب إلى أبد الآبدين، لو أن الغني نجح في امتحانه، لكان غنياً في الدنيا غنياً في الآخرة، لو أن الفقير نجح في امتحانه، لكان سعيداً في الدنيا غنياً في الآخرة، فالحظوظ توزع في الدنيا توزيع ابتلاء، قال تعالى:

(انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً)

[سورة الإسراء الآية:21]

يعني: في الدنيا كن واقعياً،
ممرض في مستشفى كرئيس المستشفى؟ بائع متجول كرئيس غرفة التجارة؟ في فرق كبير جداً:

(انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)

[سورة الإسراء الآية:21]

بيت غرفتين تحت الأرض، رطوبة في الجدران، مثل بيت أربعمئة متر بأرقى أحياء المدينة!؟:

(انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً)

[سورة الإسراء الآية:21]

إذا كان مرتبة الدنيا الدنية مؤلمة جداً، لكنها مؤقتة، ولا تعني شيئاً، قد يكون الذي حُرِمَ الدنيا، أرقى عند الله من الذي أُعطيها، أما مرتبة الآخرة، تعني كل شيء وإلى أبد الآبدين:

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر)

[سورة القمر الآية:54]

(فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)

[سورة القمر الآية:55]

المتقون لهم عند الله مكانة كبيرة:

(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّا)

[سورة مريم الآية:96]

والله إذا الإنسان متصور مع إنسان مهم، يضع الصورة في جيبه، وكلما التقى بإنسان، يريه إياها، وهذا رقم تلفونه معي، يقول لك:

(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّا)

[سورة مريم الآية:96]

خالق الكون يود، كان لك مودة معه، فلذلك:

الحظوظ في الدنيا توزع توزيع ابتلاء، والحظوظ في الآخرة توزع توزيع جزاء

يصبح في ترميم، إنسان قوي وإنسان ضعيف، لو أن الضعيف امتحن في امتحان الضعف، نجح، صبر ولم يضجر، ولم يبع دينه بدنياه، والقوي رسب فرضاً، فاستعلى بقوته، وطغى بقوته.طغى وبغى، ونسي المبتدى والمنتهى.
والدنيا محدودة، سريعاً ما تمضي، تأتي الآخرة، فإذا بهذا المستضعف كان في جنات النعيم، وهذا الذي رسب في قوته، كان في أسفل سافلين، فالعبرة دقيقة جداً، نحن في حظوظ ابتلاء لا في حظوظ جزاء، فرق كبير بين أن تكون في الجنة مقرباً إلى الله، وبين أن تكون في الدنيا مقرباً للأقوياء، هذا ابتلاء، ذلك جزاء.

كل الذي آتاكه الله أو حرمك منه هو مادة امتحان في هذه الحياة :

أخواننا: كل شخص منا في عنده مواد امتحان، ما الامتحان الذي يخوضه؟ كل شيء آتاك الله إياه، مادة امتحانك مع الله، وكل شيء حرمك الله منه، مادة امتحانك مع الله، أبداً، الذي أوتيته مادة امتحانك مع الله، الذي حُرمته مادة امتحانك مع الله، من هنا: كان دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:

اللهم ما رزقتني مما أحب، فاجعله قوة لي فيما تحب

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي في سننه]

الله عز وجل أعطى الإنسان طلاقة لسان، هذا حظ، أوتي هذا الحظ ابتلاء، فإذا وظفه في الحق، ارتقى عند الله، أوتي طلاقة اللسان، أحياناً: طريق اللسان يروج الباطل، أحياناً: يروج المنكر.
كنت مرة ناحي مسجد في الصبورة، فلما خرجنا من المسجد، وجدت الملهى المقابل الذي مات صاحبه، بعد أسبوع بنى افتتاحه، وبقي له صدقة جارية إلى يوم القيامة، هذا الملهى، كل معصية ترتكب فيه في صحيفته إلى يوم القيامة، فالحظوظ في الدنيا حظوظ ابتلاء، أنت بالمال مستخلف، وكل شيء في الدنيا حيادي، المال حيادي، يمكن أن تنفقه في المعاصي والآثام.
آخر عرس بالشيراتون، كلف ستين مليون، كم شاب يتزوج بهذه الملايين؟ ممكن يتزوج شاب بمئتي ألف، قسم ستين مليون على مئتي ألف، تنحل مشكلة كم شخص؟.
الأغنياء غير المؤمنين، إن أنفقوا المال، أنفقوه إسرافاً وتبذيراً، إن أمسكوه، أمسكوه بخلاً وتقتيراً.
أيها الأخوة، قوة الإقناع حيادية، قد تقنع بالباطل، وقد تقنع بالحق، الصوت الحسن حيادي، قد تؤذن، وقد تقرأ القرآن، وقد تغني، وكم من قارىء قرآن أصبح مغنياً، امتحن بالصوت الحسن فرسب، المطعم حيادي، يمكن أن تقدم للزبائن طعام حلال، يمكن أن تقدم لهم الخمور، أبداً، مزرعة، كم من مزرعة تأتيها النساء، ويسبحن أمام الرجال؟ كل المنكرات، وفي مزارع تؤسس من أجل نشر الحق، أبداً، كل شيء حيادي، العلم حيادي، الأدب حيادي، في أدب، يأتي الشاعر فينظم الشعر في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأتي شاعر فينظم الشعر في وصف المرأة، ألم يقل سيدنا حسان:

وأجمل منك لم تر قط عيني***وأكمل منك لم تلد النـساء
خلقت مبرءاً من كل عـيب***كأنك قد خلقت كمـا تشاء

الشعر حيادي، الأدب حيادي، العلم حيادي، الخطابة حيادية، يمكن أن تخطب في مسجد، وأن تخطب في مجتمع منحرف، لتلقي الإلحاد في نفوس الناس، وكلاهما خطيب، الزواج حيادي، يمكن أن يكون الزواج وفق منهج الله، تسعد به طوال الدنيا، يمكن أن يكون الزواج بني على معصية، تشقى به في الدنيا.

الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، إنها سوف توزع في الآخرة توزيع جزاء

هل يسمى الغني في الدنيا غنياً عند الله؟ لا، لا، أبداً، هل يعد الفقير؟ لا، أبداً.
سيدنا علي يقول:

الغنى والفقر بعد العرض على الله

الآخرة، الغنى بالآخرة غنى جزاء، أما الغنى بالدنيا غنى ابتلاء، وسامة، الإنسان قد يستخدم وسامته لإغواء الفتيات، أبداً، كل شيء آتاك الله إياك، مادة امتحانك مع الله.
الآن: كل شيء حرمك الله منه، مادة امتحانك مع الله، في مواد إيجابية، مواد سلبية،

العطاءات امتحانات، والحرمان امتحان

شخص الله حرمه –مثلاً- الذرية، يلقى الله صابراً، الله عز وجل يكرمه في الآخرة، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ابنه إبراهيم، قال:

إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون

كيف يتعامل المريض المؤمن وغير المؤمن كيف يتعامل مع المرض:

حدثني أخ طبيب، يعمل في مستشفى، قال لي: لحكمة أرادها الله، جاءنا مريض مصاب بسرطان بالأمعاء، جلس في غرفة، كلما دخل عليه زائر، يقول له: اشهد أنني راض عن الله، يا ربي لك الحمد على هذا المرض العضال، أقسم بالله هذا الطبيب، صديق لي، قال لي: كلما قرع الجرس، تنافس من في المستشفى لخدمته، إذا دخلنا إلى غرفته، قال: والله رائحة عطرة، مع أن أمعاءه مفتوحة إلى الخارج، أقسم بالله، يقرأ القرآن، ويبتهل إلى الله، وجهه مشرق، كلما دخل عليه إنسان، يقول له: اشهد أنني راض عن الله، الأطباء معجبون به، الممرضات يتهافتون لخدمته، ثم توفاه الله،
الحكمة التي أرادها الله: أن بعد هذا المريض الذي توفاه الله، جاء مريض آخر مصاب بالمرض نفسه، لكنه غير مؤمن، أقسم بالله، ما من نبي إلا يسبه، مسبات الدين عنده مثل المسبحة، رائحة الغرفة لا تُحتمل، الأطباء يتهربون من زيارته، ساخط على الله، جاحد فضل الله، ومات، من في المستشفى، رأى رأي العين من هو المريض المؤمن، ومن هو المريض الكافر، المرض مرض.

الدليل على أن الإنسان مبتلى في هذه الدنيا:

الشيء العجيب: أن الإنسان في الدنيا في دار ابتلاء،
الدليل:

(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)

[سورة الملك الآية:2]

قال تعالى:

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)

[سورة العنكبوت الآية:2]

فالابتلاء حتمي، فلذلك: الإنسان إذا كان في بحبوحة، فليشكر الله، إذا كان في مشكلة، لا ينسى أن الله سيثيبه عليها إذا صبر.

أمثله عملية على الإبتلاء والصبر:

يوجد أحاديث كثيرة، تؤكد أن الإنسان إذا ابتلاه الله بمصيبة، فصبر عليها، عوضه الله خيراً منها.
فأم سلمة رضي الله عنها، توفي زوجها أبو سلمة، وكان أبو سلمة من أرقى الرجال، كان ملء السمع والبصر، يعني رجل فذ، كرم، على علم، على فهم، على محبة، على عطف، على رحمة، فلما توفي زوجها، قال لها النبي الكريم: احتسبي هذا عند الله، واسألي الله عز وجل أن يعوضك خيراً منه.
لا، هذه ليست معقولة، لأنه لا يوجد أفضل منه، بعد حين تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم.
يعني: إذا الإنسان الله ابتلاه بمصيبة فصبر، عوضه الله خيراً منه.
هذه التي جاءها زوجها، ولدها مريض مرضاً شديداً، وكان زوجها صحابي كريم، كان ينطلق فجراً إلى المسجد، يعود ظهراً، يأكل وينام، ينطلق إلى عند النبي، يعود مساء، فالولد مريض مرضاً شديداً، عاد مرة إلى بيته، قال: كيف حال الغلام؟ قالت: هو في أهدء حال –مرتاح تمام-، أطعمته، وتزينت له، وأصاب منها، وفي الصباح قالت له: إن الجيران إذا أعارونا شيئاً، ثم طلبوه أتغضب؟ قال: لا، قالت: وكذلك فعل الله عز وجل، استرد وديعته، فاصبر واحتسب، ذهب إلى النبي، وأخبره بما كان، قال له: بارك الله لكما في ليلتكما، وأنجبا غلاماً من ذريته، عشرة حفاظ لكتاب الله.
فالمؤمن يحتسب عند الله مصيبته.

ما كان النبي يدعو ويقول في المنع والعطاء:

اللهم ما رزقتني مما أحب، فاجعله قوة لي فيما تحب، ومازويت عني مما أحب، فاجعله فراغاً لي فيما تحب

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي في سننه]

مثل منشار، معناها أنت: إن آتاك الله شيئاً تحبه، وظفته في الحق، إن حرمك شيئاً تحبه، وظفت فراغه في الحق.
أحياناً: الإنسان يكون ماله قليل، والمال القليل، لم يعد في مجال للحركة الزائدة، جالس في بيتك، صار عندك فراغ، دخلك محدود، عندك هذا البيت، ما عندك غيره، في شخص مشغول، من سفر لسفر، للقاء، لنزهة، يقول لك: العشاء بمكان، والغداء بمكان، والفجر بمكان ، ولقاءات، واجتماعات، في مال وفير، في حركة واسعة جداً، فالمال القليل يقيد حركتك، صار في عندك فراغ.

وما زويت عني ما أحب، فاجعله فراغاً لي فيما تحب

هذا دعاء النبي،
لذلك: كان عليه الصلاة والسلام:
إذا جاءت الأمور على نحو يرضيه، قال:

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

وإن جاءت على نحو لا يرضيه- يقول:

الحمد لله على كل حال

[أخرجه ابن ماجه عن عائشة في سننه]

وكان عليه الصلاة والسلام يقول:

عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان ذلك له خير، وإن أصابته ضراء صبر فكان ذلك له خير، وليس ذلك لغير المؤمن

في الدين شفاء:

في أستاذ جامعة مسلم، ذهب إلى بلد أوروبي، ليحضر مؤتمر في الطب النفسي، كان مندوب بلدنا، فقال في المؤتمر: أنا أبلغكم بصراحة، وببساطة: أننا في بلادنا، لا نعاني من الأمراض النفسية، فسألوه: ولم؟ قال: لأن شعبنا مؤمن بالله، إن جاءت المصيبة يستسلم لقضاء الله، لا ينتحر، يقول لك: هكذا يريد الله، هكذا يريد الله عز وجل:

(وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)

[سورة الطور الآية:48]

فالصبر مفتاح الفرج، أما:

(يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)

[سورة الزمر الآية:10]

الصابر يعطي شيك مفتوح لكن موقع، عبدي بغير حساب، لا يوجد رقم محدد، لكن موقع، أنت مع الرقم الذي تريده، هذا الصابر.

نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم:

قال عليه الصلاة والسلام:

انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم

يعني: إذا شخص شرب كأس ماء، والطريق سالك، هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها.
أحياناً: بحصة في الحالب، آلام انحباس البول لا تحتمل، إذا البحصة طولت، يحدث تسمم كلوي، وأحياناً: تتوقف الكليتان عن العمل.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا قضى حاجته قال:

الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني

مرة قال لي شخص: لا يوجد بيع وشراء، أسواق كثيرة واقفة، قلت له: أنت مضطر تغسل كلاويك كل جمعة؟ قال: لا، مضطر تغير دسام قلبك؟ قال: لا، في عندك مشكلة بالدماغ ؟ قال: لا، فقلت:إذا قل الحمد لله

نِعَم الله عليك:

إذا أصبح أحدكم آمناً في سربه، معافى في جسمه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها

صدقوني أيها الأخوة: هذه النعم الثلاث، لا يعرفها إلا من فقدها، نعمة الأمن، لست ملاحقاً، لا يوجد مذكرة بحث، تركب مركبتك، تذهب إلى الزبداني، غير مسموح، ممنوع تطلع، غير مسموح، الزم بيتك، طريق، تسافر، معك جواز سفر، تأخذ فيزا، تمشي، هذا أمن الإيمان.

إذا أصبح أحدكم آمناً في سربه، معافى في جسمه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها

أيها الأخوة، لشدة تعقيد الجسم البشري، لمجرد أن تستيقظ دون أن تشعر بألم، صحيح الجسم، فأنت في معجزة، السلامة هي المعجزة، السلامة المعجزة، لأنه قال:
بالعين في ماء، له صنبور من أعلى، وفتحة من أسفله، ما دام الفتحة تتناسب مع الصنبور، ضغط العين طبيعي، أما لو أن خثرة أغلقت، الفتحة السفلى الصنبور يتدفق، يرتفع ضغط العين، يصاب الإنسان بانزلاق الشبكية، ويفقد بصره، فأنت ثبات ضغط العين.
أحياناً: تجد خثرة حمراء بالقرنية، رأساً يقول لك: افحص رأس العين، ضغط العين دقيق جداً، السائل يتغير،
نعمة التنفس، نعمة البلعوم.أنت نائم مرتاح، تجمع اللعاب بفمك، الطبيب يضع لك شرَّاءة، طبيب الأسنان، أما أنت نائم، لا يوجد شراءة، اللعاب تجمع، وأنت نائم، يأتي أمر من الدماغ إلى لسان المزمار، يغلق القصبة الهوائية، يفتح المري، تبلع ريقك، وأنت نائم، هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها، حسناً: أنت تنام، تتنفس، لو أن الله عز وجل أوكل لك التنفس، هل لديك قدرة أن تنام؟ تموت.
في مرض نادر جداً، هذا المرض يصيب مركز تنبه الرئتين في البصلة السيسائية، هذا المرض، الآن له دواء، لكن دواها يجب أن تأخذه كل ساعة، الساعة الثامنة يأخذ حبة، التاسعة حبة، العاشرة حبة، الحادية عشرة حبة، الثانية عشرة حبة، الواحدة، الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة، السادسة، السابعة، تضع منبه، تربط أربعة منبهات، من أجل تأخذ حبة، إذا لم تأخذها تموت، مركز تنبه الرئتين تعطل.
في طبيب، أصيب بهذا المرض، يضع أربعة منبهات، جاء مرة ابنه من أمريكا، من فرحه: سهروا زيادة، نام ما استيقظ على المنبه، استيقظوا، وجدوه ميت، لو أن الله عز وجل أوكل لك التنفس، لو أوكل لك الهضم، كُلْ وارتاح، القلب يعمل، الرئتان تعمل، فلذلك:

انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم

النبي صلى الله عليه وسلم تعظم عنده النعمة مهما دقت:

النبي عليه الصلاة والسلام: كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت.
شخص شرب كأس ماء، معه مفتاح بيت.
كان النبي الكريم إذا دخل بيته، قال:

الحمد لله الذي آواني، وكم ممن لا مأوى له؟.

نهاية المطاف:

والنعمة:

(لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)

[سورة إبراهيم الآية:7]

الله عز وجل قال:

(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)

[سورة إبراهيم الآية:34]

أنا سوف أعطيك ليرة سوري، يقول لك: عدها، ماذا أريد أن أعد فيها هذه؟ ليرة سوري، هكذا الآية:

(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)

[سورة إبراهيم الآية:34]

النعمة الواحدة لا تنتهي فضائلها، ولا تنتهي بركاتها وخيراتها، أنتم عاجزون عن إحصائها، فلأن تكونوا عاجزين عن أدائها، أداء شكرها من باب أولى.
إذا شخص جاءه مولود، وسجل الهدايا، التسجيل أهون، لما رد الهدايا أهون؟ أي أهون؟ التسجيل أهون، إحصاء النعم أهون من شكرها.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: شرح الحديث الشريف – جامع الأحمدي – الدرس ( 017 – 119 ) : فلسفة المصيبة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-08-10 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس