لا يعلم الغيب إلا الله

بسم الله الرحمن الرحيم

أنواع الغيب هي: غيب استأثر الله بعلمه، وهو النوع الأول، وغيب أطْلعَ الله أنبياءه عليه تأييداً لهم وهو أنواع ثلاثة:غيب الماضي وغيب الحاضر وغيب المستقبل وهذا هو النوع الثاني، وغيب يتوهمه الناس غيباً.

اولاً:غيب استأثر الله بعلمه:

أولاً هناك غيـب أيها الإخوة استأثر الله به، لا يُطْلع عليه أحداً من خلقه كائناً من كان، حتى ولا الأنبياء، أجل: هناك نوع من الغيب استأثر الله به لا يطلع أحداً عليه، من هذا قيام الساعة الكبرى، يعني قيام القيامة، ومن هذا الغيب الذي أستأثر الله به قيام الساعة الصغرى، الساعة الصغرى موت الإنسان، الإنسان له ساعة صغرى يموت فيها، وساعة كبرى يبعث ويحاسب فيها، الدليل قال تعالى:

(قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)

[سورة النمل]

وهذه الساعة الكبرى،
قال تعالى:

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

[سورة الأعراف]

فهذا النوع من الغيب الساعة الكبرى والساعة الصغرى علم استأثر الله به، ما يَطّلع أحد عليه كائن من كان، حتى ولا الأنبياء، آية ثالثة قال تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

[سورة لقمان]

لو بحثنا عن حكمة إخفاء ساعة الموت لوجدنا خيراً كثيراً، فلو أن الله سبحانه وتعالى أطلع إنساناً على ساعة موته، فمثلاً أنت أيها الإنسان تعيش ستاً وسبعين سنة وستة أشهر وسبعة أيام وخمس ساعات وثلاث دقائق وثلاث ثوان، فماذا يكون من هذا الإنسان؟ يتوقف نشاطه و سعيه وهذه مشكلة كبيرة، لو أن الإنسان عرف أجله لانتهى العمل كله.
أخواننا الكرام أدق ما في الأمر الآية الكريمة:

(فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

[سورة البقرة]

والله آية محيرة، يا رب الموت بيدنا حتى تأمرنا ألّا نموت إلا ونحن مسلمون، الموت بيدك يا رب لا بيدنا، فما معنى هذه الآية؟ يعني لا يأتيكم الموت إلا وأنتم مسلمون.

(فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

إذاً فالموت لا تعلم موعده، فيجب أن تكون جاهزاً لاستقباله، جاهزاً بالتوبة والصلح مع الله، وأداء الحقوق، وأداء كل ما عليك من التزامات، حتى إذا جاء ملك الموت تكون جاهزاً للذهاب معه.

ثانياً:غيب أطْلعَ الله أنبياءه عليه تأييداً لهم:

الغيب الثاني فغيب يعلمه الله و يُعلمه لرسوله، هذا شيء آخر تأييداً للأنبياء وتصديقاً لما جاؤوا به، يعني يأتي إنسان و يَدّعي قائلاً: ” أنا رسول الله ” شيء جميل، فهل نحن ملزمون أن نصدق كل إنسان ادّعى هذا الادعاء؟ لا. فالذي يقول: أنا رسول الله، لا بد من أن يأتي بشيء لا يستطيع أن يفعله أحد، فإن فعله الرسول كان مؤيداً من الله ولذلك من لوازم الرسول أن تكون معه معجزة، فمن معجزات الرسل أنهم يعلمون الغيب الذي سمح الله لهم به أن يعلموه فقط، يؤخذ هذا من قوله تعالى:

(عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً)

[سورة الجن]

فهذا الغيب أيها الإخوة أنواع ثلاثة، غيب الماضي، وغيب المستقبل بعدان زمانيان وغيب الحاضر بعد مكاني،

1. غيب الماضي:

قال تعالى:

(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)

[سورة آل عمران]

من أين جئت بهذه الأخبار؟ لولا أنك رسول يوحى إليك لما جئت بهذه الأخبار، هذا غيب الماضي،

2. غيب المستقبل:

أما غيب المستقبل

مثال1:

قال تعالى:

(غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ)

[سورة الروم]

فعلاً بعد سبع سنوات انتصر الروم على الفرس، هذا من غيب المستقبل.

مثال2:

من هذا القبيل غيب أطلع الله نبيه عليه، تأييداً له ودعماً له في صدق دعوته،
قال تعالى:

(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)

[سورة النحل]

(وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)

الطائرة دخلت في مفهوم الآية، والمركبة الفضائية دخلت في الآية، والمركبة والقطار دخلا كذلك،

3. غيب الحاضر

أما غيب الحاضر بعد مكاني،
قال تعالى:

(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)

[سورة التوبة]

مثال1:

إنسان كتب إلى قريش أنّ محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم، الله عز وجل أطلع النبي عليه،

مثال2:

عمير قال لصفوان بن أمية: يا صفوان والله لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها، ولولا أولاد صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه، قال له صفوان: يا عمير أما ديونك فهي عليّ بلغت ما بلغت، وأما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر، فامضِ لما أردت، وصل عمير إلى المدينة رآه عمر رضي الله عنه وعلى عاتقه سيف، قيده بحمالة سيفه وساقه إلى النبي قال: يا رسول الله هذا عمير عدو الله جاء يريد شراً فقال له النبي: أطلقه يا عمر و ابتعد عنه فأطلقه، و ابتعد عنه، أُدنُ مني يا عمير، ما الذي جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لأفك ابني من الأسر قال: وهذا السيف الذي على عاتقك؟ قال: قاتلها الله من سيوف وهل نفعتنا يوم بدر، فقال له: ألم تقل لصفوان لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها، ولولا أولاد صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لقتلت محمداً وأرحتكم منه فقال لك صفوان كذا وكذا..، وقف وقال: أشهد أنك رسول الله لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد إلا الله.

مثال3:

ومرة أخرى كان النبي عند اليهود في موضوع معين، فائتمروا عليه وهو عندهم أن يصعد أحدهم إلى ظهر البيت الذي يجلس في ظله ويلقي عليه صخرةً ويقتله، فجاءه الوحي وأخبره، فقام النبي وقام أصحابه وفسدت خطتهم.

ثالثاً:غيب الواقع غيب يتوهمه الناس أنه غيباً:

مثال1:

يعني في السماء الآن تهب رياح، تستمع إلى النشرة الجوية إلى أن هناك موجة حر آتية من المنطقة الشمالية، ترتفع الحرارة فوق معدلها وتهب رياح حارة، و في الشتاء: رياح باردة، وغداً مثلاً تكون الحرارة دون معدلها فكيف علموا الغيب؟ أوضح من ذلك أخبار المنخفض الجوي، يقولون: منخفض جوي متمركز فوق أوروبا سرعته ثلاث مائة كيلو متر في الساعة مثلاً، بيننا وبين أوروبا ثلاثة آلاف كيلو متر تحسب المسافة وتقسم على السرعة يقولون بعد ثلاثة أيام سيكون عندنا منخفض جوي، ومعه أمطار غزيرة، هذا العلم يسمى علم غيب مجازاً لكن هناك وسائل تكشفه،
كذلك الجنين في بطن الأم، يأخذ الأطباء السائل الأمينوسي وبالتحليل يُعرف الجنين أهو ذكر أو أنثى، أو بالتصوير، فهذا الذي يتوهمه العوام غيباً ليس غيباً، هو حاضر. فهذا يسميه الناس غيباً مجازاً وهو ليس بغيب إنما هو غيب الواقع والله سمح به، كل شيء سمح الله به لم يعد غيباً،
قال تعالى:

(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)

[سورة البقرة]

مثال2:

إلا أن أكثر الناس المشككين يقولون: ماذا نفعل بقوله تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

[سورة لقمان]

(وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ)

وقد علم الإنسان الجنين ما إن كان ذكراً أو أنثى، الجواب بسيط جداً الله جل جلاله لم يقل ويعلم من في الأرحام، يعني ذكراً أو أنثى قال:

(وَيَعْلَمُ مَا)

فمن يستطيع أن يعلم أن هذا الجنين عالم، شقي أو سعيد، مديد العمر أو قصير العمر، مصلح كبير أو مجرم خطير، ما لونه ما لون عينيه، ما صفاته، من سيتزوج، كم سينجب، ما رزقه، إلى الآن يوجد حوالي مليون مورث، مليون معلومة مبرمجة متوضعة في خلية الحوين المنوي لم يستطع البشر أن يعرفوا إلا ثمان مائة نقطة منها فهذا ليس علم غيب، علم الغيب أن تعلم شيئاً ليس له وجود الحاضر.

الجن لا يعلمون الغيب:

شيء آخر يجب أن نعلمه جميعاً، ما يشيع بين العامة من أَنَّ الجن يعلمون الغيب، كذلك كل ما يفعله الناس ولو كان لعباً، أن غداً سيكون كذا عن طريق البرج، عن طريق الكُهّان، عن طريق السحرة، نقرأ في فنجان القهوة، هذا كله كذب ودجل لا أصل له، ومن يفعله يأثم.
قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الجن لا يعلمون الغيب إطلاقاً، والدليل قال تعالى:

(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)

[سورة سبأ]

سيدنا سليمان كلف الجن بعمل شاق ومات، وما دلهم على موته إلا حينما انكسرت عصاه التي كان متكئاً عليها فوقع.

الخلاصة:

إذاً أنواع الغيب هي: غيب استأثر الله بعلمه، و هو النوع الأول، وغيب أطْلعَ الله أنبياءه عليه تأييداً لهم وهو أنواع ثلاثة:غيب الماضي و غيب الحاضر و غيب المستقبل و هذا هو النوع الثاني، و غيب يتوهمه الناس غيباً و هو النوع الثالث يسمى غيباً مجازاً، كالتنبؤات الجوية أحياناً، و الأشياء التي لها دلائل، فهذه أيضاً ليست غيباً إلا أن العوام يسمونها غيباً، و أما الجن فلا تعلم الغيب إطلاقاً
قال تعالى:

(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)

[سورة سبأ]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: موضوعات إسلامية – موضوعات متفرقة – المحاضرة 013: الرؤى الصالحة : – علم الغيب .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-08-17 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس