آداب وأركان شهادة أن محمد رسول الله

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الكرام:
يمكن أن يكون الدين كله في محورين، شهادة ألا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله،
شهادة ألا إله إلا الله كلمة التوحيد، وأن محمداً رسول الله كلمة المنهج الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، مراد الله يتضح من سنة النبي عليه الصلاة والسلام أي:

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ)

[سورة آل عمران: الآية 31]

هذه الكلمة كلمة شهادة أن محمداً رسول الله فيها المرتكزات التالية:
1. المرتكز الأول: الأدب الذي ينبغي أن نكون عليه مع رسول الله.
2. المرتكز الثاني: مقتضيات أو أركان هذه الكلمة.

أولاً: الأدب الذي ينبغي أن نكون عليه مع رسول الله:

1. الاستئذان:

فالله عز وجل حينما قال:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

[سورة النور: الآية 62]

أي أنت عضو في جماعة، أنت ضمن أسرة، ينبغي أن تتحرك بتنسيق مع رب الأسرة، هل يعقل أن يسافر ابن إلى مكان بعيد دون أن يستأذن أباه؟ مستحيل، و مجتمع المؤمنين مجتمع أسرة:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)

[سورة الحجرات: الآية 10]

وعلى رأس هذا المجتمع سيد الخلق حبيب الحق، فإذا كنت في مجتمع مسلم ينبغي أن يكون هناك تنسيق بينك وبين بقية أخوتك، وأن يكون هناك استئذان بينك وبين من تتلقى العلم منه،
مرة لي محاضرة في جامع آخر فإمام المسجد إنسان أحبه وأقدره، لاحظت أنه غاب عن الإمامة عدة أسابيع، من عادته أنه إذا غاب في الأعم الأغلب يكون في العمرة فلما عاد إلى الإمامة وسلمت عليه عاتبني قال: أنا مريض لم تزرني، قلت له: غبت مرات عديدة و كنت في العمرة، أنت حينما غبت هذه المرة غلب على ظني أنك في العمرة، و لو أنك طبقت سنة رسول الله و أعلمتني قبل أن تذهب إلى العمرة ثم عدت فهنأتك هذا الوضع الطبيعي أما أنت حينما لم تعلمني في العمرات السابقات غيابك هذه المرة ظننته في عمرة، إذاً هناك خلل في العلاقة بيننا حتى على مستوى جامع، على مستوى جماعة يوجد شيء اسمه استئذان، إعلام، تنسيق، نوع من العلاقة الطيبة مع إخوانك الكرام.

2. الأدب:

يوجد أدب آخر، يقول الله عز وجل:

(لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً)

[سورة النور: الآية 63]

النبي عليه الصلاة و السلام لا يمكن أن يكون دعاؤه مناداته مخاطبته كما تخاطب أخاً لك أو كما تخاطب صديقاً لك.
أن ابن عباس رضي الله عنه قال:

كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم فنهاهم الله عز وجل عن ذلك إعظاماً لنبيه صلى الله عليه و سلم، قال: فقولوا يا نبي الله، يا رسول الله.

لذلك أحد طلاب العلم جلس في مجلس علم ولم يكن كما ينبغي فقال له الشيخ:

يا بني نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك

والحياة كلها أدب.
بل إن النبي عليه الصلاة و السلام حينما دهش أصحابه من أدبه الرفيع سألوه مرة يا رسول الله: ما هذا الأدب؟ فقال:

أدبني ربي فأحسن تأديبي

لا تعرف قيمة الأدب عند المؤمن إلا إذا صاحبت غير المؤمن، مزاحه رخيص، ألفاظه فاحشة، طرفه جنسية، تستحي أن تستمع إليه، المؤمن يضبط لسانه، كلامه لطيف، رقيق الشعور، يعتذر، يستحيي، فالأدب هو عنوان الإيمان.
لذلك قال بعض العلماء:

الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان

يوجد آية ثانية تؤكد هذا المعنى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)

[سورة الحجرات]

أي عنوان إيمانك الأدب الرفيع الذي تتحلى به،
سيدنا حمزة سئل مرة أيكما أكبر أنت أم رسول الله، قال:

هو أكبر مني و أنا ولدت قبله

سيدنا يوسف قال:

(وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ)

[سورة يوسف: الآية 100]

أيهما أخطر بربكم النجاة من السجن أم النجاة من الجب، الجب موت محقق لكن لم يذكر الجب لئلا يذكر أخوته بعملهم، قال:

(وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ)

أحياناً تلاحظ من أخوك المؤمن أدب رفيع جداً، هذا الأدب الرفيع هو ثمرة من ثمار الإيمان،
كان عليه الصلاة و السلام لا يواجه الناس بما يكرهونه.
من أخلاق المؤمن أنه لا يحمر الوجوه، أحياناً تضيق على إنسان حتى تحرجه و حتى تلجئه إلى أن يكذب، لا تحمر وجه أخيك،
رد الطرف عن زلته، اقبل منه عذره و لو لم يكن صادقاً، التمس لأخيك عذراً ولو سبعين مرة، من جاءه أخوه متنصلاً فليقبل منه محقاً كان أو مبطلاً،
فالأدب مع رسول الله هذه آيات كريمة تحدده و تبينه و تحدد معالمه، و الأدب مع إخوانك المؤمنين أيضاً هذا ينبغي أن يكون.

3. تعظيم السنة الشريفة:

إخوانا الكرام:
قال الله تعالى:

(لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)

[سورة الحجرات: الآية 1]

لا تقدم مقترحات تناقض سنة النبي، لا تبدي آراء تعاكس ما جاء به الوحيان الكتاب والسنة.
بجلسة أحياناً تتكلم عن شيء من سنة النبي يقول لك أحدهم هذه غير معقولة، ماذا فعل؟ قدم بين يدي الله و رسوله، قدم كلاماً مناقضاً لفعل النبي، قدم كلاماً مناقضاً لسيرة النبي، فأنت أدبك في حياته كما فعل أصحاب رسول الله، وأدبك بعد مماته أن تعظم سنة النبي عليه الصلاة و السلام.
لذلك قال الله تعالى:

(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)

[سورة الأنفال: الآية 33]

مادامت سنتك مطبقة في حياتهم فهم في بحبوحة من عذاب الله، أي الإنسان إما أنه مطبق أو أنه مستغفر، في كلا الحالين هو في بحبوحة وفي مأمن من عذاب الله، علامة أن الله سبحانه وتعالى يعطيك أماناً أنك في طاعته، أو أنك أخطأت لكنك تستغفر، فالأدب مع رسول الله في حياته واجب كل مؤمن، و الأدب مع سنة النبي صلى الله عليه و سلم بعد مماته واجب كل مؤمن.
أجمل ما قاله بعض الصحابة الكرام أظنه سيدنا سعد بن أبي وقاص قال:

ثلاثة أنا فيهن رجل و فيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، من هذه الثلاثة ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى

ثانياً: أركان أن محمد رسول الله:

الآن شهادة أن محمد رسول الله ما مقتضياتها أو ما أركانها؟

1. تصديق النبي عليه الصلاة والسلام:

أول مقتضى لهذه الشهادة أن تصدق النبي عليه الصلاة والسلام الإيمان تصديق والكفر تكذيب أن توقن حقاً أن هذا الإنسان ليس عبقرياً ولا مصلحاً اجتماعياً ولا شخصيةً فذةً إنما هو رسول الله هذا الإنسان هو رسول الله لكن قد تلتقي مع أناس كثيرين يطرحون عليك أنه عبقري أنه مصلح اجتماعي أنه استطاع أن يلم شمل الأمة هذا كلام كله غير صحيح إنه رسول الله يوحى إليه فأول مقتضى من مقتضيات الإيمان برسول الله أن تصدق أنه رسول الله حقاً يخبر عن الله عز وجل و يوحى إليه بشرع ناسخ للشرائع السماوية السابقة، إنسان يوحى إليه.
هناك أشخاص كثيرون من أديان أخرى يقدسون النبي عليه الصلاة والسلام ويعظمونه ويتحدثون عن عبقريته وعن إصلاحه للأمة وعن جمعه لشمل الأمة وعن… القضية الفيصل بينك وبينه هل تعتقد أنه رسول يوحى إليه هنا أما التعظيم سهل فأول مقتضى من مقتضيات الإيمان برسول الله أن تصدقه أنه رسول يتلقى الوحي من الله عز وجل هكذا يجب أن تعتقد أن هذا الإنسان هو رسول.
قال الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً)

[سورة النساء: الآية 136]

النبي باعتقاد المؤمن هو رسول الله

عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُقْعِدُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ لِي إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ الْوَفْدُ قَالُوا رَبِيعَةُ قَالَ مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ أَوْ الْقَوْمِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارَ مُضَرَ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ وَنُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا فَسَأَلُوا عَنْ الْأَشْرِبَةِ فَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ وَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ…

[البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، أبو داود، أحمد]

أي بالإيمان لا يوجد حل وسط، التصديق حدي، هل أنت مصدق مئة بالمئة أن هذا الإنسان رسول الله وأنه يوحى إليه وأن كل أقواله وأفعاله وإقراره حق من الله تعالى؟ فانتهى الاعتراض وانتهت المناقشة وانتهى النقد.

2. اتباع النبي عليه الصلاة والسلام:

أيها الإخوة الأكارم:
هل يكفي أن نؤمن أنه رسول الله وأنه يوحى إليه وأن ما جاء به من عند الله وحده وأن كلامه وإقراره وفعله وصفته تشريع ينبغي أن نأخذ به؟ الجواب نعم و لا، نعم ينبغي أن نؤمن بهذا، و لا لا يكفي أن نؤمن بهذا دون أن نتبع هذا النبي، من السهل جداً أن تعلن ولاءك لفئة، لكن البطولة لا في إعلان الولاء و لكن في الاتباع، الاتباع يقتضي جهد، الاتباع يقتضي مجاهدة النفس و الهوى، الاتباع يقتضي أن تتنازل عن حظوظك لمرضاة الله عز وجل، الاتباع يقتضي أن تلزم نفسك بطاعة رسول الله:

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)

[سورة آل عمران: الآية 31]

هذه الآية أصل في هذا الموضوع، الله عز وجل يقول:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

[سورة الحجرات: الآية 1]

أي أن تتبع ولا أن تعترض، أن تتبع لا أن تقترح، أن تتبع مثلاً لو قالوا الفجر أربع ركعات والظهر ركعتين مثلاً، النبي علمنا كيف نصلي، وصلوا كما رأيتموني أصلي، يوجد أشياء كثيرة الإنسان بحكم ضعف إيمانه يتمنى أن تكون على غير ما هي عليه، علامة إيمانك برسول الله أنك تتبعه من أعماق أعماقك، أذكر لكم صفات المؤمنين:

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً)

[سورة الأحزاب: الآية 36]

أحياناً بالمؤتمرات قبل أن يجتمعوا يقولون هناك قضايا لا نوافق أن تدرج في جدول الأعمال، كذلك المؤمن إذا الله عز وجل قضى أمراً إما تشريعاً أو قضاء وقدراً:

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً)

[سورة الإسراء: الآية 23]

شيء الله قضاه، حكم شرعي جاء من كلام النبي عليه الصلاة و السلام، فهذا الذي قضاه النبي لا يمكن أن يكون في صدرك حرج منه:

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً)

أي أنت مخير في المباحات و لست مخيراً في الفرائض والأحكام، علامة إيمانك أن تفعل ما أمرك به النبي، شخص أحياناً يحتار أشتري هذا البيت أم هذا البيت، هذا البيت صغير لكنه نحو الجهة القبلية، هذا البيت كبير لكنه نحو الجهة الشمالية، هنا في حيرة، شراء البيتين من المباحات، فالخيرة تأتي من أشياء مباحة أما أصلي أم لا أصلي، هذه لا يوجد بها خيار، ينبغي أن أصوم أو لا أصوم لا يوجد خيار، إذا للزوجة فرضاً الربع أو الثمن بحسب قواعد الميراث لا يوجد خيار، الله عز وجل قضى بهذا، جميع الأحكام القرآنية و الأحكام النبوية لا يوجد لك خيار بها هذا من مسلمات الإيمان بالله و رسوله:

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً)

تدبر القرآن من معاني التدبر أنه كلما قرأت آية تعرض نفسك عليها، هل أنا كذلك؟ أي قد يحرم الإنسان من نصيبه من الإرث بحسب نوع قرابته هل تعترض هذا حكم الله عز وجل؟ الله عز وجل كماله مطلق، فحينما يقضي الله أمراً وحينما يقضي النبي أمراً لا يمكن لمؤمن أن يكون لهم الخيرة من هذا، هذا شرع الله عز وجل.
يوجد آية ثانية:

(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)

[سورة النساء: الآية 65]

هذا كلام رب العالمين، لو أنه رفعت قضيتك إلى قاض شرعي و القاضي الشرعي حكم لك بسنة النبي و أنت لم تكن راضياً عن هذا الحكم، ففي إيمانك خلل كبير، مرة ثانية:
لو أنه اختلفت مع أخ و رفعت القضية إلى قاض شرعي و هذا القاضي الشرعي حكم لك وفق سنة النبي و أنت كنت منزعجاً لم تكن راضياً ففي الإيمان خلل كبير:

(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ)

الأصح ليس في إيمانك خلل بل إنك لست مؤمناً:

(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)

أيها الإخوة:
ثلاث آيات تبين أن اتباع النبي جزء من إيمانك:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

[سورة الحجرات: الآية 1]

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً)

[سورة الأحزاب: الآية 36]

(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)

[سورة النساء: الآية 65]

أي أروي قصة دائماً النبي عليه الصلاة و السلام قال مرة لأصحابه قبيل معركة بدر لا تقتلوا عمي العباس، أي يوجد شخص فكر قال: أيقتل أحدنا أباه و أخاه و ينهانا عن قتل عمه ما استساغ هذا، ثم اتضح له أن عم النبي كان مسلماً و كان عينه في قريش، فلو أن عم النبي لم يخرج مع المشركين لكشف نفسه، ولو أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أنه مسلم لا تقتلوه لكشفه، ولو أن النبي عليه الصلاة والسلام سكت لقتلوه، فلابد من أن يقول هذا الكلام المختصر لا تقتلوا عمي العباس، ثم اتضح أن عمه كان مؤمناً، وكان مكلفاً بمهمة في قريش، وكان يعبد الله سراً، و كان عينه على قريش، يقول هذا الرجل والله ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله.
لذلك قال عليه الصلاة و السلام:

عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا

[مسلم، الترمذي، أحمد]

رضي بهذا الإنسان رسول الله، كلامه وحي، أفعاله سنة، إقراره تشريع، و انتهى الأمر.
أيها الإخوة:
النبي عليه الصلاة و السلام أوتي القرآن و مثله معه، ما معنى مثله؟ أي السنة، الكتاب و السنة، فكلا الوحيين الكتاب و السنة من الله العظيم، القرآن وحي متلو و السنة وحي غير متلو.
مقتضيات الإيمان برسول الله أن تصدقه أنه رسول من عند الله و أنه يوحى إليه وأن شريعته ناسخة للشرائع السابقة، ثم أن تتبعه، ثم أن تزكي النفس بهديه و سنته، كيف كان مع أهله؟ مع أولاده؟ مع جيرانه؟ مع أصحابه؟ كيف كان غضبه؟ كيف كان رضاه؟ كيف يعامل زوجته، يجب أن تتزكى بهديه صلى الله عليه و سلم، و الدليل قول الله عز وجل:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)

[سورة الأحزاب: الآية 21]

3. تزكي نفسك وفق منهجه:

إخوانا الكرام:
مقتضى آخر لإيمانك بأن النبي عليه الصلاة و السلام هو رسول الله يجب أن تزكي نفسك بهديه،
كان إذا دخل إلى البيت أعندكم شيء؟ قالوا: لا، قال:

فإني صائم

أي أخلاقه رضية، حليم، رقيق، فنماذج،
كان إذا أتى مريضاً أو أوتي به قال:

أذهب البأس رب الناس، اشف و أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً

وأنت إذا زرت مريضاً ينبغي أن تتخلق بهذه الأخلاق.
كان إذا أتاه الأمر يسره قال:

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه أمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال

هذا من هدي النبي ومن أخلاق النبي ومن سمت النبي،
كان إذا أصبح وإذا أمسى قال:

أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم، حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين

كان إذا أكل أو شرب قال:

الحمد لله الذي أطعم وسقى، و سوغه وجعل له مخرجاً

كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم.
كان يمشي مشياً يعرف فيه أنه ليس بعاجز و لا كسلان،
ينبغي أن تقرأ سيرة النبي عليه الصلاة و السلام وأن تهتدي بهديه و أن تزكي نفسك بهديه صلى الله عليه وسلم، أي في الصحة و المرض، في الإقامة و السفر، في علاقتك الحميمة مع أهلك، مع أولادك، مع إخوانك، مع جيرانك، كيف كان النبي؟ أهم شيء في هذا اللقاء الطيب إن شاء الله أن تتزكى نفسك بهدي النبي عليه الصلاة و السلام.
من لوازم تنفيذ هذا الأمر أن تتعرف إلى سيرة النبي و أن تتخلق بأخلاقه عندئذ يكون النبي أسوة حسنة، ولن يكون أسوة حسنة إلا إذا أردت الله ورسوله والدار الآخرة وذكرت الله كثيراً.

4. تعلم سنته:

أخوتنا الكرام:
لابد من هذه القاعدة:

ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ما لا تتم السنة إلا به فهو سنة

الصلاة فرض فرض، هل تتم الصلاة من دون وضوء؟ لا، الوضوء إذاً فرض، هذه القاعدة طبقها على سنة النبي، الله عز وجل يقول:

(وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)

[سورة الحشر: الآية 7]

إذاً هذه الآية ماذا تقتضي؟ كيف يتم أن تأخذ ما آتاك الرسول و أن تنتهي عما نهاك عنه الرسول كيف؟ لا بد من معرفة ما آتاك و ما نهاك، إذاً معرفة سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم، أنت كيف تصلي لأن الصلاة فرض، لماذا تصوم؟ لأن الصيام فرض.
يجب أن تتعرف إلى سنة النبي القولية بماذا أمرك و عن أي شيء نهاك، لأن اتباع النبي فرض عليك، أنا أقول دائماً متى تعالج ارتفاع الضغط عندك؟ إذا علمت أنه معك ارتفاع ضغط، متى تستطيع أن تأخذ ما أتاك الرسول، و متى تستطيع أن تنتهي عما نهاك عنه الرسول؟ إذا كنت تعلم ماذا آتاك و ماذا نهاك، إذاً هذه الآية التي تقتضي الوجوب لا يمكن أن تطبق إلا إذا تعرفت إلى سنة النبي صلى الله عليه و سلم القولية، إذاً معرفة سنة النبي صلى الله عليه و سلم القولية فرض عين على كل مسلم.
الآن إذا قال الله لك:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)

[سورة الأحزاب: الآية 21]

كيف يكون النبي لك أسوة حسنة إن لم تتعرف إلي سيرته؟ إذاً تقتضي هذه الآية أن تتعرف إلى سيرة النبي، إذاً معرفة سيرة النبي أو سنته العملية فرض عين على كل مسلم من خلال هاتين الآيتين:

(وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)

[سورة الحشر: الآية 7]

من خلال هاتين الآيتين يقتضي وهو فرض عين أن تتعرف إلى سنة النبي القولية وإلى سنته العملية هذا واجب، أي في كل بيت يجب أن يكون هناك كتاب أحاديث صحيحة، في كل بيت ينبغي أن يكون هناك كتاب سيرة
يقول عليه الصلاة والسلام:

لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ

كيف؟ المعنى الدقيق كيف يكون النبي عليه الصلاة و السلام أحب إليك من والديك وأولادك والناس أجمعين؟ الحقيقة عند التعارض،
لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه أي حتى تكون سنة النبي أحب إليك من والدك و ولدك والناس أجمعين.
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ

[مسلم، أحمد]

أي بصراحة في حياة كل منا شخصية يتمنى أن يكونها، و شخصية يكره أن يكونها، وشخصية يكونها، أنت لك شخصية دائماً يوجد بذهنك شخصية هي قدوة لك، ويوجد شخصية أخرى تحتقرها، قل لي من الشخص الذي تتمنى أن تكون على دربه أقل لك من أنت، أهل الدنيا اجلس مع التجار مثلاً فلان عنده ثروة فلكية، فلان بصفقة واحدة حقق ثلاثمائة مليون، فلان اشترى أرضاً كلما جلس يتحدث عن فلان، معنى فلان هو الشخصية التي يتمنى أن يكونها، هذا في عالم التجارة، في عالم الصناعة المعمل الفلاني ثلاث ورديات، حجم إنتاجه في اليوم ثلاثمائة ألف قطعة مثلاً، يتحدث فأنت اسأل نفسك هذا السؤال ما الشخصية التي تتمنى أن تكون على دربها؟ المؤمن قطعاً الشخصية التي يتمنى أن يكونها هو رسول الله، أن يكون على دربها، على منهجها، الآية الثانية:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)

[سورة الأحزاب: الآية 21]

لن يكون النبي لك أسوة حسنة إلا إذا أردت الله و أردت رسول الله و الدار الآخرة، و ذكرت الله كثيراً.
دخل إلى بيته قال: أعندكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فإنني صائم.
أحياناً تدخل إلى البيت الأكل لم ينضج يقيم الدنيا و لا يقعدها، يوجد طعام لكن تأخر قليلاً إذاً المؤمن دخل للبيت يوجد مشكلة النبي ماذا فعل؟ كان رقيقاً، كان حليماً، كان لطيفاً، كيف أن النبي كان واحداً من أصحابه و عليه جمع الحطب، كنت برحلة يوجد أشخاص يرتاح ينام يدعونه للطعام لا يدفع، ولا يعمل، النبي قال وعليّ جمع الحطب، قالوا: نكفيك ذلك، قالوا: أعلم أنكم تكفونني و لكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: العقيدة – العقيدة من مفهوم القران والسنة – الدرس ( 13-40) : آداب وأركان شهادة أن محمد رسول الله
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-08-10 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس