الهجرة و معانيها

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الكرام، مع موضوع جديد من موضوعات فقه السيرة النبوية، وقد وصلنا بعد بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية إلى الهجرة .

مفهومات الهجرة في الإسلام:

المفهوم الأول: الهجرة حركة

بادئ ذي بدء، الهجرة حركة، وليست سكوناً، لذلك الإسلام حركي، وليس الإسلام سكونياً، أي أنك استمعت، وأعجبت، وأثنيت، ومدحت، وقدرت، وأكبرت، ولم تفعل شيئاً فأنت لست على شيء.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ)

[سورة المائدة الآية: 68]

ويا أيها المسلمون، لستم على شيء حتى تقيموا أحكام القرآن في حياتكم، الإسلام حركة، سلوك، التزام، عطاء، صلة، مجاهدة، فإذا بقي الإنسان معجباً بالإسلام إعجاباً نظرياً، أو إعجاباً سكونياً، أو إعجاباً لا يسبر عملاً، هذا فالإنسان أبعد شيء عن حقيقة هذا الدين.
كان من الممكن أن يستمر الإسلام في مكة المكرمة بترتيب إلهي، أن يخضع أهل مكة إلى النبي، ويبقى النبي في مكة، ولكن لماذا شاءت حكمة الله أن تشتد المعارضة في مكة، وأن يبالغ القرشيون في التنكيل بأصحاب النبي، وأن يبدو الطريق مسدوداً للدعوة في مكة، عندها كانت الهجرة.
هذا الدرس بليغ، ما لم تتحرك، ما لم تلتزم، لك حرفة لا ترضي الله ينبغي أن تتركها، لك سلوك لا يرضي الله ينبغي أن تتوب منه، لك علاقة مشبوهة ينبغي أن تقطعها، اعتقدت أن العلاقة مع هذا الإنسان تنفعك مع الله ينبغي أن تقيمها، أما أن تبقى ساكناً، وهذا من أصعب ما يواجه المسلمون به اليوم أعداءهم، سكون، انتظار، ماذا يفعل بنا؟ دون حركة، دون سعي، دون تفكير في المستقبل، لذلك المفهوم الأول للهجرة يعني الحركة ، المسلم كائن متحرك، وليس كائناً ساكناً، والإنسان يميل إلى السكون، والقعود، والاستسلام ويندب حظه، ويندب أعداءه، ويندب الظروف الصعبة التي يمر بها، ليس هذا من الإسلام في شيء.
النبي عليه الصلاة والسلام واجه أعتى أنواع الظلم، والكفر، والاضطهاد، والتنكيل أصحابه يعذبون أمامه، ولا يملك شيئاً، يقول: صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.

المفهوم الثاني: أن تدع ما نهى الله عنه

أيها الإخوة، أوسع معنى للهجرة أنها حركة، والإسلام حركة، وفي معنى واسع آخر ذكره النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ

[رواه البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن عمرو]

أنت مهاجر، بعد ما أُغلق باب الهجرة من مكة إلى المدينة هو في الحقيقة مفتوح بين كل مدينتين يشبهان مكة والمدينة، أما الهجرة بالذات من مكة إلى المدينة فأُغلق بابها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ

[متفق عليه عن ابن عباس]

لكن بين أيّ مدينتين تشبهان مكة والمدينة الهجرة قائمة بينهما.
المعنى الثاني الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام الذي يوسع معنى الهجرة الضيق:

وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ

تركت هذه الحرفة التي بُنيت على معصية، فأنت مهاجر تركت هذه السهرة التي فيها حرام فأنت مهاجر، تركت هذه العلاقة التجارية التي فيها شبهة فأنت مهاجر تركت إيداع المال في مؤسسة ربوية، وأخذت رأس مالك فأنت مهاجر

وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ

قال الله تعالى:

(وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا)

[سورة الأنفال الآية: 72]

أسوق لهذه الآية هذا المثل:
أنت مهما كنت متعمقاً بالدين، وهمما عظمت هذا الشرع العظيم، ومهما أثنيت على هذا القرآن العظيم، ومهما اعتززت بهذا الدين القويم، إن لم تطبقه فلا قيمة لك عند الله أبداً، تماماً كما لو أن إنساناً يعاني من مرض جلدي، وعلاجه الوحيد التعرض لأشعة الشمس، وهو قابع في غرفة مظلمة قميئة، لا ترى ضوء الشمس، وهو فصيح اللسان يتحدث عن الشمس، وعن قيمتها، وعن أشعتها، وعن نصاعتها، وعن تألقها في كبد السماء، وعن أنها شمس عظيمة، كل هذا الكلام لا يقدم ولا يؤخر، ما لم يتعرض لأشعة الشمس.
أيها الإخوة، قد تكون في حرفة لا ترضي الله يقتضي مفهوم الهجرة أن تدعها إلى حرفة ترضي الله.
لما تنتقل فجأة في وضع فيه معصية إلى وضع في طاعة فأنت مهاجر عند الله، سهرة لا ترضي الله، فيها فيها نساء كاسيات عاريات، والسهرة عمرها عشر سنوات، بعد أن عرفت الله أنا أعتذر، أنا لا أجلس في مثل هذه الجلسات، أنت مهاجر.
لك حرفة مبنية على معصية غيّرها.
حدثني أخ قال لي: عندي مطعم، من خمس وعشرين سنة مسموح فيه الخمر، قال لي: والله أرباحي فلكية، أنا متعاقد مع 18 شركة أجنبية، والأسعار عشرة أمثال، لكن فيه خمر، تاب إلى الله، بعد أن تاب إلى الله هبط الدخل إلى واحد من عشرين، لأن 18 شركة ألغوا العقد معه باعتبار إلغاء الخمر، لأنهم أجانب، صاحب هذا المطعم ما تصنيفه عند الله؟ مهاجر، هذا هجر المنكر.

وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ

إنْ في بيتك، أو في علاقاتك، أو في حرفتك، أو في عملك.

المفهوم الثالث: تعبد الله في زمن الفتن

قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ

[رَوَاهُ مُسلِم عن معقل بن يسار رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ]

أي في زمن الفتن، في زمن النساء الكاسيات العاريات، المائلات المميلات، في زمن أن يعم الفسق والفجور أهل الأرض، في زمن أن يصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، في زمن لا يأمر الناس فيه بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، في زمن أن يأمر الناس بالمنكر، وينهون عن المعروف، في زمن أن يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، في زمن أن تضيع الأمانة، وأن يكذب الصادق، وأن يصدق الكاذب، وأن:

يكون الولد غيظا، والمطر قيظا، وتفيض اللئام فيضا، وتغيض الكرام غيضا

[رواه الخرائطي من حديث عائشة والطبراني من حديث ابن مسعود]

في زمن يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغيّر، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه، في زمن موت كعقاص الغنم لا يدري القاتل لمَ يقتل؟ المقتول فيمَ قُتل، تطهير عرقي، في زمن التناقضات، في زمن أن تحتقر البنت أمها، تقول: أمي دقة قديمة، هي مثقفة، في زمن أن يوسد الأمر لغير أهله، في زمن أن ترتكب المعصية على قارعة الطريق، في زمن أن يكون الفجار هم علية القوم، في هذا الزمن:

الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ

إذا عبدت الله في زمن الفتن، في زمن أن يمس الناس غبار الربا، في زمن أن يُكذب الصادق، ويصدق الكاذب، فهذه العبادة بنص الحديث:

الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ

توقيت الهجرة بالمفهوم العام:

ولكن متى ينبغي أن تهاجر؟ ومتى ينبغي ألا تهاجر، أنا أتكلم عن الهجرة بالمفهوم الواسع.
أضرب مثلاً: أُرسلتَ ببعثة إلى بلد لتنال الدكتوراه، من جامعة بالذات، إذا مُنعت من دخول هذه الجامعة، وقرار إيفادك ينص على هذه الجامعة، ولم يسمح لك بالانتساب إلى هذه الجامعة أيعقل أن تبقى في هذا البلد؟ الجواب: لا، علة وجودي الوحيدة في هذا البلد أن أنتسب لهذه الجامعة، وأن أنال الدكتوراه، فإذا مُنعت من أن أنتسب إليها فلا معنى للبقاء في هذا البلد، هذا المثل.
التطبيق: هل يعلم الأخ المؤمن ما علة وجوده في الأرض؟ أن يعبد الله.
قال الله تعالى:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)

[سورة الذاريات]

أن يعبد الله بالمفهوم الواسع،

طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية

فإذا كنت في مكان، وحيل بينك وبين أن تعبد الله، وحيل بينك وبين أن تحقق علة وجودك في هذا المكان، هل تبقى في هذا المكان؟ إن كان في الإمكان أن تعبد الله في مكان فابقَ فيه، وإذا كان في الإمكان أن تصلح هذا المكان ليتاح أن تعبد الله فيه فابقَ في هذا المكان، أما إذا مُنعت أن تعبد الله، وأنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً في هذا المكان فعليك أن تغادر هذا المكان إلى مكان تعبد الله فيه، هذا كلام، ما الدليل؟ لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، الدليل:
قال الله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا)

[سورة النساء الآية: 97]

معنى الاستضعاف في الأرض
المعنى الأول: عدم الاستطاعة لعبادة الله
ما معنى مستضعفين؟ أي لا نستطيع أن نفعل شيئاً وفق اختيارنا، لا نستطيع أن نعبد الله، لا نستطيع أن نؤدي شعائر الإسلام، لا نستطيع أن نصلي، لا نستطيع أن نحجب نساءنا، لا نستطيع أن نفعل شيئاً يرضي ربنا،

(قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ)

يعني كان الذي يتولى الأمر يمنع الناس أن يحققوا شعائر دينهم.
المعنى الثاني: الضعف أمام الشهوات
هناك معنى آخر:

(قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ)

أي: ضعفنا في مكان ما أمام الشهوات، أمامي كأس من الماء شربت من رشفة، قلت: هذا العمل في بلاد المسلمين بمَ يقيم؟ هل يعدّ الذي شرب الماء قد ارتكب منكراً؟ لا يعد منكرا أبداً، الزنا في بعض البلاد كشربة الماء تماماً، ويستحيل أن تجد فتاة عذراء هناك، بل إن الفتاة العذراء متهمة في عقلها، فإذا كان الإنسان في بلد كهذا البلد المعاصي ترتكب على قارعة الطريق، وفي الحدائق، وأمام الناس، ترتكب الفاحشة العظمى في الطريق فليهاجر.
فإذا كنت في هذا البلد، الذي ترتكب فيه الفواحش على قارعة الطريق وضعفت أمام شهوتك، هذا الضعف من نوع آخر، هناك ضعف قمع، وضعف غلبة، غلبتك شهوتك، فإذا كنت في بلد ضعفت أمام شهواتك، ولأن الشهوات مستعرة، وسبلها ميسرة أيضاً فهاجر من هذا البلد، متى أهاجر؟ إذا كنت مستضعفاً.

(أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً)

[سورة النساء الآية: 97]

(فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ)

كم نوعًا من الضعف؟ ضعف قمع، وضعف غلبة شهوة، فمثل هاتين الحالتين إذا كنت ترجو الله والدار الآخرة ينبغي أن تهاجر إلى بلاد تعيش فيها بحرية.

جانبي الدين:

قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)

[سورة الكهف]

إن أردت لقاء الله عز وجل بالمعنى الواسع، إن أردت أن تتصل به، إن أردت أن يتجلى على قلبك، إن أردت أن تكون محظياً عنده، إن أردت أن تكون في مقعد صدق عنده، إن أردت السلامة والنجاة:

(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)

هناك جانب عقدي، وجانب سلوكي،
العقدي:

(وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)

والجانب السلوكي:

(فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا)

إذاً: الإسلام حركة، ، ونحن في مفهوم الهجرة، أوسع مفهوم الحركة، يليه أن تدع ما نهى الله عنه، يليه أن تعبد الله في زمن الفتن،

الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ

والهجرة بين مكة والمدينة أغلقت لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ

بينما الهجرة من أي مدينتين تشبهان مكة والمدينة قائمة إلى يوم القيامة، والمستضعف ينبغي أن يهاجر، أي الذي مُنع من أداء شعائره الدينية، أو ضعفت نفسه أمام الشهوات المستعرة في تلك البلاد، والعقاب جهنم،

(فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)

الوعيد مخيف، لأنك حينما لا تستطيع تحقيق علة وجودك ببقائك في هذا البلد أو في بلد لا تستطيع أن تؤدي به شعائر الله، ولا أن تقيم أمره، أو أن تضعف أمام شهواتك هذا بلد يلغي آخرتك، والإنسان كما ترون وكما تسمعون في قبضة الله، بثانية واحدة انتهى أحد زعماء العالم، ثانية واحدة، خثرة بالدماغ، والناس جميعاً يدعون له بطول البقاء ثانية، هذا الذي يؤثر الدنيا على الآخرة، إنسان غير سويّ،

(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (26-57) : الهجرة -1- المفاهيم العامة للهجرة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-01-23 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس