تُعظيم الله

بسم الله الرحمن الرحيم

الإيمان بالله شيء و الإيمان بالله العظيم شيء آخر:

قال الله تعالى:

(مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً)

[سورة نوح]

فالإيمان بالله شيء، وتوقيره شيء آخر، حينما قال الله عز وجل:

(إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيم)

[سورة الحاقة]

فالتركيز والإضاءة والخط تحت كلمة:

(الْعَظِيم)

لأن معظم الكائنات من دون استثناء يؤمنون بالله، حتى إن إبليس قال:

(قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)

(قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)

[سورة ص]

لوازم تعظيم الله عز وجل طاعته:

فالإيمان بوجود الله قاسم مشترك بين معظم الخلق، ولا يعد هذا الإيمان إيمان منجياً، لكن الإيمان بالله العظيم حينما تعظمه، وتوقره، وتراه عظيماً، عندئذ تستقيم على أمره، ويبدو أن الطاعة مرتبطة بالتعظيم.

(مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً)

الشيء مألوف جداً، وكما قالوا: شدة القرب حجاب، أما أن ترى ابنك بين يديك يضحك، ويلعب، ويتكلم، ويبكي، ويأكل، ويتنفس، ودماغه فيه مئة وأربعون مليار خلية استنادية، وأربع عشرة خلية قشرية، ورئتان، ومعدة، وأمعاء، وعينان، وأذنان، ولسان، ومريء، وتنفس، وإفراز، وكليتان، لا أعتقد أن في الكون أعقد من الإنسان، إنه تعقيد إعجاز، لا تعقيد عجز، وأنت تعلم علم اليقين أن هذا الابن كان خلية من أربعمئة مليون خلية خرجت منك في اللقاء الزوجي، تشكل هذا الطفل الذي أمامك من حوين واحد من أربعمئة مليون حوين، يفكر ويسأل، ويعترض، ويناقش، ويفرح، ويحزن، ويرى، ويسمع، ويتكلم، وينطق…..

(مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً)

شاءت حكمة الله أن ترى خلقك من ابنك، تراه رأي العين، لكن كما قالوا: شدة القرب حجاب، هذا الكون من دون خرق لنواميسه، ومن دون تعطيل لأنظمته هو معجزة، وأية معجزة !
ومعنى

(مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً)

قال الإمام مجاهد:

ما لكم لا تبالون لله عظمة

وقال ابن عباس:

ما لكم لا تعلمون لله عظمة

وفي رواية:

ما لكم لا تعظمون الله حق تعظيم

وقال ابن زيــد:

ما لكم لا تخافون عظمة الله عز وجل

(مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً)

الوقار هو الطاعة،

أنت تطيع الله بقدر ما تعظمه، وتعصيه بقدر ما يقلّ تعظيمك له

فمن لوازم العبودية لله عز وجل طاعته، وتعظيمه كي تطيعه.

لوازم تعظيم الله عز وجل تعظيم نعمه:

يقول عليه الصلاة والسلام:

إن لله تعالى أقواماً يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم

الآن هذه النعمة التي أكرمك الله بها ينبغي أن تراها من فضل الله عليك، فإذا رأيتها هكذا بذلتها، وإن رأيتها بجهدك كما قالها قارون:

(إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)

[سورة القصص]

بخلت بها.
قد يقول لك التاجر: خبرات متراكمة، سهر، عمل دؤوب، حتى حصلت هذه الثروة، يوجد أذكى منه بمئات المرات، ولا يملك درهماً واحداً، فعطاء الله لا علاقة له بذلك، بل الذكاء، ولكن له علاقة بالاستقامة.

ولو كانت الأرزاق تجري مع الحجى***هلكن إذاً من جـهلـهن البهائم

فيا أيها الإخوة: من لوازم تعظيم الله عز وجل تعظيم نعمه، الزوجة نعمة، فمن كفر بها حرم منها، والزوج نعمة، فإذا كفرت الزوجة هذه النعمة حرمت هذه النعمة، وأن تكون معافى في جسمك هذه نعمة،
كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول:

الحمد لله الذي عافاني في بدني

أن تتمتع بسمعك، وبصرك، وحركتك، وذاكرتك، وقوتك، وتخدم نفسك بنفسك، هذه نعمة لا تعدلها نعمة.
قال عليه الصلاة والسلام:

إن لله تعالى أقواماً يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم

من لوازم تعظيم الله عز وجل تعظيم ما حباك الله به، ومن نتائج تعظيم ما حباك الله به أن تبذله للناس، لا أن تستأثر به، وتنفرد به.
يَقُولُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ. قِيلَ: وَمَا اسْتَعْمَلَهُ؟ قَالَ: يُفْتَحُ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ مَنْ حَوْلَهُ

[مسند الإمام أحمد]

دائماً وأبدا أقول:

إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك

إذا أحب الله عبداً استعمله في خير، وجعل حوائج الناس إليه، وفتح على يديه باب الأعمال الصالحة،
واستعمله، أي جعله أداة خير للناس، فكلما رأيت إنسانًا منّ الله عليه بعمل صالح، بدعوة، بتعليم، ببناء مشفى، أو ميتم، أو مسجد، أو بإدارة دعوة ناجحة لله عز وجل، أنا لا أجد كلمة أهنئه بها كهذه الكلمة، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك.
وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً:

إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله، قيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت، ثم يقبضه عليه

سيدنا زيد الخيل كان من أجمل العرب فلما زار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه النبي قال له:

من الرجل؟

قال:

أنا زيد الخيل

قال:

بل زيد الخير

لكرم النبي وأخلاقه العلية دعاه إلى داره، قال له:

يا زيد ما وصف لي رجل فرأيته إلا رأيته دون ما وصف إلا أنت يا زيد، لله درك

أعطاه وسادة ليتكئ عليها، قال:

يا رسول الله لا أتكئ بحضرتك

ما هذا الأدب؟! – قال يا رسول الله:

أعطني ثلاثمئة فارس لأغزو بلدهم الروم

أعجب به النبي عليه الصلاة والسلام – قال:

لله درك يا زيد

واستأذن النبي، وغادر إلى بلده وفي الطريق توفاه الله
وهو من كبار الصحابة، وبين إسلامه وموته ثلاثة أيام فقط !
وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً:

إذا أراد الله لعبد خيراً طهره قبل موته، قالوا: وما طهور العبد؟ قال: عمل صالح يلهمه إياه حتى يقبضه عليه

أناس صالحون كثر يموتون، وهم يصلون، يموت في ليلة القدر، وهو يقرأ القرآن، يموت في المسجد، وإنسان آخر يموت وهو يعالج الصحن، لأن محطة إباحية لا تأتي عنده، فصعد فوق السطح ليعدل اتجاه الصحن لعله يراها واضحة فمات، موت الإنسان يلخص حياته كلها، وإنسان ادعى النبوة في شرق آسيا، وادعى أنه نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدوه ميتاً في المرحاض، فيبدو أن طريقة موت الإنسان تترجم حياته في الدنيا .
لذلك ورد في بعض الأحاديث الشريفة:

صنائع المعروف تقي مصارع السوء

مفاد كلامي:
أن المؤمن يعظم النعمة، لأنها من الله، يشكرها، ويبذلها،
المؤمن يعظم العمل الصالح، يقبل عليه لأنه قربة إلى الله، يعظم الله،
ويعظم نعمه وأوامره ويعظم الأعمال التي تقرب منه،
بعد أن سقى سيدنا موسى للفتاتين قال:

(فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)

[سورة القصص]

لذلك العلماء استنتجوا:

أن الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح، وأن الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح

الله عز وجل هدى على يد إنسان مئات الأشخاص، هذا أكبر غني في الأرض، والذي يملك ألوف الملايين، ولم يقدم لله عملاً صالحاً واحداً هذا أفقر خلق الله.

لوازم تعظيم الله عز وجل التفكر في آياته:

فمن لوازم التعظيم كما يقول الله عز وجل:

(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ)

[سورة سبأ]

التفكر في خلق السماوات والأرض.
قال تعالى:

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار)

[سورة آل عمران]

المؤمن ما الذي يملأ قلبه؟
قرأت بحثاً عن النملة والنحلة والمجرات شيء لا يصدق، خلق الله يملأ ساحة نفسي، الإنسان الآخر يقول: هل رأيت سيارة (ب إم )؟ ماركات السيارات، والأجهزة، والشركات العملاقة، والعطور، والمصانع الكبيرة في العالم التي تقدم للجسد ما يحتاج، هذه تملأ ساحة نفسه، ما الذي تهتم له؟ يهمك صنع الله أم صنع البشر؟ لذلك الأنبياء والصديقون والعلماء الكبار ملأت نفوسهم عظمة الله عز وجل، بينما الأشخاص التافهون تملأ نفوسهم مصانع تقدم سلعًا وخدمات ومركبات، وما شابه ذلك.

لوازم تعظيم الله عز وجل الانتقال من الخلق إلى الخالق:

لكن لي تعليق، لو أنك ركبت طائرة عملاقة، وهي تقلّ أربعمائة راكب، وكل شيء ميسر لك في الجو، وتقطع المحيط الأطلسي، أو تطير ساعات طويلة بلا توقف، يمكن من تعظيم هذه الطائرة أن تنتقل لتعظيم الله عز وجل، كيف؟ هذا الإنسان أعطاه الله عقلاً، لولا هذا العقل لما اخترع هذه الطائرة، هل رأيت في مجتمع القرود من يصنع طائرة؟ الحيوانات هيَ هي، أما الإنسان فصنع طائرات، ونقل صورة عبر المسافات الشاسعة، وصارت الاتصالات سريعة جداً، هذا كله بفضل الجهاز الذي كرم الله به الإنسان.
قال تعالى:

(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)

[سورة الحج]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: العقيدة – العقيدة من مفهوم القران والسنة – الدرس ( 22-40) : مستلزمات التوحيد -2- تعظيم حرمات الله وتعظيم شعائره
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-10-19 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس