قصة سُراقة دروس وعِبر

بسم الله الرحمن الرحيم

دلالات ودروس من حادثة سراقة مع النبي صلى الله عليه وسلم:

أيها الإخوة الكرام، مع موضوع جديد من موضوعات فقه السيرة النبوية، وقد وصلنا سابقاً إلى حديث سراقة، والحديث عن سراقة حديث ذو دلالات كثيرة، ذلك أن الإنسان حينما يهزم من داخله ينتهي، قد يهزم في دولة أو في معركة وهو واثق من نصر الله له فقصة سراقة تعلمنا دروساً كثيرة، أبرز هذه الدروس:

1. الثقة بنصر الله :

أن إنساناً وصلت دعوته إلى النهاية الصغرى إلى الحضيض، بعد أن خرج النبي عليه الصلاة والسلام من مكة المكرمة مهاجراً إلى المدينة، وبعد أن أخفقت قريش في ملاحقته وضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً.
أرأيتم إلى ضعف كهذا الضعف، إنسان ملاحق، مهدور دمه، موضوع مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، ومع ذلك كانت ثقته بنصر الله لا حدود لها، أحياناً في هذه الظروف الصعبة التي تتداعى عليها الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، ورد في بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم:

يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل: ومن قِلّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ، كغثاء السيل

[رواه أبو داود عن ثوبان]

لا وزن لهم إطلاقاً،

لمَ يا رسول الله؟ قال: يصيبكم الوهن.قيل: وَمَا الْوَهْنُ؟ قالَ: حُبّ الدّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ

2. الصبر في مواجهة الضغوطات:

لذلك كان السلف الصالح الواحد بألف، ومع تأخر المسلمين وضعفهم الألف بأفٍّ.
للتوضيح:
سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه جاءه استنجاد من قائده خالد بن الوليد في معركة من المعارك، وطلب منه خالد 50 ألف جندي، لأنه معه 30 ألفًا في مواجه 300 ألف، طلب النجدة، فإذا بالصديق رضي الله عنه يرسل له رجلاً واحداً، اسمه القعقاع بن عمرو، ولولا أن التاريخ يؤكد هذه القصة لما أمكن أن تقبل، لما وصل القعقاع إليه قال: أين المدد؟ قال له: أنا المدد، قال له: أنت؟! قال له: أنا، ومعه كتاب، فتح الكتاب يقول الصديق رضي الله عنه: يا خالد، لا تعجب أن أرسلت إليك بواحد، فو الذي بعث محمد بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم، وانتصر.

3. قانون النصر والتمكين:

مليار وثلاثمئة مليون، وفي رقم أحدث مليار ونصف، ليس أمرهم بيدهم ، وليست كلمتهم هي العليا، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، لأن القصة كلها كما يلي:

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ)

[سورة النور الآية: 55]

هل نحن مستخلفون؟ لا والله.

(كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)

[سورة النور الآية: 55]

هذا قانون:

(وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ)

[سورة النور الآية: 55]

هل نحن ممكَّنون في الأرض؟ يرسمون النبي عليه الصلاة والسلام بصور لا يستطيع داعية في الأرض أن يصفها.

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً)

هل المسلمون آمنون؟ كل يوم تهديد، كل يوم وعيد، كل يوم عدوان، كل يوم قصف،
يقول الله عز وجل:

(يَعْبُدُونَنِي)

[سورة النور الآية: 55]

إن صح التعبير أن الله جل جلاله وتباركت أسماءه فريق أول، وأن المؤمنين فريق ثانٍ، الفريق الأول هو الله عز وجل، وعد بالنصر والتمكين والنصر والتطمين، وعلى الفريق الثاني أن يعبده، فإذا أخلّ الفريق الثاني بما عليه فالله جل جلاله في حل من وعوده، ولا تنسوا أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين:

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ)

كقانون للمؤمنين:

(كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي)

إخواننا الكرام، هذا في القرآن، أما في السنة فقد أردف النبي عليه الصلاة والسلام سيدنا معاذ بن جبل:

يا معاذ، هل تدري ما حق اللَّه على عباده؟ وما حق العباد على اللَّه؟ قلت: اللَّه ورسوله أعلم ـ

سأله ثانية وثالثة ـ

قال: فإن حق اللَّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا

هذا واضح،

ثم سأله: يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه؟ قال: ألا يعذبهم

[متفق عليه]

أنشأ الله لنا حق عليه، الإله العظيم، خالق السماوات والأرض، أنشأ لك حقاً عليه، وقال طالبني به، حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم.
هناك شاهد آخر:

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ)

[سورة المائدة الآية: 18]

استنبط الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أن الله تعالى لو قبِل دعواهم أنهم أحبابه لما عذبهم، لأن الله لا يعذب أحبابه، فكل مؤمن مستقيم على أمر الله له عند الله حق ألا يعذبه، الآيات المطمئنة:

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)

[سورة الجاثية]

حياة الشاب المؤمن هي من تقدير الله عز وجل، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يعامل شاب مستقيم عفيف ورع، مؤدٍ لعباداته كما يعامل شاب متفلت.

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)

4. معية الله:

أنا أطمئن الإخوة الكرام، لكنني أبين أن معية الله عز وجل لها ثمن، معية الله معيتان معية عامة، ومعية خاصة، المعية العامة هو معنا بعلمه، هو مع كل إنسان، حتى الكافر حتى العاصي، حتى المنافق، حتى الفاجر، معهم بعلمه، ولكن الله عز وجل إذا قال:

(وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)

[سورة الأنفال]

أي معهم بالتوفيق، والتأييد، والنصر، والحفظ.

5. المعنويات العالية:

أيها الإخوة، يقول الله عز وجل:

(قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)

[سورة التوبة الآية: 51]

ولم يقل: علينا.
الذي أريد أن أوضحه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الطائف رده أهلها شر رد، كذبوه واستهزؤوا به، وأغروا صبيانهم أن يضربوه، وقال:

اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى، غير أن عافيتك أوسع لي

[أخرجه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن جعفر]

كان قد خرج من مكة وقد أخرجه أهلها، ولما أراد أن يعود إليها يقول سيدنا زيد بن ثابت، وكان رفيقه في هذه الرحلة: يا رسول الله، كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

إن الله ناصر نبيه

[ورد في الأثر]

معنوياته عالية جداً، وفي الهجرة وقد أهدر دمه، ووضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، ولحقه سراقة وأدركه، وغاصت قدما فرسه في الرمل، وعلم سراقة أن هذا الرجل ممنوع منه،

قال: يا سراقة: كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟

يعني أنا سأصل إلى المدينة، وسؤأسس دولة، وأنشئ جيشاً، وسأحارب أقوى دولتين في الأرض، وسأنتصر عليهما، وسوف تأتيني كنوز كسرى، ولك يا سراقة سوار كسرى.
أرأيت إلى التفاؤل؟ ربما الهدف الوحيد من قصة سراقة أن ترتفع معنويات المسلمين الله لا يتخلى عنهم، لكنه يعالجهم، نحن في العناية المشددة، وهذه نعمة ما بعدها نعمة تماماً كما لو سأل مريض قد أصيب بورم خبيث منتشر في كل جسمه، سأل الطبيب: ماذا آكل؟ وما الأكلات التي تمنعني أن آكلها؟ يقول له الطبيب: كُلْ كلَّ شيء، لأن أمْره انتهى، لذلك:

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)

[سورة الأنعام]

فرق كبير بين أن تكون في العناية المشددة، وبين أن تكون خارج العناية المشددة، فالنبي عليه الصلاة والسلام تفاءل أن يستتب الأمن والنظام في ربوع العالم الإسلامي، وتفاءل للمسلمين أن يغتنوا حتى يفيض المال فيهم، وحتى لا يوجد من يأخذه، وتفاءل أن الأعداء سوف ينقلبوا أصدقاء.

عصمة الله نبيّه من سراقة بن مالك

أيها الإخوة، وحصلت المعجزة الثانية حين عصم الله جل جلاله رسوله صلى الله عليه وسلم، وحماه من سراقة بن مالك، الذي طلبهم طمعاً في جائزة قريش، فقد علم سراقة بخبرهم من رجل من بني مدلج، رآه عن بعد وهم مرتحلون مع الساحل، فاتبعهم سراقة وهم في مكان من الأرض، وينقل البخاري حديث سراقة حيث يقول:

وقد كنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المئة ناقة

كان سراقة يرجو أن يرد النبي على قريش ويأخذ المئة ناقة،

قال: فركبت فرسي على أثره فبينما فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه، قال: فقلت: ما هذا، قال: ثم أخرجت قداحي

أي أسهمي ـ

فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره، قال: فأبيت إلا أن أتبعه، قال: فركبت في أثره فبينما فرسي يشتد بي عثر ـ المرة الثالثة ـ فسقطت عنه قال: فقلت ما هذا؟ فلما بدا لي القوم، ورأيتهم

يعني رأى النبي وصاحبه، ومن يقود الناقة،

ورأيتهم عثر بي فرسي للمرة الرابعة، وذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعهما دخان كالإعصار، قال: فعرفت حين رأيت أنه قد مُنع مني، وأنه ظاهر، قال: فقال رسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: قل له: وما تبغي منا؟ فقال له ذلك أبو بكر، قال: قلت ـ سراقة ـ تكتب لي كتاباً يكون آية بيني وبينك

فقد أدرك سراقة أن هذا إنسان غير عادي، لأنه أصر أول مرة والثانية، والثالثة، والرابعة، وكل مرة تغوص قدما فرس سراقة، ويقع عن فرسه، لكن المئة ناقة تتلألأ له فكان مصراً على أن يقتل محمدًا عليه الصلاة والسلام، أما في المرة الرابعة أدرك أن هذا الإنسان ممنوع من أن يناله أذىً،
قال الله عز وجل قال:

(فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)

[سورة الطور الآية: 48]

إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟

أجمل كلمة أقولها لكم: قال بعض العلماء: هذا خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن لكل مؤمن من هذا الخطاب نصيب، وأنت أيها المؤمن إذا كنت مستقيماً ومخلصاً، ومتوجهاً إلى الله فإنك بأعين الله، فإنك بعين الله ترعاك، بقدر إيمانك واستقامتك وإخلاصك، فإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟

(قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)

[سورة طه]

لذلك لما رأى سراقة أن النبي صلى الله عليه وسلم إنسان غير عادي ممنوع من أن يناله أحد بأذى

قال: أريد أن تكتب لي كتاباً يكون آية بيني وبينك، قال: اكتب له يا أبا بكر، فكتب لي كتاباً في عظم، أو في رقعة، أو في خرقة، ثم ألقاه إلي، فأخذته فجعلته في كنانتي، ثم رجعت فلم أذكر شيئاً

أراد أن يكون هذا سراً بينه وبين النبي، ويبدو أنه حينما أيقن أنه ربما قُتل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتله، وإنه إنسان أي النبي صلى الله عليه وسلم ممنوع من أن يناله بأذى،
وقد نذكر سراقة في رواية صحيحة

أنه اقترب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، كما ذكر أنه عرض عليهم الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئاً، وأن وصيته كانت أنه أخفِ عنا

أراد وفاء مع النبي أن يعتم عليه كل خبر،فلم أذكر شيئاً مما كان، ثم حكى خبر لقاءه برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة وإسلامه.
أنا أتصور هؤلاء الذين عاملوا النبي كإنسان عادي لما كشفت لهم الحقيقة أنه رسول الله، ماذا الذي حصل لهم؟

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (32-57) : الهجرة -7- قصة سراقة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-03-27 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس