تعبد النبي وتفكره في غار حراء

بسم الله الرحمن الرحيم

تحنُّث النبي في غار حراء

أيها الإخوة، نتحدث اليوم عن تحنث النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء، وما علاقتنا نحن بهذا التصرف؟ إنسان يترك زوجته وأولاده، وبيته وأمنه، وفراشه، ويذهب ميلين ـ يعني 3 كم ـ في أوعر طريق، وفي أصعب مسلك، ليصل إلى غار طبيعي مترين بمتر، يجلس وحده، لا فيه تكييف، ولا هو بيت آمن، ولا فيه مطبخ، ولا فيه برّاد، ولا عصير، ولا قهوة، ولا شاي، ولا فضائية، ولا فيه زوجة مزينة أمامه، ولا أولاد يملؤون البيت جمالاً، هو بين صخور، ماذا يفعل هناك؟

علاقتنا بهذا التصرف:

ما علاقتنا نحن بهذا؟ والله الذي لا إله إلا هو ما لم يكن لك غار حراء فلن تكون مؤمناً، لكن لا أطالبك أن تصعد إلى جبل قاسيون وأنت تبحث عن مغارة، أطالبك أن تخلو بنفسك كل يوم في زاوية من بيتك، وأن تفكر من أنت؟ لماذا أنت في الدنيا؟ أين كنت قبل أن تولد؟ وماذا بعد الموت؟ ولماذا خلقنا؟ ومن الذي خلقنا؟ ولماذا جعل العمر قصيراً؟ ولماذا يموت الإنسان فجأة؟ وماذا بعد الموت؟ وما حقيقة النفس؟ هذه أخطر موضوعات يجب أن تعرفها.
لذلك إذا قرأتم
قوله تعالى في القرآن الكربم:

(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104))

[سورة الكهف]

ألم تفكِّر في ساعة المغادرة؟!!

إخوتنا الكرام، حينما تكتشف الحقائق يشعر الإنسان بفداحة الخسارة.
عرضت في ندوة تلفزيونية صورة فرعون، فرعون موسى حقيقة، وقد أخذ إلى باريس، ورممت يده من الفطور والعفن الذي أصابها، وهي مغلفة بالشاش، وقلت: هذا الذي قال:

(فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)

[سورة النازعات]

وهذا الذي قال:

(مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)

[سورة القصص الآية: 38]

حينما أدركه الغرق قال:

(قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ)

[سورة يونس الآية: 90]

كل ذكائك، وكل بطولتك، والنجاح كل النجاح، والفوز كل الفوز، والتوفيق كل التوفيق، في أن تفكر في ساعة مغادرة الدنيا، إلى أين؟

قل لي ما الذي يهمك أقل لك من أنت

إخواننا الكرام، نحن أحياناً تستهلكنا الدنيا، تأخذنا، إنسان كل همه في تخفيف ضريبته، وكل همه في توسيع بيته، وكل همه في تزيين بيته، وكل همه في شراء مركبته وكل همه في الاستمتاع بالدنيا، وكل همه أن يسافر، وكل همه أن يلتقي، وكل همه أن يفتخر، وكل همه أن يستعلي على خلق الله، لكن هموم الأنبياء ما هي؟
قال الله في القرآن الكريم:

(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)

[سورة النجم]

وقال أيضاً:

(وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى)

[سورة النجم]

أنت في أي أفق أنت؟ في أفق حاجاتك الدنيوية؟ هناك إنسان صغير جداً عند الله ، همه الوحيد أن يزداد دخله فقط، وإنسان همه أن يعرف ربه، وإنسان همه أن يهدي الآخرين، وإنسان همه أن يكون في مرضاة رب العالمين، قل لي ما الذي يهمك أقل لك من أنت.

ماذا كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام في غار حراء؟

ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في غار حراء، كان يفكر في ملكوت السماوات والأرض، كان يفكر بالحقائق الكبرى.
كان عليه الصلاة والسلام يتعبد في غار حراء الليالي ذوات العدد، وكان يعتكف في كل سنة شهراً بأكمله، والسيدة خديجة كانت تأتيه بالزاد والطعام والشراب،

ماذا نفعل في غار حراء؟

ألك مع الله خلوة؟ ألك مع الله مناجاة؟ ألك تفكر؟

(فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ)

[سورة الطارق]

ماذا بعد الموت؟ ما مصيري بعد الموت؟ حصلت على شهادة عُليا، ثم ماذا؟ آخر شيء نعي، الدكتور فلان، أو المحامي فلان، أو المهندس فلان، أو الحاج فلان، أو عميد أسرتهم فلان، الطبيب فلان، مستشار سابقاً، السفير في بلد معين، بعد الموت لا سفارة، ولا منصب، ولا رتبة، ولا شيء.

(وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ)

[سورة الأنعام الآية: 94]

إذاً ماذا نفعل في غار حراء؟ أو ماذا نفعل في غرفتنا الخاصة؟ نفكر، أين كنا؟ وماذا بعد الموت؟ نفكر من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ فكر.

مثال عن التفكر

أنا معجب إعجاب بلا حدود من سيدنا نعيم بن مسعود، لما فكر، هذا اسمه حوار نفسي، بالتعبير حوار داخلي، قال في نفسه: يا نعيم، ما الذي جاء بك إلى هنا؟ كان زعيم قبيلة جاء ليحارب النبي الكريم في معركة الخندق، ما الذي جاء بك إلى هنا؟ من أجل أن تقاتل هذا الرجل الصالح؟ ماذا فعل؟ سرق مالاً، انتهك عرضاً، سفك دماً؟ أين عقلك يا نعيم؟ في هذه اللحظة أشرق في قلبه نور الإيمان، وأسلم، وأجرى الله على يديه أن النصر في الخندق كان له سهم كبير فيه حيث شق التحالف، التحالف قديم، وليس جديدًا، دول التحالف، التحالف قديم، تحالف قريش مع اليهود، شقها بذكاء ما بعده ذكاء، وكتب الله للأمة الإسلامية النصر في هذه الموقعة على يد نعيم بن مسعود.

غار حراء من أجل التفكر:

غار حراء من أجل أن تفكر، غار حراء من أجل أن تفكر في خلق السماوات والأرض، أن تتفكر أين كنت؟ وماذا بعد الموت، ولماذا أنا في الحياة الدنيا؟ لئلا تنطبق الآية الكريمة:

(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)

من أجل ألا تندم عند الموت، من أجل ألا تقول كما ورد في القرآن الكريم:

(يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ)

[سورة الفجر]

من أجل ألا تقول كما ورد في القرآن الكريم:

(يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً)

[سورة الفرقان]

لكل منا غار حراء يتفكر فيه:

أيها الإخوة، غار حراء لرسول الله ولنا، لست مكلفًا الآن أن تصعد إلى قمة الجبل لا، في غرفتك الخاصة، في غرفة الضيوف، في غرفة فارغة، اجلس، وفكر بعد الصلاة من أنت؟ لماذا أنت في الدنيا؟ ماذا ينفعك؟ بل لو رأيت نفسك شردت هنا وهناك في عندك قوة ردع، فكر بالموت، أنت تملك هذا البيت، حينما يأتي الأجل أين تُغسل؟ بالحمام أم بالمطبخ؟ أما بالصالون؟ هذا كلام مزعج جداً، وبعدما يدفن الإنسان يباع البيت، أم يتركونه؟ ماذا يفعلون بهذه السيارة؟ يركبونها؟ أم يبيعونها؟هل يبقى الوئام لأولادك بعد موتك؟ أم ماذا؟ التفكر بالموت له آثار إيجابية جداً.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أكثروا ذكر هادم اللذات، فإنكم لا تذكرونه في كثير إلا قلله، ولا قليل إلا كثره

[رواه الترمذي، والبيهقي عن أبي سعيد، وأخرجه العسكري عن أنس]

فلذلك أيها الإخوة، لما تفكر تفكيرًا صحيحًا، من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ من خلقني؟ لماذا خلقني؟ ماذا يريد مني؟ هل عملي صحيح؟ تجارتي صحيحة؟ كسب مالي صحيح؟ إنفاقي صحيح؟ هذا التفكر في خلق السماوات والأرض هو مضمون غار حراء ولابد لكل مؤمن من غار حراء يتفكر في خلق السماوات.
لذلك بعض العلماء قال:

ماذا يفعل أعدائي بي، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة

أحيانا يعيش الإنسان خارج بلده في غرفة، الظاهر شيء موحش، أما الحقيقة إذا فكر في ملكوت السماوات والأرض كانت هذه الغرفة المتواضعة سبب في سعادته في الدنيا والآخرة، فكر.

الإنسان من دون تفكير يهبط عن مستوى إنسانيته

إخواننا الكرام، الإنسان من دون تفكير يهبط عن مستوى إنسانيته، لماذا أنا في الدنيا؟
لذلك قال الله تعالى:

(إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)

[سورة المدثر]

لا بد لكل مسلم من خلوة:

أنا أتمنى عليكم من هذا الدرس البليغ أن تكون لك خلوة مع الله، تقرأ قرآن، تتفكر بملكوت السماوات والأرض، تناجي ربك ، تدعو ربك، تذكر الله، تستغفره، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، سبحان الله العظيم وبحمده، لا حول ولا قوة إلا بالله، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، إما أن تذكر، وإما أن تقرأ القرآن، وإما أن تناجي الواحد الديان، وإما أن تدعو، وإما أن تصلي، هذه الجلسة تماماً كشحن الهاتف المحمول، إذا لم تشحنه ينتهي، ونحن بحاجة ماسة إلى شحن يومي، الشحن اليومي الصلوات الخمس، والشحن الأسبوعي بالصلاة الجمعة، والشحن الشهري بالثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من كل شهر، ثلاثة أيام، نصوم، والشحن السنوي برمضان، وشحن العمر مرة واحدة بالحج، عندك شحن في العمر مرة واحدة، وعندك شحن سنوي، وشحن شهري، وشحن أسبوعي، وشحن يومي، والله يكفر الخطايا من صلاة إلى صلاة، ومن جمعة إلى جمعة، ومن رمضان إلى رمضان، والحج.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه

[أخرجه أحمد في مسنده وصحيح البخاري والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة]

الذي أتمناه من هذا الدرس كيف أن النبي كان قدوة لنا في غار حراء، تفكر في ملكوت السماوات والأرض، تعرف إلى الله، ناجى ربه، أقبل عليه، استغفره، دعاه لا بد لكل واحد منا من جلسة مع الله عزوجل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أوحى الله تعالى إلى موسى، أتحب أن أسكن معك بيتك فخر لله ساجدا ثم قال: فكيف يا رب تسكن معي في بيتي، فقال: يا موسى أما علمت أني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني

[رواه البيهقي عن أبي هريرة]

لو شاهدت عيناك من حسننا الذي***رأوه لمــــــا وليت عنا لغيرنا
ولــــو سمعت أذناك حسن خطابنا***خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولـــــو ذقت من طعم المحبة ذرة***عذرت الذي أضحى قتيلاً بحينا
ولـــــو نسمت من قربنا لك نسمة***لـــمت غريباً واشتياقاً لقربنا
ولــــــو لاح من أنوارنا لك لائح***تــركت جميع الكائنات لأجلنا
فـــــــــما حبنا سهل وكل من***ادعى سهولته قـلنا له قد جهلتنا

إخواننا الكرام، الواحد منا ذاق الطعام والشراب، وتزوج، وذاق طعم الزواج، وركب مركبة، وسكن بيتًا، وأنجب أولادًا، الدنيا لها سقف، لو معك مئة مليار هل تأكل خمسة كيلو لحم؟ لا تستطيع، أوقية، حجمه 200 غ لحم، وبذلة واحدة، وتخت واحد ، الدنيا لها سقف، مهما كنت غنياً، لذلك فرق العلماء بين الكسب والرزق، الرزق ما انتفعت به فقط، الطعام الذي أكلته هو رزقك، والثياب التي ارتديتها هي رزقك، والبيت الذي تسكنه رزقك، والفراش الذي تنام عليه رزقك، وهذه التي أكرمك الله بها رزقك، وما سوى ذلك تحاسب من أين اكتسبته؟ وفيما أنفقته؟ لذلك:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تَزُولُ قَدَمَ ابنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبّه حَتّى يُسْأَلَ عن خَمْسٍ: عن عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وعن شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ، وَعن مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِم

[رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عن أبي برزة]

عن ماله سؤالان:

مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ

نفكر،

الشباب الصغار يحتاجون أكثر من غيرهم إلى التفكير

والشباب الصغار يحتاجون أكثر من غيرهم إلى التفكير، لأنه أمامهم خيارات واسعة جداً، أردت أن تكون طبيباً من أجل ماذا ـ دقق الآن ـ طبيب غني، عنده سيارة بي أم، سأصبح طبيبًا، الطبيب له مكانه بالمجتمع، دكتور، الطبيب ينتقي أجمل زوجة، مثلاً، إن كان التفكير هكذا فلا قيمة لهذا الاختصاص إطلاقاً، أما فكرت ـ أنا أكلم الشباب ـ الطبيب يستطيع أن يعالج المؤمنين، ويطمأنهم، وأن يدخل على قلبهم السرور.
والله مرة التقيت بطبيب ذكرني بحديث، والله اقشعر بدني، يقول هذا الطبيب:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَن نَفَّسَ عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس اللَّهُ عنه كربةً من كرب يوم القيامة

[رواه البخاري ومسلم، عن سهل بن سعدٍ رضي اللّه عنه]

قال لي: أسأل الله أن أكون محسوباً على هذا الحديث، بين أن تجد طبيبًا دخله كبير، وبيته جميل، وزوجته جميلة، مركبته فارهة، ومحترم، وبين أن تمتهن الطب لتخدم المؤمنين، تتعلم لغة إنكليزية، بين أن تصبح مترجمًا فوريًا بالمؤتمرات، تعويضات مذهلة، وبين أن تترجم كتبًا إسلامية للعالم الغربي الذي يرانا إرهابيين، يختلف الوضع.

يا معشر الشباب اسمعوا وعوا:

فأنتم أيها الشباب، إذا كان لكم غار حراء فاختاروا حرفة تبتغون بها وجه الله، الفرق كبير جداً، تختار حرفة تبتغي بها وجه الله، أردت أن تكون تاجراً، فقد كان التجار من السلف الصالح إذا فتحوا محلاتهم التجارية يقولون: يا رب، نويت خدمة المسلمين، أصبحت تجارته عبادة، إذا قال الطبيب: يا رب نويت خدمة المؤمنين، إذا قال المهندس: يا رب، ألهمني أن ابني بناء لهؤلاء الشباب كي تؤويهم، إذا قال المعلم: يا رب، ألهمني أن آخذ بيد طلابي إليك، أن أعرفهم بك يا رب، لما تدخل غار حراء تخطط لحرفة ترضي الله.
أنا أخاطب الشباب أمامكم خيارات واسعة جداً، بين أن تختار حرفة من أجل الدنيا، وبين أن تختار حرفة من أجل الآخرة، والضابط لذلك
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)

[سورة القصص الآية: 77]

قد تشتهي أن تكون غنياً، لكن هذا الغنى يمكن أن ترقى به إلى أعلى درجات الآخرة، تنشئ مياتم، مستوصفات، معاهد شرعية، تزوج الشباب، تبني أبنية، الأغنياء أمامهم خيارات لا يعلمها إلا الله.
أنا أقول لكم: فكر ليكون لك غار حراء في بيتك، من أجل أن تخطط لمستقبلك ولآخرتك إن لم تخطط يخطط لك، إن لم تخطط تكن رقماً لا معنى له في خطة عدوك، لذلك غار حراء يعني التفكر، لأن الدنيا تأخذنا جميعاً أحياناً، من موعد لموعد، للقاء، لمشروع، لاجتماع، لسهرة، لندوة، وإلى متى أنت باللذات مشغول؟ غار حراء يجب أن تتأمل، أن تفكر، أن تناجي نفسك، أن تقيم حوارًا داخليًا، هذا غار حراء، فالنبي قدوتنا في غار حراء، ويجب أن يكون لكل واحد منا غار حراء يناجي فيه ربه، يسأله حاجاته كلها، يستغفره، يذكره، يتلو كتابه، يستسمح منه أحياناً، يناجيه، يدعوه، هذا غار حراء من أجل أن تصح حركتك في الحياة مخططًا لها.

حكمة الله في اختيار نبيه لغار حراء:

وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفاً لتدبير الله له وليكون انقطاعه عن شواغر الأرض وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة نقطة تتحول فيها طاقاته لاستقباله ما ينتظره من هذه البعثة العظيمة، فغار حراء نحن بحاجة إليه، ولكن مجزأ، وفي البيت، لا بد من خلوة مع الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ولو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا

[أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

آية بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح، لا يستطيعونهما

[أخرجه سعيد ابن منصور عن سعيد بن المسيب مرسلا]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (39-57) : غار حراء وتعبد النبي فيه وتفكره
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-06-05 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس