الوصول إلى المدينة المنورة وبناء مسجد قباء

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الكرام، مع موضوع جديد من موضوعات فقه السيرة النبوية، وقد سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق هجرته، وها نحن نصل معه إلى قباء.
أيها الإخوة، في يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول عام 14 من النبوة، وهي السنة الأولى من الهجرة، كان نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم في قباء، وقبل أن أتابع أقول:

ماذا فعل النبي في مكة؟

إخوتنا الكرام، يجب أن نعلم علم اليقين أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منهج بكل ما في الكلمة من معنى، ذلك لأنه في مكة المكرمة لـ 13 عاماً قوى النبي الكريم الإيمان في قلوب أصحابه، فصار الواحد كالجبل في الإيمان، لكنهم ضعفاء، لكن بعض الأصحاب كان يعذب أمام النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يملك شيئاً إلا أن يقول لهم:

صبراً آل يل سر فإن موعدكم الجنة

[السيرة النبوية]

ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة؟ بنى الإيمان، الإيمان أكبر كلمة، ذلك أنك إذا سألت ما هي أقوى قوة في الأرض؟ قد يقول أحدهم: القنبلة الذرية أو النووية، في ثوانٍ تبيد ملايين، حرقاً وضغطاً، ولا تبقي ولا تذر، لا من البشر، ولا من الحيوان، ولا من النبات، ولا أي كائن حي، من هو الأقوى منها؟ الذي صنعها بما آتى الله الإنسان من عقل، استطاع بهذا العقل أن يصل إلى الكواكب الأخرى، سافر إلى القمر، أرسل مركبة إلى المشتري، وبقيت هذه المركبة تسبح في الفضاء ست سنوات، إذاً الذي صنع القنبلة بقدراته العقلية هو أقوى منه، الآن القوة التي تحرك هذا الإنسان وتجعله يضحي بالغالي والرخيص والنفس والنفيس، هي قوة الإيمان، الإيمان أقوى قوة في الأرض، يعني هل هناك أغنى من الحياة؟ هل هناك أغلى على الإنسان من حياته؟ حياة المؤمن يضحى بها رخيصة في سبيل الله، معنى ذلك أقوى قوة في الأرض قوة الإيمان، جئناكم بأناس يحبون الموت كما تحبون الحياة.
ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة؟ بنى الإيمان في نفوس أصحابه، قوى الإيمان، لذلك الإيمان كلمة كبيرة جداً، فمنهج النبي أن الإيمان قوي وتمكن وتعزز في مكة المكرمة، لكنهم ضعاف، وقد جاء توجيه الله لهم ألا يقاتلوا:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ)

[سورة النساء الآية: 77]

لماذا انتقل النبي إلى المدينة؟

لكن هذا الحق القوي يحتاج إلى قوة، قوة الحق تحتاج إلى حق القوة، لما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، دخل في مرحلة أخرى، في مرحلة ثانية، دخل في مرحلة تأسيس كيان إسلامي، تأسيس دولة إسلامية، وحارب قريشاً حروباً ثلاثة، وبعض الغزوات إلى أن انتزع منهم اعترافاً بالكيان الإسلامي في صلح الحديبية، كنا في مرحلة تقوية الإيمان في مكة المكرمة.

(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا)

[سورة الشمس]

(وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ)

[سورة الفجر]

(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)

[سورة النبأ]

أما في المدينة فصار لهم كيان، وتشريع، وقوة، إذاً المسلمون اليوم ما لم يؤسسوا إيماناً قوياً كما فعل النبي بمكة، ثم يدعمونه بقوة كما فعل النبي الكريم بالمدينة، فلن يستطيعوا أن يحققوا رسالتهم.

الجمع بين قوة الحق وحق القوة:

الآن لماذا قتل قابيل هابيل؟ قابيل معه قوة، الأخ الأقوى، وهابيل معه الحق لكنه الأخ الأضعف، لكنه قُتل، ماذا كان ينقص هابيل، إضافة أنه على حق، وقدم قرباناً وتقبله الله منه، وأطاع الله وتزوج أخت قابيل، ينقص هابيل قوة قابيل، وماذا ينقص قابيل؟ إيمان هابيل، فقابيل ملك حق القوة، وهابيل ملك قوة الحق.
لذلك النبي جمع بين قوة الحق في مكة، وبين حق القوة في المدينة، يعني كيف حق القوة؟
الدول العظمى اخترعوا حقا لهم لأنهم أقوياء، اسمه ” الفيتو “، أيّ قرار لا يعجبهم يستخدمون الفيتو فيلغى، هذا ما أنزل الله به من سلطان، هذا من اختراعهم، هذا من حق القوة، فالقوي يملي الشروط، والضعيف يقبلها.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن قوة الحق لا تكفي، كان في مكة يملك قوة الحق، لكن كان يرى أصحابه يُعذبون أمامه، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، ولما انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة أسس كيانًا، وامتلك حق القوة، لذلك حارب قريشًا في بدر، وفي أحد، وفي الخندق، وفي الغزوات إلى أن انتزع من قريش القبيلة القوية المتغطرسة، المستكبرة، الجامحة، الطاغية، المنحلة، ربا على خمر، على زنا، على فوضى جنسية، هذه الفوضى العاتية المتكبرة انتزع منها اعترافاً بالكيان الإسلامي.
والعالم الإسلامي الآن ما لم يقتد برسول الله في انتزاع حق القوة فلن يستطيع أن يقيم الإسلام في بلاده، في الأرض هبابلة، وقبابلة، هبابلة أمثال هابيل، وقبابلة أمثال قابيل، الهبابلة مؤمنون والحمد لله، إن شاء الله مصيرهم إلى الجنة، لكن مذبوحون، أما القبابلة فكفار، وقتلة، ومجرمون، لكنهم أقوياء، فليت الهبابلة يأخذون من خصائص القبابلة، وليت القبابلة يأخذون من خصائص الهبابلة.
فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام بنى الإيمان في مكة، وبنى كيان، مدني قوي في المدينة، فامتلك قوة الحق وحق القوة.

خروج المسلمون لانتظار النبي على حب وشوق:

قال عروة بن الزبير:

سمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكان أصحاب النبي رضوان الله عليهم يغدون كل غداة إلى ظاهر المدينة ينتظرونه حتى يدركهم حر الظهيرة

لأن هناك حبا.
إخواننا الكرام، الإسلام من دون حب جسد من دون روح، جثة، إذا أفرغت الإسلام من الحب، من الود، من خفقان القلب.
قال الله تعالى:

(إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)

[سورة الأنفال]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أولياء الله تعالى الذين إذا رؤوا ذكر الله تعالى

[أخرجه الحكيم عن ابن عباس]

لاتصالهم بالله عز وجل، الإيمان اتصال، الإيمان حال، الإيمان حب، الإيمان تضحية، الإيمان انضباط.
فلذلك كان أصحاب النبي رضوان الله عليهم في أعلى درجات الحب.
أنت أتحب أخاك؟ كان أصحاب رسول الله يصلون العشاء في المسجد النبوي، فإذا انطلقوا إلى البيت عانق الأخ أخاه وودعه، العشاء بالشتاء الساعة العاشرة، الفجر الساعة الرابعة، أو الثالثة، لما يلتقي الصحابي مع أخيه الذي ودعه قبل خمس ساعات يعانقه ويقول: وا شوقاه، غاب عنه خمس ساعات، هناك حب بينهم، وكان الصحابة الكرام إذا مشى الأول مع الآخر، وافترقا لشجرة بينهما، فإذا التقيا بعد الشجرة يقول الأول للثاني: السلام عليكم، نريد حباً كهذا الحب، نريد أن يكون المؤمنون أخوة.
قال الله تعالى في الحديث القدسي:

وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتباذلين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتحابون فيّ، على منابر من نور يغبطهم عليها النبيون والصديقون والشهداء يوم القيامة

 

[أخرجه أحمد في مسنده والطبراني والحاكم، عن عبادة بن الصامت وعن معاذ]

بوادر وصول النبي إلى المدينة:

فانقلبوا يوماً بعد ما أطالوا انتظارهم فلما آووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم، على مرتفع من آطامهم لأمر ما، فبصر برسول الله وأصحابه من بعيد، فلم يملك اليهودي إلا أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فسار المسلمون إلى السلاح.
الآن هناك فضائيات، وأخبار، واتصالات، وكل شيء يقع في العالم يُعلم في ثوانٍ معدودة، صوتاً، وصورة، ومشهداً، وحركةً بالألوان، أما قديماً فلم يكن اتصالات، لاثنتي عشرة ليلة كان أصحاب النبي يغدون باكراً لاستقبال النبي، في النهاية وصل النبي، الآن تركب مركبة من مكة إلى المدينة تشعر بثقل الوقت، يا أخي ست ساعات، ومكيفة، يا أخي ست ساعات السفر متعب، النبي عليه الصلاة والسلام على ناقة اثني عشر يوماً، مع الخوف، والقلق، دمه مهدور، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، هؤلاء الصحابة الكرام، وعلى رأسهم النبي العدنان قدموا لنا هذا الإسلام، أما نحن فننتفع به، هم قدموه لنا، وبذلوا من أجله الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، ونحن ننتفع به، هم حملوا هذا الدين، ونحن حمَلَنا هذا الدين، فرق كبير جداً، هم حملوا.
إذا استقام الواحد منكم، وانضبط، واصطلح مع الله فهو معزز، مكرم، فالإسلام حملك، ورفع ذكرك، وأكرمك، أما الصحابة الكرام فحملوا لنا هذا الدين، وبذلوا من أجله الغالي والرخيص، والنفس والنفيس.
وقال ابن القيم:

كبّر المسلمون فرحاً بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وخرجوا للقائه، فتلقوه، وحيّوه بتحية النبوة، فأحدقوا به، مطيفين حوله، والسكينة تغشاه والوحي نزل عليه

(فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)

[سورة التحريم]

وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك.
وقال عروة بن الزبير:

فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمر بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي أبا بكر ظناً أنه رسول الله

سيدنا الصديق واقف يستقبل الناس، والنبي جالس، وهو صامت، فتوهم الأنصار أن النبي هو أبو بكر، الآن دققوا في ذكاء وحكمة وأدب أبي بكر،

أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه

ما تكلم، أما حينما ظلله بردائه يعني أن هذا رسول الله.
أحيانا يمشي الإنسان مع شخص، الأول مدير مؤسسة، مدير مستشفى، مدير جامعة، مدير دائرة، وزير، إذا مشيت إلى جانبه يحتار الناس، من الوزير؟ تمشي وراءه خطوة فُهِم الأمر.
لذلك مرة رئيس فرنسا ” ديكول ” مشى وإلى جانبه رئيس تماماً، قال له: خطوة للوراء، ليعلم الناس أن في فرنسا رئيس جمهورية واحدًا.
هذا الأدب، فلما ظن الناس أن الصديق هو رسول الله قام وظلله بردائه، ما تكلم، وأنت إذا كنت معاون مدير، وخرجتم إلى زيارة ميدانية ارجع خطوة، واضحة، لا تمشي إلى جانبه تمامًا، ولا أمامه أيضاً؟ الآن الأدب مع الأب ألا تسبقه، بل أن تتأخر عنه خطوة، وألا تجلس قبله، ألا تمشي أمامه وألا تجلس قبله، هذا من أدب الأبناء مع الآباء، الدين كله أدب.
إخوانا الكرام، رجل في الجاهلية كان من أجمل الرجال على الإطلاق، اسمه ” زيد الخيل ” حسب الروايات أنه إذا ركب فرسه رجلاه تلمس الأرض إذا ركب الفرس، طويل، وجهه كالبدر، فجاء المسجد النبوي، أثناء خطبة الجمعة، فالنبي أعجب به، قال: من الرجل؟ انظر النبي الكريم فيه لباقة.
فالنبي قال:

من الرجل؟

قال له:

زيد الخيل

أشهر إنسان قبل الإسلام من حيث الجمال، والقوة، والرجولة
فقال له:

بل زيد الخير

عدل له اسمه، وأخذه إلى البيت، عمر إسلامه ربع ساعة
أعطاه وسادة ليتكئ عليها،
فقال زيد الخير:

والله يا رسول الله لا أتكئ بحضرتك

إذا كنت جالسًا أمام إنسان عظيم هل تفعل هكذا؟ فيها سوء أدب، رجل فوق رجل؟ فيها سوء أدب، أو الرجلان متباعدتان فيها سوء أدب.
ما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم ماداً رجليه قط بين أصحابه، أبداً، من شدة أدبه ما رئي ماداً رجليه قط.
ما هذا الأدب يا رسول الله؟ قال:

أدبني ربي فأحسن تأديبي

[أخرجه ابن السمعاني عن ابن مسعود]

عكرمة بن أبي جهل، أبو جهل أكفر الكفار، وأعدا أعداء النبي، ابنه جاء مسلماً، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟:

يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت

[رواه الواقدي وابن سعد وابن عساكر، عن عبد الله بن الزبير]

ما هذا الأدب؟ المؤمن كله أدب، كله ذوق، أما الذي يقول لك: لا حياء في الدين قل له: كذبت، الدين كله حياء.
سيدنا الصديق وضع ردائه فوق رأس النبي ليظلله من أشعة الشمس، ما قال: لست أنا، غير لبقة، لما ظلله تبين أن الرسول هو رسول الله، وكانت المدينة كلها قد زحفت لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يوماً مشهوداً لم تشهد المدينة مثله في تاريخها.
وقد رأى اليهود صدق بشارة ما في كتبهم لظهور النبي عليه الصلاة والسلام، ونزل النبي عليه الصلاة والسلام بقباء عند كلثوم بن الهدم،

أداء علي بن أبي طالب أمانات المشركين التي كانت عند النبي:

وجلس علي ابن أبي طالب ثلاثاً حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس.
الآن هناك اتجاه تكفيري منحرف، متشدد، أن مال الكفار حلال لنا، مثلاً: يذهب لأوربا، يشتري بعشرات ألوف الدولارات، ببطاقة ائتمان، ولا يدفع الثمن ويسافر، يعد نفسه بطلا ـ دقق ـ المشركون الذين يعبدون الأصنام وضعوا عند النبي أمانات لثقتهم بأمانته لمَ لم يعد هذا من حقه أن يأخذه لأنهم كفار؟ أبقى ابن عمه علي ابن أبي طالب أياماً ثلاثة ليرد الودائع إلى أهلها.
فكل إنسان يسافر إلى بلد غربي ولا يدفع الثمن، يخالف مبادئ هذا الدين العظيم،
هؤلاء على زمن النبي صلى الله عليه وسلم أليسوا مشركين؟ ألم يؤذوه؟ أليسواعبدة أصنام؟ أعطوا النبي ودائعهم لثقتهم بأمانته، فلما هاجر ما قال: إن هؤلاء كفار، عباد أصنام، أموالهم حلال لنا، أخذها ومشى، لا، أبقى ابن عمه أياماً ثلاثة كي يرد الأموال إلى أهلها.
لذلك أحياناً يرتكب المسلم بحق دينه جريمة، إذا كان ببلد غربي، ويحتال .
بالمناسبة، إذا أساء مسلم إلى إنسان ماذا يقول وهو مسلم: فلان أساء إليّ، أما إذا كان غير مسلم وأساء إليه مسلم يقول: الإسلام أساء إليّ، لذلك أنت أيها المسلم على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قِبلك.
ومكث علي بن أبي طالب بمكة ثلاثاً حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، ثم هاجر مشياً على قدميه 480 كم مشياً على قدميه هم حملوا الإسلام لنا، ونحن الإسلام حملنا، حتى لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم بقباء،

دخول النبي المدينة وبناء مسجد قباء:

وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام: الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجد قباء، وكل إنسان اعتمر وذهب لزيارة النبي يعني من السنة أن يصلي بهذا المسجد وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، هذا أول مسجد أسس في المدينة بعد الهجرة.
فلما كان اليوم الخامس يوم الجمعة ركب بأمر الله له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار أخواله، فجاءوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانوا مئة رجل، وبعد الجمعة دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ومن ذلك اليوم سمت بلدة يثرب بمدينة رسول الله لذلك ورد في بعض الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما هاجر قال:

اللهم ! إنك أخرجتني من أحب البلاد إلي فأسكني أحب البلاد إليك

[ورد في الأثر عن أبي هريرة]

لذلك يقال إن: المدينة أحب البلاد إلى الله، لأن فيها حبيبه.

(لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ)

[سورة البلد]

لماذا؟

(وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ)

[سورة البلد]

وما حب الديار شغفن قلبي***ولكن حب من سكن الديارا

والذي يعتمر أو يحج يرى أن معاني الجلال في مكة المكرمة، بينما معاني الجمال في المدينة المنورة.
كنت مرة في العمرة فأنبئتن زوجتي كانت في محل بيع أقمشة، قالت إحدى النساء للبائع بعد أن قطع لها قطعة من القماش: من أجل رسول الله راعني، قال لها: والله لا آخذ ثمنها، هذه هدية، كلمة رسول الله كبيرة جداً، وتشعر أنت في المدينة روحانية النبي مسيطرة على أهل المدينة.
إذاً يعبّر عنها اليوم بالمدينة اختصاراً، هذه أل العهد، هي في الأصل مدينة رسول الله، ثم أصبح اسمها المدينة.
وكان يوماً تاريخياً أغر، فقد كانت البيوت والسكك ترتج بأصوات التحميد والتقديس، وكانت بنات الأنصار تتغنى بهذه الأبيات فرحاً وسروراً:

طلع الـبدر علينا***مــن ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا***مـــا دعا لله داع
أيها المبعوث فينا***جئت بالأمر المطاع

تنافس الأنصار للفوز بشرف استضافة النبي:

والأنصار أيها الإخوة، لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة، إلا أن كل واحد منهم كان يتمنى أن ينزل النبي عنده في البيت، انظر إنه تنافس عجيب، كل واحد يعد شرفاً عظيماً أن يستقبل النبي، والآن النبي الكريم اختار واحداً من أصحابه، ونزل عنده كأنه قيمه وقيم الآخرين.
أنت أحياناً تقيم حفلا، تدعو زيداً، ولا تدعو عبيداً، أنت قيّمت، قيّمت زيداً بقيمة وعبيدًا بقيمة، قيّمت زيداً فدعوته، وقيّمت عبيداً تقييمًا سلبيًا فلم تدعوه.
هناك مشكلة، كلهم أصحابه، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته، ودعوه أن ينزل عندهم، يقولون:

يا رسول الله، هلم إلى العدد والعدة، والسلام والمنعة

نحن نحميك بأرواحنا، وعندنا عدة، وعدد وسلاح،
فكان عليه الصلاة والسلام يقول:

خلوا سبيلها ـ للناقة ـ فإنها مأمورة

لم يعد هنا عتب أبداً، ما قبل دعوة واحد، بل قال:خلوا سبيلها، فإنها مأمورة، فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي اليوم، فبركت، ولم ينزل عنها حتى نهضت، وسارت قليلاً ثم التفتت ورجعت، وبركت في موضعها الأول، للتأكيد.
فبركت، والنبي بقي على ظهرها، ثم وقفت، ثم سارت، ثم رجعت فبركت هذا المكان الذي أراده الله، وهو المسجد النبوي الشريف، وذلك في بني النجار أخواله صلى الله عليه وسلم، وكان من توفيق الله لها فإنه أحب أن ينزل على أخواله، هو رغبة النبي أن ينزل عند أخواله بني النجار، لكن لا يتمكن لئلا يميز، قال: دعوها فإنها مأمورة، والله عز وجل جعل هذه الناقة تقف في نبي النجار أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في النزول عليهم.

استضافة أبي أيوب الأنصاري للنبي:

بادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله، فأدخله بيته
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

المرء مع رحله

يعني وقف بأرض بني النجار أرض أخواله أمام بيت أبي أيوب الأنصاري، فصار واضحًا جداً أن هذا هو المكان، فأبو أيوب الأنصاري أخذ رحل رسول الله ما على الناقة، الآن دُعي إلى بيت آخر قال:

لا المرء مع رحله

في بعض الروايات: المرء حيث أهله، المرء حيث رحله.
وجاء أسعد بن زرارة، فأخذ بزمام راحلته، وكانت عنده،
فقال النبي عليه الصلاة والسلام:

أي بيوت أهلنا أقرب؟

يعني أي بيت أقرب إلى هذا المكان التي بركت فيه الناقة؟
فقال أبو أيوب:

أنا يا رسول الله، هذه داري، وهذا بابي

المكان الذي بركت فيه ناقة رسول الله أرض لبني النجار أخوال النبي، وهذه رغبته،
فقال:

فانطلق فهيئ لنا مقيلاً نقيل فيه

نستريح فيه، فقال: قوما على بركة الله، وبعد أيام وصلت زوجته سودة وبنتاه فاطمة، وأم كلثوم، وأسامة بن زيد، وأم أيمن، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، ومنهم عائشة، وبقيت زينب عند أبي العاص لم يمكنها من الخروج، حتى هاجرت بعد بدر.
قالت عائشة:

لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليها فقلت: يا أبي كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

كل امرئ مصبح في أهله***والموت أدنى من شراك نعله

وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول:

ألا ليت شعري أبيتن ليلة***بواد وحـولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة***وهل يبدون لي شامة وطفيل

فقالت عائشة:

فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته

فقال:

اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد. وصححها. وبارك لنا في صاعها ومدها. وحول حماها إلى الجحفة

[رواه أبو بكر بن أبي شيبة وعبدة عن هشام، عن أبيه، عن عائشة]

وإلى هنا ينتهي قسم من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وتبدأ مرحلة أخرى في سيرته، وهو إقامته في المدينة.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (41-57) : الوصول إلى المدينة المنورة وبناء جامع بقباء
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-07-10 | المصدر

مترجم إلى: اللغة الفرنسية

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس