بناء المجتمع المؤمن

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة، هذا المجتمع المدني الجديد فيه أشخاص، الواحد كألف، الآن اتجه هذا المجتمع إلى بناء القوة، كان يتمتع بقوة الإيمان، الآن يبحث عن حق القوة.
وأهم ما فعله النبي في المدينة:

أولاً: إقامة مجتمع مختلف عن نظام القبائل:

أيها الإخوة، بدأت مهمة التربية الفردية للمجتمع الجديد، مع قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، حيث بدأت عملية إقامة مجتمع مختلف عن نظام القبائل العربية.
مجتمع المسلمين الذي أسس في المدينة مجتمع القيم الأخلاقية، مجتمع المثل العليا، مجتمع الإنسان، الذي تسود حياته المبادئ والقيم، مجتمع رسالة السماء، رسالة السماء الآن متمثلة في المظاهر الإسلامية،
يقول عليه الصلاة والسلام:

إنما بعثت معلما

[أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو]

بعثت لأتمم مكارم الأخلاق

[أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة]

كل واحد يحاسب نفسه، إن لم تكن متميزاً في أخلاقك، بضبط لسانك، بضبط جوارحك، إن لم تكن متميزاً في إنفاقك، بعباداتك، فلا: تقل أنا مسلم، ولا تقل: أنا مؤمن، في هذا المجتمع أيها الإخوة فيه محافظة على كل الفضائل والمكارم، التي عرفتها المجتمعات الإنسانية السابقة، فيه السعي لإتمامها وإكمالها، في هذا المجتمع فيها استبعاد لمفاسد الأخلاق للظلم والعدوان، وللاستغلال والجهل والعبودية لغير الله، فيه إقصاء لرواسب الماضي وانحرافات الناس الخلقية، والاجتماعية، والنفسية.

ثانياً: تحول الطاقة المبعثرة للأفراد إلى بناء متكامل:

الشيء الدقيق أن هذا المجتمع الإيماني في المدينة، هذا المجتمع تحولت فيه الطاقة المبعثرة للأفراد إلى بناء متكامل يسمو بها جميعاً، ويحقق لها العلم والتقدم، والوحدة الإنسانية، وتوجهها رسالات السماء، وفق المثل العليا الإنسانية،
لذلك أيها الإخوة، يقول الله عز وجل:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ)

[سورة الأحزاب الآية: 21]

ثالثاً: إصلاح العلاقات بين الأفراد:

أيها الإخوة، البناء الفردي أساس البناء الاجتماعي، بناء الفرد أساس بناء الأسرة، أساس الأسرة أساس بناء المجتمع، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام اعتنى بالفرد المسلم، لذلك أول شيء فعله النبي عليه الصلاة والسلام إصلاح العلاقات بين الأفراد، الآن استمعوا ما يقول الله عز وجل:

(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)

[سورة الأنفال]

أقول لكم هذه الكلمة: لن نكون أقوياء إذا كانت العلاقات فيما بيننا فاسدة، تجد في الأسرة الواحدة الشرخ، الابن مع أمه، والبنت مع أبيها، وخصام دائم، في الشركة الواحدة محوران، ومجتمع واحد فيه اتجاهات، لذلك النقطة الأولى:

(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)

يقول عليه الصلاة والسلام:

إِيّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَهَا الْحَالِقَةُ، لا أقول: حالقة الشعر ولكن أقول: حالقة الدين

ينتهي الدين بفساد ذات البين، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام أول شيء أصلح ذات البين، أصلح ما بين المسلمين، لما نزل النبي عليه الصلاة والسلام على بني عمرو بن عوف، وقد كان بين الأوس والجزرج ما كان من العداوة، الأنصار أوس وخزرج، بينهم عداوة لا يعلمها إلا الله، أول عمل فعله النبي أنه أزال العداوة بين الأوس والخزرج، لأن المجتمع المنشق على نفسه ينتهي، احفظوا هذه القاعدة، إذا كان في بيتك انشقاق انتهى البيت، صار الوقت كله للصراع الداخلي، ليس هناك إنجاز، ولا الطالب يتفوق، ولا الفتاة تتفوق، ولا الأب مرتاح، ولا الزوجة مرتاحة، فحيثما حل الشقاق حل التخلف،
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

إِيّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ

فحينما رأى بين الأوس والخزرج من العداوة الشيء الكثير، وكانت الخزرج تخاف أن تدخل دار الأوس، الخزرجي يخاف أن يدخل دار أوسي، وكانت الأوس تخاف أن تدخل دار الخزرج، لذلك عليه الصلاة والسلام أول عمل قام به أنه ألف بين الأوس والخزرج.
الآن كدرس عملي:
كل واحد له أسرة لو كان فيها خلاف بين اثنين، بين أخوين، بين عمين، بين خالين، وجمع الأسرتين، وفق بينهما، وصار الصلح، تماسكت الأسرة، في كل مكان خلافات، نحن نريد من هذه السيرة أن تكون درسا عمليا لنا، أن نقتبس منها الدروس والعبر، ألا ندع خلافاً بين الأوس والخزرج، لذلك سمى القرآن الكريم الخلاف بين المؤمنين كفراً، كيف؟

(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ)

[سورة آل عمران الآية: 101]

لأنه جاءت موجة كراهية بين الأوس والخزرج، فنزل قوله تعالى:

(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ)

معنى ذلك أن الله سمى الخلاف بين المؤمنين كفراً، لذلك من مقتضيات الإيمان أن أُزيل كل خلاف في ما بين المؤمنين، أن أُجري صلاحاً بين كل المتخاصمين، هذه من دروس السيرة، أن لا يبنى مجتمع قوي يستأهل النصر إلا على أفراد مؤمنين، موحدين، زكوا أنفسهم، وطلبوا العلم، ودعوا إلى الله وصبروا على قضائه وقدره.
إذاً الدرس الأول: إزالة الخلافات الفردية، هذا من أولى مهمات النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، كإسقاط لهذه الحقيقة على مجتمعنا يجب أن تعاهد نفسك، أن توفق بين كل متخاصمين، وأن تزيل خلافاً بين كل شخصين، على مستوى أسرة، على مستوى عائلة، على مستوى حي، على مستوى أصدقاء، جيران، حرفة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار

[أخرجه الترمذي عن ابن عباس]

عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد

[أخرجه أحمد، والترمذي والحاكم، عن عمر]

فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية

[رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ عن أبي الدرداء]

أنا تعقيبي على أن النبي عليه الصلاة والسلام أصلح ذات البين، لأنه لن تقوم لنا قائمة وبيننا خلافات شديدة تفرق وحدتنا، وتمزق جمعنا، ولنقتدِ برسول الله، ولو على مستوى بسيط.
إذاً أول مرحلة فعلها النبي عليه الصلاة والسلام إصلاح ذات البين، بين قبيلتين كبيرتين في المدينة المنورة، الأوس والخزرج، ونحن لا نستطيع أن نواجه عدواً قوياً معه العالم كله إلا بمجتمع إسلامي متماسك، إذاً ينبغي علينا بادئ ذي بدء أن نصلح ذات البين، بين أطياف المجتمع، وشرائح المجتمع، وعناصر المجتمع، هذا الذي فعله النبي بادئ ذي بدء.
الآن يعبرون عن هذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة تحت عنوان إسلامي: إصلاح ذات البين يعبرون عنه بالمصطلح الحديث بالمصالحة الوطنية، هذا لا بد منه كي نواجه عدواً متغطرساً، قوياً جباراً، بطاشاً لا يرحم طفلاً، ولا امرأة، ولا يبقي على منشأة، وهذا ما ترونه وتسمعونه.

رابعاً: المساواة بين الناس:

وعدم التمييز بين أفراد وجماعات، كيف؟ لا بد من المساواة بين الناس.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)

[سورة الحجرات الآية: 13]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كلكم بنو آدم وآدم من تراب

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ورواه الترمذي ابن عمر]

الناس سواسية كأسنان المشط

[أخرجه الديلمي عن سهل بن سعد]

ما لم يعتمد في المجتمع مقاييس كمقياس العلم والعمل فقط، يرجح الإنسان في بمجتمع المسلمين بعلمه أولاً، وبعمله ثانياً، أما قضايا النسب، وقضايا القوة، والوسامة والذكاء، والغنى هذه قيم ينبغي ألا تعتمد في مجتمع يريد أن يكون قوياً.
يروى أن بعض التابعين وهو الأحنف بن القيس كان قصير القامة، أسمر اللون أحنف الرجل، في عرج، مائل الذقن، ناتئ الوجنتين، غائر العينين، لم يكن شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، إذا غضبَ غضب لغضبته مئة ألف سيف، لا يسألونه فيما غضب، وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه.
أو شيء فعله النبي لإنشاء مجتمع قوي إصلاح ذات البين.
الشيء الثاني أرسى المساواة بين أفراد المؤمنين، من دون استثناء، ونعبر عن هذا الإرساء بأنه يوم خرج النبي عليه الصلاة والسلام من قباء باتجاه المدينة وقف الأنصار داراً بعد دار، عشيرةً بعد عشيرة، يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل بهم
فكان يقول لهم:

دعوها، فإنها مأمورة

أيّ ناقته، لو نزل بأيّ مكان، بأيّ بيت، بأيّ عشيرة، بأيّ قوم ميزهم بلا مرجح، وجعل الطرف الآخر أصغر من هؤلاء الذين نزل عندهم.
حينما تخص ابناً ولا تخص أخاه فقد ميزت الأول على الثاني، أما القرعة فما فيها تمييز، حاول أن تكون عادلاً بين أولادك، وإذا اقتضى الأمر أن تختار واحدا منهم فليكن بالقرعة.
ما عاشر النبي واحد إلا وهو يظن أنه أقرب الناس إليه، كل واحد ممن التقى مع النبي صلى الله عليه وسلم يظن أنه أقرب الناس إليه، أما مجتمع إنسان من الدرجة الأولى ، وإنسان من الدرجة الثانية، إنسان من الدرجة الثالثة، والرابعة، والخامسة، الذي ما يعانيه العالم اليوم ما يسميه العنصرية، فما العنصرية؟.
أنا أرى أن البشر يمكن أن يصنفوا تصنيفين، لا ثالث لهما، تصنيف إنساني وتصنيف عنصري، من هو العنصري؟ هو الذي يرى نفسه متميزاً على من حوله، يحق له ما لا يحق لهم، وهو معفى مما يجب عليهم، ينبغي أن يأكل وحده، وأن يسكن وحده، وأن يستمتع بالحياة وحده، وأن يشتري من الأشياء الثمينة ما يحلو له وحده، وأن يبني مجده على أنقض الآخرين، وأن يبني غناه على فقرهم، وأن يبني حياته على موتهم، وأن يبني أمنه على موتهم، وأن يبني عزه على ذلهم، هذا عنصري.
الذي نعانيه من الغرب العنصرية، يعاملون شعوبهم معاملة تفوق حد الخيال، ويعاملون بقية الشعوب معاملة تترفع عنها الوحوش، يستخدمون أسلحة الدمار الشامل لإفناء البشر، وإبقاء الحجر، لذلك لا يمكن أن تنهض أمة بأناس من طبقتين: قوي وضعيف، لا بد من أن يكون الناس سواسية كأسنان المشط.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى

[رواه الطبراني عن ابي سعد]

وأيْمُ الله لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا

[مُتَّفَقٌ عَلَيه]

هذا مجتمع العدل والسواسية، بهذا نقوى على أعدائنا، بهذا نواجههم، بهذا نقف صفاً واحداً، بهذا لا نخترق من قبلهم.

دعوها، فإنها مأمورة

حتى بركت عند المربد، وفي ذلك احترام للجميع وإصرار على عدم التمييز بينهم، وإذا كان نزوله في دار أبي أيوب الأنصاري فليس في ذلك إحراج أو تمييز، لأن داره أقرب دار لمبرك الناقة، سواسية، إصلاح ذات البين، ثم مجتمع المساواة.
أضرب لكم بعض الأمثلة: عندك في المحل التجاري شاب يعمل عندك، ابنك تريده طبيباً، تضعه في أغلى المدارس، تجلب له أمهر الأساتذة، أما هذا الذي عندك في المحل يرجوك أن يغادر المحل قبل ساعة، ليلتحق بمدرسة ليلية، لينال كفاءة، هو يتيم، فلا تسمح له، أنت عنصري، ولو صليت وصمت.
حينما تعامل الناس بطريقة فيها استعلاء، وفيها فوقية، وفيها غطرسة، حينما تريد لأولادك ما لا تسمح به لأولاد الآخرين فأنت عنصري، قد يكون المسلم في هذا الزمان عنصريا، لن يرضى الله عنا إلا إذا كنا إنسانيين.
هل من حرفة أقل في الأرض من أن تكنس؟ امرأة تقمّ المسجد، توفيت أصحاب النبي الكريم ظنوا أنها أقلّ من أن يخبروا بموتها رسول الله، فلما تفقدها قالوا: ماتت يا رسول الله، قال: هلا أعلمتموني؟ وقام إلى قبرها وصلى عليها صلاة الجنازة استثناءاً من أحكام صلاة الجنازة هي في قبرها صلى عليها.
الذي نراه في العالم من توحش، وهمجية، وقتل أبرياء، وتهديم منشاءات، هذه العنصرية بعينها.
إخواننا الكرام، العنصرية ليست وجهة نظر، إنما هي جريمة، عندك بنت في البيت من احدى الدول الفقيرة تعمل كخادمة، لا تسمح لها أن تتصل بأهلها إطلاقاً، أنت عنصري، ولو ذهبت إلى المسجد، كما أنك تشتاق إلى أهلك هي تشتاق إلى أهلها، حينما تكلفها فوق طاقتها، حينما لا تعينها على مهمتها، حينما تسهرها إلى ما بعد منتصف الليل، من أجل أن تلبي حاجاتك حينما لا تعاملها كابنتك، أنت عنصري، عنصري ولو كنت مسلماً.
كنت مرة في محل تجاري، صاحب المحل يُحمّل أحد موظفي المحل الصغار أثواباً على ظهره، أول ثوب الثاني، الثالث، الرابع، قال له: لا أستطيع، قال له: أنت شاب حمل ابنه ثوباً واحداً فقال: يا بني احذر ظهرك، خاف عليه، هذا عنصري، ولو أنك تصلي وتصوم ـ دققوا ـ لا يمكن أن ننتصر على أعدائنا إذا كنا عنصريين، لأنهم عنصريون، فإذا كنا نحن عنصريين لا ننتصر، يجب أن نكون ربانين إنسانين.
لما فتح الفرنجة القدس ذبحوا 70 ألفاً، فلما فتح صلاح الدين القدس لم يرق قطرة دم واحدة، إنساني، مقيد بالشرع، يخاف من الله.
أيها الإخوة، العنصري إنسان يرى نفسه متميزاً على الآخرين، يحق له ما لا يحق لهم، عشرة آلاف أسير، و30 عضو مجلس شعب في فلسطين اعتقلوا، و8 وزراء، وشعب لبنان بأكمله لا يساوي جنديين أُسرا، ما اسم هذا؟ عشرة آلاف أسير، و8 وزراء، و30 عضو مجلس برلمان، وشعب لبنان بأكمله، لا يساوون جنديين أُسرا؟! هذه عنصرية، الإنسان إما أن يكون متصلاً بالله فهو إنساني، وإما أن يكون منقطعاً عنه فهو عنصري.
بعض الخادمات ينتحرن أحياناً من قسوة المرأة في البيت، تلقي بنفسها من الطابق الرابع فتموت، لا تحتمل قسوتها، الضرب، والإيلام، عنصرية، ولو صلّت وصامت، وسوف يعاقبها الله عقاباً شديداً.
المؤمن إنساني، يعامل الناس كما يجب أن يعاملوه، يرحم الغريب والقريب، يرحم الآخرين كما يرحم أولاده.
نزوة صغيرة في ساعة غضب، والصحابة ليسوا معصومين،
قال بعض الصحابة لبلال:

يا ابن السوداء

بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فقال لهذا الصحابي الجليل القرشي:

إنك امرؤ فيك جاهلية

[أبو داود عن أبي ذر]

فلم يرضَ هذا الصحابي بعد أن سمع هذا من رسول الله إلا أن وضع رأسه على الأرض، وأمر بلالاً أن يضع قدمه فوق رأسه، هذا هو الإسلام.
أنت مدير مؤسسة، عندك حاجب، إن لم تعامل هذا الحاجب كما تعامل أكبر موظف فلست مؤمنا، الإنسان عند الله مكرم.
لذلك أنا أقول دائماً: المرض الأول في العالم الآن، كيف عندنا أمراض في الجسم كالورم الخبيث، أمراض عضالة، العالم كله الخمس قارات يعاني مرضا عضالا، ما هذا المرض؟ العنصرية، من هو العنصري؟ هو الذي يرى نفه فوق البشر، يرى أن البشر في خدمته، وأن لحياته قيمة، وليس لحياتهم قيمة، وأن وقته ثمين، وليس وقتهم ثميناً وأنه معفى مما يجب على غيره، وأنه يحق له ما لا يحق لغيره، وأنه يبني مجده على أنقاض الآخرين، ويبني غناه على فقرهم، ويبني حياته على موتهم، ويبني أمنه على خوفهم، ويبني عزه على ذلهم.
إذاً المساواة بين الناس بند إسلامي.

خامساً: راعى النبي صلى الله عليه وسلم الظروف الاجتماعية:

راعى النبي صلى الله عليه وسلم الظروف الاجتماعية، لكل أسرة حينما استقبلوا المهاجرين، فالمهاجرون الشباب الذين لم يتزوجوا نزلوا على سعد بن خثيمة، وكان عزباً، لا زوجة له، وسميت داره باسم دار الأعزاب، ونزل المهاجرون مع زوجاتهم وأولادهم على الأنصار أصحاب الأهل والسعة في المسكن والرزق.
أيها الإخوة، الآن النبي عليه الصلاة والسلام يبني المجتمع، صلاح الدين الأيوبي كيف انتصر على الفرنجة؟ بين بدء أخذه بالأسباب وانتصاره خمسون عاما، أنشأ مجتمعا مسلما، بدأ بالتعليم، علم منهج الله عز وجل، حمل الناس على طاعة الله، ألغى كل المنكرات.
فلذلك أيها الإخوة، النبي عليه الصلاة والسلام أنشأ مجتمعاً ما فيه خلافات، مجتمعاً تحكمه قيم واحدة.

لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا

هذا المجتمع هو الذي صار قوياً وحقق النصر على أعتا قوة في الجزيرة العربية.

سادساً: جمع الشمل:

الآن هناك شيء اسمه جمع الشمل، بلاد كثيرة إسلامية لا تقبل موظفاً من بلد آخر إلا وحده من دون زوجته، سنة بأكملها هو يعاني بُعده عن زوجته، وهي تعاني بُعدها عن زوجها، فإذا كان هو أو هي ضعيف الإيمان أخطأ، وأخطأت، ووقعت الفاحشة، لبُعده عن زوجته.
بينما النبي عليه الصلاة والسلام حينما بنى مجتمع المدينة جمع شمل الأسر، ماذا فعل؟ أرسل النبي عليه الصلاة والسلام وهو في بيت أبي أيوب زيد بن حارثة، وأبا رافعة إلى مكة، وأعطاهما 500 درهم وبعيرين ليأتيا بمن بقي في مكة منهم عائشة بنت أبي بكر، وأختها أسماء زوجة الزبير وهي حامل، فولدت عبد الله بن الزبير في قباء، لشدة متاعب الهجرة، ثم قدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره، فكان عبد الله بن الزبير أول مولود ولد في الإسلام في المدينة.

سابعاً: المؤاخاة:

الشيء الأكبر من أسس هذا المجتمع المؤاخاة،
لأن الله عز وجل يقول:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)

[سورة الحجرات الآية: 10]

وما لم يكن انتماءك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ

[رواه الترمذي عن أبي هريرة]

المسلم في أي مكان، وفي أي زمان أخو المسلم.
والإسلام أيها الإخوة خاصة، والدين عامة حاجة الإنسان إليه كحاجته للهواء، والهواء لا يستطيع أحد أن يحتكره، الماء يحتكر، الأرض تحتكر، المحل يحتكر، أما الهواء فلا يحتكر، لذلك حاجة الإنسان إلى الدين كحاجته إلى الهواء، والهواء لا يحتكر، لا يمكن أن يحتكره قوم، ولا بلد، ولا إقليم، ولا طائفة، ولا مذهب، الدين كالهواء.
فلذلك كل من يتوهم أن وحده على حق، وما سواه على باطل من دون دليل، من استقصاء فهو واهم، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام بدأ ببناء المجتمع الإسلامي عن طريق المؤاخاة، فما لم تشعر بأخوتك لهذا المؤمن، وما لم تشعر أن هذا المؤمن أقرب الناس إليك، وأحب الناس إليك، ما لم يكن انتماءك للمؤمنين فلست كامل الإيمان.
أما حينما نرى أن المؤمنين بعضهم يتهم بعضاً، بعضهم ينتقص من بعض ، بعضهم يشتم بعضاً، بعضهم يقاتل بعضاً، هذه وصمة عار بحق المسلمين،

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)

فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلاً، نِصفهم من المهاجرين، ونِصفهم الآخر من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت، دون ذوي الأرحام، إلى حين غزوة بدر، في رمضان من السنة الثانية للهجرة،
فلما أنزل الله عز وجل قوله:

(وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)

[سورة الأحزاب الآية: 6]

رُد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوّة، ففي بداية الإسلام كان هناك أسر بعض الأبناء فيها مسلم، وبعض الأبناء مشرك، لذلك شاءت حكمة الله أن يكون التوارث بين الإخوة المؤمنين، ولكن بعد حين:

(وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)

رُد التوارث إلى الرحم دون عقد الإخوة.
وكانت المؤاخاة في شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة، أي بعد الهجرة بخمسة أشهر.

1. من أغراض المواخاة:

أ‌. ذهاب وحشة الغربة:

إذاً: ورد في بعض كتب السيرة أن الغرض من المؤاخاة ذهاب وحشة الغربة وصدقوا أيها الإخوة، أننا في غربة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَيَرْجِعُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي

[الترمذي عن عمرو بن عوف بن زيد]

ما لم تشعر بالغربة ففي إيمانك خلل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

المسلم في آخر الزمان غريب، القابض على دينه كالقابض على الجمر أجرهم كأجر سبعين، قالوا: منا أن منهم؟ قالوا: بل منكم، لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون

[ورد في الأثر]

فما لم تشعر بالغربة ففي الإيمان خلل.
إذاً: الغرض من المؤاخاة ذاهب وحشة الغربة، ولا سيما بعد مفارقة الأهل والعشيرة.

ب‌. شد أزر المؤمنين بعضهم ببعض:

ومن أغراض المؤاخاة شد أزر المؤمنين بعضهم ببعض، فلما أعز الله الإسلام، وجمع الشمل، وذهبت الوحشة، بطل التوارث، ورجع كل إنسان إلى نسبه ولذي رحمه.
في أيام الضيق، في أيام الشدة، في أيام الفتن، في أيام الطرقات مليئة بالنساء الكاسيات العاريات، في زمن الفضائيات، في زمن الانترنيت، في زمن الإباحية، ما من إنسان تألفه، وتأنس به، ويأنس بك، كالأخ في الله،
لذلك ورد في بعض الآثار القدسية:

حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، المتحابون فيّ، على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء

 

[رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت]

وقد علمنا عليه الصلاة والسلام أنك إذا أحببت أخاً في الله أعلمه أنك تحبه،
قل له: إني أحبك في الله، ينبغي أن يقول لك: أحبك الله كما أحببتني،
والحب أحد أركان الحياة النفسية، الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، فإذا أحببت أخاً في الله كان هذا الأخ لك معيناً، ورفيقاً، وناصحاً، ومحباً.

ت‌. حاجة الأنصار إلى التفقه في الدين:

الآن للمؤاخاة أهداف أبعد، وأشمل من مجرد التوارث للأسباب التالية: حاجة الأنصار إلى التفقه في الدين.
أحياناً أنت آخيت أخًا حديث عهد بالمسجد، وأنت لك في المسجد سنوات طويلة، تلقيت علماً غزيراً، عندك فضل علم، فإذا آخيت إنسانا مبتدئا، أعطيته من علمك، تدارست معه القرآن، تحاورت معه في الفقه، علمته ما في بعض السيرة، بينت له الأمور التي تعلمتها.
إذاً المؤاخاة لها هدف آخر،
لذلك قال الله تعالى:

(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ)

[سورة سبأ الآية: 46]

إذا جلست مع أخيك فتحاور حول هذا الدين، حول هذا النبي الكريم، حول سنته حول عظمة الإسلام.
مرة حضر أمام النبي عليه الصلاة والسلام رجل تكلم فألحن، أخطأ، فقال:

أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل

النبي عليه الصلاة والسلام علم أصحابه سنوات طويلة، الآن جاء إلى المدينة والأنصار لا يعلمون شيئاً، يحبون النبي عليه الصلاة والسلام، لكن علمهم قليل، بهذه المؤاخاة جعل السابقين بالعلم يمنحون إخوانهم الأنصار العلم الذي تعلموه من رسول الله.
إذاً أحد أسباب المؤاخاة، وهذا من بناء الرسول عليه الصلاة والسلام حاجة الأنصار إلى التفقه في الدين.

ث‌. القدوة الصالحة:

شيء آخر، الدين يؤخذ بالقدوة الصالحة، القدوة الصالحة حقيقة مع البرهان عليها، والإسلام لا يعيش إلا بالمثل، الإسلام لا ينمو وهو في الكتب، ينمو بمسلم تراه عينك ،
لذلك كما أن الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي،
ونحن الآن في أمسِّ الحاجة إلى مسلم يمشي على قدمين، ينبغي أن ترى أمانته، وأن ترى صدقه، وأن ترى عفافه، وأن ترى محبته، وأن ترى إنصافه، وأن ترى غناه عما سوى الله.
إذاً الحاجة إلى التفقه في الدين، والدين يؤخذ بالقدوة الصالحة، وقد مضى العهد المكي، وما فيه من قرآن منزل وجهاد دعوي، وصبر على الأذى، وهجرة وصحبة، وتربية نبوية، لا يحمله يوم الهجرة إلى هؤلاء المهاجرين إلا إخوانهم الأنصار، وليس من الممكن أن يعاود رسول الله صلى الله عليه وسلم لينقل إليهم أفراد وجماعات تلك العلوم التي عاشوها.
أيها الإخوة، لكن من الضروري أن يتم توزيع المهاجرين على عشائر الأنصار يعيشون معهم حياتهم بكل تفاصيلها، ليتمكنوا من صناعة القدوة الحسنة، والوحدة التربوية النبوية بين الجميع، ولا يمكن تحقيق ذلك بغير العيش المشترك الذي يتجاوز المصاعب التي تفرضها مشكلات السكن والعمل والصحبة، فبالمؤاخاة أصبح المهاجر أخاً لا يبعده عن أخيه الأنصاري العادات والتقاليد الاجتماعية، والدراسية وغيرها.
إذاً كما أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين أصحابه المهاجرين بالأنصار أصحابه الجدد، ينبغي أن القوي يؤاخي الضعيف، والغني يؤاخي الفقير.

ج‌. تحقيق التكامل، والتكافل، والتعاون الاجتماعي:

تحقيق التكامل، والتكافل، والتعاون الاجتماعي في جميع الأحوال والمجالات، فالفرائض الإسلامية من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج نقوم بها جميعاً، والذي يشكل بمجموعه غاية المؤاخاة، الصلاة واحدة، والملك والخفير يصليان جنياً إلى جنب في المسجد، في الحج الخفير يطوف، والملك يطوف، والخفير يسعى، والملك يسعى، في مناسب الحج لا فرق بين أمير وخفير، ولا بين قوي ولا ضعيف، ولا بين غني وفقير.
لذلك العبادات كالصلاة، والصوم، والحج، مطبق على الجميع، من دون استثناء، ليس هناك مسعى خاص للكبراء، بالسلك الدبلوماسي، ولا طواف خاص لعلية القوم، مناسك الحج والعمرة، والصيام، والصلاة واحدة لدى الجميع.
لذلك…. أن يكون كل واحد من المؤمنين عوناً وسنداً للآخر، فمن للمهاجرين غير الأنصار، يسكنون إليهم، ويشاركونهم حياتهم، ومأكلهم، ومشربهم، وآلامهم وأفراحهم، وجهادهم، والذود عن حياضهم، ومن للأنصار غير المهاجرين يعلمونه الدين، ويفقهونهم فيه، ويقرئونهم القرآن؟ أرأيت إلى هذه المصالح المتكاملة، أروع التكامل المضاربة.
لو فرضنا إنسانا معه مال، وهو متقدم في السن، ولا يحسن استثماره، لو أن شاباً مهندساً زراعياً مثلاً، طاقة كبيرة جداً، طاقة كبيرة ومثقفة، لكن ما معه مال، فعملوا مشروعاً، الأرباح مناصفة، هذا بماله، وهذا بجهده، المؤاخاة لها معنى واسع جداً، حتى شركات التجارة مؤاخاة، واحد بماله وواحد بجهده.
لذلك أيها الإخوة، من حكم المؤاخاة تكامل الأنصار والمهاجرين، أما صور هذه المؤاخاة فتبين السمو الذي بلغه الأنصار والسمو الذي بلغه المهاجرون، نذكر منها:

2. صور من الأخوة الصادقة بين الصحابة:

أ‌. بين سعد بن الريع وعبد الرحمن بن عوف:

تميل النفس الإنسانية المهذبة المزكاة إلى المحبة الصادقة، والتضحية والإيثار، فكيف وقد عظم الإسلام مكانة المتحابين بالله، وعلى هذا الشعور الديني تقدم الأنصاري سعد بن الربيع إلى أخيه في الله عبد الرحمن بن عوف، فقال، الآن عندنا أنصاري، اسمه سعد بن الربيع، ومهاجر اسمه عبد الرحمن بن عوف،
قال:

إني أكثر الأنصار مالاً، أقسم لك مالي نصفين

عندي بستانان خذ أحدهما، عندي بيتان خذ أحدهما، عندي دكانان خذ أحدهما،
قال عبد الرحمن بن عوف:

بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلني على السوق

ما هؤلاء الأصحاب الذين رباهم النبي عليه الصلاة والسلام؟ الأنصار أسخياء، والمهاجرون أعفّة.
الآن الغني الغنى الفاحش إذا استطاع أن يعالج في مستشفى مجاناً من حق الفقير لا يقصر، الأنصاري بذل نصف ماله، والمهاجر تعفف عن المال، بارك الله لك في مالك ولكني دلني على السوق.
دلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل أقط وسمن، ثم تابع الغدو الأقط لبن مجفف، وسمن، أرباحه كانت غذاء،
تابع الغدو إلى السوق، ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة، و الصفرة طيب لونه أصفر،
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

ما الأمر؟

قال له:

يا رسول الله تزوجت

دخل للسوق، وباع واشترى، وجمع مالا، وتزوج.
إخواننا الكرام، ما فتح أحد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَنْ دَخَلَ عَلَى غَنِيٍّ فَتَضَعْضَعَ لَهُ ذَهَبَ ثُلْثَا دِيِنِه

[رواه الطبراني، ورواه أبو الشيخ عن أبي الدرداء]

الشيء الذي يلفت النظر أنه كما أن الأنصاري سخي المهاجر عفيف، ما قبل أن يأخذ شيئاً، عرض عليه بيتاً، ودكاناً، وبستاناً،
قال له:

بارك الله لك بمالك دلني على السوق، تاجر وربح الإقط والسمن، ثم تاجر فتزوج

فلما رآه النبي عليه أثر صفرة قال له:

ما الأمر؟

قال:

تزوجت يا رسول الله

قال:

كم سقت إليها؟

ما المهر؟
قال:

نواة من ذهب

يعني بحجم نواة ذهباً، أو وزن نواة من الذهب،
قال النبي صلى الله عليه وسلم:

أَوْلِم ولو بشاة

لذلك من السنة أن يكون في حفل عقد القران وليمة وطعام.

ب‌. مشاركة الأنصار مع المهاجرين في أشجار النخيل:

الأنصار مثل آخر من أمثلة المؤاخاة:
قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم

اقسم بيننا وبينهم النخل

الأنصار اقترحوا أن يكون نخل المدينة مشاركة مع إخوانهم المهاجرين،

قالوا: لا، قال: تكفوننا المئونة، وتشاركوننا في التمر

الأنصاري عرض أن يتملك المهاجر نصف أشجار النخيل، قال: لا، نحن نعتني بهذه الأشجار بجهدنا، أعطونا بعض الثمار، ولتبق الأشجار لكم، أرأيتم إلى هذه العفة؟! هذه مضاربة، وهذه أفضل شركة في الإسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام أول مضارب في الإسلام، هو بجهده والسيدة خديجة بمالها، ولعل أمانته، وعفته كانت سبب زواجه منها.

قالوا: تكفوننا المئونة، وتشاركوننا في التمر، قالوا: سمعنا وأطعنا

وهذا يشبه شركات المضاربة اليوم، العامل بعمله، والمالك بماله،
وكان حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة أخوين، وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضره القتال، نزل أبو بكر الصديق في المدينة على خارجة بن يزيد، ابن أبي زهير، وتزوج ابنته حبيبة، ولم يزل في بني حارث ابن الخزرج بالصلح حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق وخارجة بن زيد أخوين.
أنا أتمنى أن تترجم هذه الحقائق إلى سلوك عندكم، إلى مؤاخاة، تعلمنا شيئا جديدا، الذي معه مال، ولم يحسن استثماره ليؤاخ إنساناً خبيراً ليس معه مال، الغني يؤاخي الفقير، والقوي يؤاخي الضعيف، وصاحب الحرفة يؤاخي إنسانا لا يتقن هذه الحرفة، وبهذا تتكامل حياة المسلمين.

3. ملاحظات حول عقد الإخاء:

أ‌. عدد المهاجرين والأنصار الذين آخى بينهم الرسول عليه الصلاة والسلام:

إن عقد المؤاخاة اشتمل على 45 رجلاً من المهاجرين، و45 من الأنصار، تصور 90 رجلا، والمسلمون اليوم مليار و500 مليون.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)

[سورة إبراهيم]

أنت قد لا تعلم الخير الكثير الذي ينتج عن دعوتك إلى الله، قد لا تعلم، وأنت ضعيف، لكن الله عز وجل يمكن أن يجري على يديك من الأعمال الصالحة ما لم يوصف.
للتقريب: أحد الإخوة الكرام عنده بنت في البيت فاعتنى بها، اعتنى بدينها، بصلاتها بإيمانها، بأخلاقها، حتى زوجها من شاب مؤمن، هذه الأسرة أنجبت أولاداً نشؤوا في طاعة الله، نشؤوا في بيت مسلم، من يدريك أيها الأخ أن هذا الذي توجه إلى الله، وتزوج امرأة صالحة، وأنجب أولاداً صالحين أن هذا يوم القيامة يرى من نسله مليون إنسان مؤمن، وكل أعمالهم في صحيفته؟ والدليل:
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)

[سورة الطور]

45 رجلا نتج عنهم مجتمع من مليار و500 مليون، هذا الذي وصل بالإسلام إلى الصين، كل من أسلم في هذا البلد في صحيفته، والذي وصل بالإسلام إلى الغرب وشمالي إفريقيا.
لذلك كل ما عملت عملاً كهذا العمل في صحيفتك، هذا على موضوع أن الـ45 بـ 45 أصبحوا مليار و500 مليون.
ثم ينبغي أن نعلم أنه لن تقتصر المؤاخاة على مهاجرين قريش وعلى عقد المؤاخاة في دار أنس فقط، إنما ستستمر .

ب‌. من كمال المؤاخاة أن لا تكون بين متماثلين :

من كمال المؤاخاة لا أن تكون بين متماثلين، أن تكون بين إنسان له أسبقية، إنسان حديث، فالذي له أسبقية يعلم المبتدئ، وقد تكون بين غني وفقير، فالغني يرعى الفقير، وبين قوي وضعيف، وبين صحيح ومريض، وبين متزوج وشاب على طريق الزواج، يعطيه خبراته، افعل، لا تفعل، إياك أن تقول هذه الكلمة، عامل أهل زوجتك هكذا.
فلذلك المؤاخاة ليست مجرد لقاء اثنين، بل التعاون بين اثنين، فإذا كان هناك تفاوت بينهما كان هذا التعاون مثمرا، هكذا تخطيط النبي عليه الصلاة والسلام.
كان عليه الصلاة والسلام إذا أسلم رجل يقول لأصحابه:

خذوا أخاكم، فقد أسلم، فعلموه الإسلام

ت‌. المؤاخاة في الإسلام مدرسة تربوية:

أيها الإخوة، المؤاخاة في الإسلام مدرسة تربوية، وعهد دائم يلتزم به المسلم مدى الزمن، وتفقد بعضهم بعضاً، وما من شيء أحب إلى الإنسان من أخ في الله، الأخ في الله غالٍ جداً، الأخ في الله نوع متميز، يأخذ بيدك، وتأخذ بيده، ينصحك وتنصحه، يعاونك وتعاونه، يقرضك وتقرضه، يخدمك وتخدمه، من هنا قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:

حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، المتحابون فيّ، على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء

 

[أخرجه أحمد، والطبراني، والحاكم، عن عبادة بن الصامت]

ث‌. حاجة المسلمين اليوم إلى الحب في الله:

ونحن أيها الإخوة، كمسلمين بحاجة إلى المحبة، مع مضي الأزمان قسا القلب، صار فينا خصومات، ومهاترات، وتراشق تهم، وعلاقات غير طيبة،
لذلك قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)

[سورة الأنفال الآية: 46]

نحن بحاجة إلى أن نحب.
أيها الإخوة، ماذا أقول لكم؟:
صحابيان صليا العشاء معاً في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وخرجا معاً إلى البيت، عند افتراقهما تعانقا، التقيا في الفجر، سبع ساعات، أربع ساعات، خمس ساعات، فتعانقا، وقال الأول للآخر: واشوقاه يا أخي، ما هذه المحبة؟! البارحة الساعة العاشرة كنت معه، صباحاً الساعة الثالثة والنصف تقول له: وا شوقاه يا أخي؟! هذا الإسلام، هذا الحب، الإسلام محبة، الإسلام تواضع، الإسلام تضحية، الإسلام إيثار، حتى يحبا الله.
فلذلك الذي لا يشعر بحاجة ماسة إلى أن يُحِب، أو إلى أن يُحَب ليس من بني البشر، الحب يشبه وردة طبيعية فواحة الرائحة، جميلة الألوان، والإسلام من دون حب وردة بلاستيك، لا طعم لها، إذا ألغي الحب من الدين الدين تصحر، وصار معلومات وأدلة، وأفكارا، الإنسان بعد هذا يمل منها، الأفكار نفسها، أما إذا كان هناك حب فهناك طاقة.
والله أيها الإخوة، أحياناً يجلس مؤمن مع أخ عشر ساعات لا يشعرون بالوقت، والله الذي لا إله إلا هو مرة سافرت إلى بلد في الشمال لي أخوة كُثر فيه، والله الذي لا إله هو بدأت الحديث الساعة الخامسة مساء، أول مرة نظرت إلى الساعة، فإذا هي الساعة الواحدة ليلاً، ما شعرت بالوقت، لوجود المحبة، والمودة، والتناصح، والإقبال، نحن حياتنا متصحرة، حسد، غيرة، ليس هناك هذا الحب بيننا، هذا من أسباب ضعفنا.
يجب أن تدافع عن أخيك، يجب أن تخبره من حين لآخر: أين أنت؟ اشتقنا لك، نحن قلقون عليك، الصحة طيبة إن شاء الله، تنعشه بهذا الاتصال.

4. إسقاط مبدأ المؤاخاة على مجتمع المسلمين اليوم:

ألسنا نحن بحاجة إلى هذه المؤاخاة؟ لست وحدك في الحياة، أنت للكل، والكل لك، لست وحدك في الحياة، الحياة بالأخوة الإيمانية لا تبدو قاسية، والحياة مع الأخوة الإيمانية تبدو مسعدة، وما من إنسان أغلى على المؤمن من أخ له في الله، تنصحه وينصحك، تعينه ويعينك، تتفقده ويتفقدك، تعاونه في معضلات حياته ويعاونك.

أ‌. الصورة الأولى للمؤاخاة اليوم:

إذاً: لو أنّ كل واحد منا اتخذ أحد الإخوة أخاً له، وصافحه، وقال: أنا فلان، وأنت أخي في الله، هذا هاتفي، وهذا عنواني، وهنا بيتي، وأنشدك الله إن كنت مضطراً لشيء فأنا في خدمتك، وأعاهدك أنني إذا اضطررت إلى مساعدة سوف أطلب منك، فهذا جيد جداً، وإذا آخى اثنين، أو آخى ثلاثة فهو أفضل، وإذا آخى خمسة وتفقدهم، ما الذي يحصل أيها الإخوة؟
لذلك لو أن واحد منا آخى أخاً، وتعاهدا على أن يتناصحا، تعاهدا على أن يتفقد كل منهما الآخر، والأخ الثاني أفضل، والثالث أفضل، والرابع أفضل، لو أنك آخيت خمسة أشخاص لكانت الحياة جنة.

ب‌. الصورة الثانية للمؤاخاة اليوم:

المشروع الثاني: ما الذي يمنع إذا كنتم خمسة في حي واحد، أو في حرفة واحدة، أو في قاسم مشترك واحد، أو في قرابة واحدة، أحياناً القرابة تجمع، أحياناً السكن يجمع، أحياناً الحرفة تجمع، إما قرابة، أو زمالة، أو صداقة، أو جواراً، ما الذي يمنع أن نجلس كل أسبوعين، أو كل أسبوع، أو كل ثلاثة أسابيع، أو كل أربعة أسابيع، نجلس ساعة من الزمن نتحاور، نتداول، واحد منا استقى موعظة تأثر بها، فذكرها لإخوته، واحد منا حضر خطبة، تفاعل معها، فذكر مضمونها لإخوانه، قرأنا صفحة من كتاب الله، تدارسنا هذا الكتاب.
قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ

[رواه مسلم]

مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ إِلاَّ قامُوا عَنْ مثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً

[رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة]

الحديث في الدنيا متعب، بينما الحديث عن الله مسعد.
لذلك أيها الإخوة، لو أردنا أن نترجم إلى سلوك عملي أن كل واحد يؤاخي أخاً في الله، طبعاً لا بد من تبادل العناوين تبادل الهواتف، تبادل فكرة سريعة عن الأخ، ماذا يعمل؟ ويفضل أن يكون أقرب الناس إليه سكنا، أو إلى عملك، أو إلى قرابتك، هذا تنفيذ لمؤاخاة النبي عليه الصلاة والسلام، واحفظ هذه الكلمة: الكل لواحد، والواحد للكل، ولست وحدك في الحياة.
قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

إن المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه

[رواه الترمذي عن أبي هريرة]

كُلّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ عرْضُهُ ومَالُهُ وَدَمُهُ

[رواه الترمذي عن أبي هريرة]

5. التطبيق العملي للمؤاخاة:

أنا أريد لهذا الدرس أن يترجم إلى واقع، كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، ينبغي أن يأخذ الواحد منكم أخاً لله، خذ اسمه، وهاتفه، وعنوانه، وعمله، الدرس الثاني أن تطمئن عليه بشكل دائم، كم تكلفك هذه؟ لا شيء، أحياناً يأتي إنسان إلى الدرس متأخر جداً، يدرك مع الشيخ صلاة العشاء، ما سمع ولا كلمة، يقول لك: والله انتعشت بهذه الصلاة، هذا معنى: الجماعة رحمة، والفرقة عذاب.
قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد

[أخرجه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في المستدرك عن عمر]

وإنما يأكل الذئب القاصية

[أخرجه أحمد، وأبو داود والنسائي، وابن حبان، والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء]

اتخذ لك أخاً في الله، هذه نصيحتي تطبيقاً لهذا الدرس، كيف آخى النبي الكريم بين المهاجرين والأنصار، أنت اختر أخا، تستطيع أن تعاونه، أو يعاونك، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ

[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]

مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ مودة، ابتسامة، وجه طلق، مصافحة، دعوة، ضيافة، بذل، هدية، هذا كله مودة، الهدية مودة، والدعوة مودة، والنصيحة مودة، والمعاونة مودة.
آخِ أخاً لك في الله، اسأل عن صحته، عاونه، أقول لكم كلمة ثانية: أنا أعتقد أنك لا تُشد إلى الدين بسبب أفكار الدين، أفكاره رائعة، أفكاره عميقة، أفكاره متألقة، أفكاره دقيقة، أفكاره متناسبة، متسقة، أعطاك فكرة عن الكون والحياة والإنسان، لكن الذي شدك إلى الدين مجتمع المؤمنين بصفائهم، بصدقهم، بتواضعهم بخدمتهم، لذلك الجماعة رحمة، والفرقة عذاب.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يد الله مع الجماعة

[أخرجه الترمذي عن ابن عباس]

عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد
وإنما يأكل الذئب القاصية

هذا الحديث أيها الإخوة أصل في العلاقات بين المؤمنين.

مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ

شكر المهاجرين واعترافهم بفضل الأنصار عليهم:

قال المهاجرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا رسول الله، ما رأينا مثل قومك، قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلاً في كثير، كفونا الموءنة وأشركونا في المهنة – أي في الخدمة – حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله

هم تكفلوا بالعناية بالشجر، وأعطونا نصف الثمر، قال: حتى خشينا أن يذهبوا بالأجر كله،
فقال:

لا ما أثنيتم عليهم، ودعوتم لهم

أي إن ثناءكم عليهم، ودعاءكم لهم حصل منك به نوع من المكافأة.
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه

[أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن عمر]

الأصل أن إنساناً قدم لك خدمة، الكمال يقتضي أن ترد عليه بخدمة مثلها، قدم لك هدية، الكمال يقتضي أن ترد عليه بهدية مثلها، لكن إذا كان هو غنياً، وأنت فقير ، وأكرمك إكراماً كبيراً، ولا تملك أن تكافئه قل له: جزاك الله خيراً.

ثناء الله على المهاجرين والأنصار:

لقد أثنى الله جل جلاله على المهاجرين والأنصار على هذه الروابط الطيبة التي بينهم، وبيّن فضل بعضهم على بعض ومكانتهم عند الله.
فقال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

[سورة الحشر]

لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

الأَنْصَارِ: لاَ يُحِبّهُمْ إِلاّ مُؤْمِنٌ وَلاَ يُبْغِضُهُمْ إلاّ مُنَافِقٌ. مَنْ أَحَبّهُمْ فَأَحَبّهُ اللّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمُ فَأَبْغَضَهُ اللّهُ

[متفق عليه]

الإسلام دين اجتماعي :

إخواننا الكرام، الإسلامي اجتماعي، الصلاة صلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بـ27 ضعفاً، الصيام جماعي، الحج جماعي، ديننا دين جماعي، والجماعة رحمة.
هناك أمثلة أيها الإخوة أمثلة كثير جداً، بعض الأمثلة:
إنسان تزوج، ودخله محدود، وبحاجة إلى ألف حاجة، أصدقاءه وإخوانه في الله اجتمعوا وقرروا، وجمعوا مبالغ من المال جيدة، وأمّنوا له كل حاجاته الثانوية، يلزمه مروحة، يلزمه برادا، يلزمه غسالة، يلزمه غازا، كلما تزوج واحد منهم الكل يعاون بعضهم، هذا مجتمع التعاون، هذا مجتمع المؤمنين.
فيا أيها الإخوة، لست وحدك في الحياة، حينما تنضوي مع مؤمنين صادقين الكل لك، وأنت للكل.
تشريعات الإسلام جميعاً قائمة على بناء المجتمع الموحد المتماسك الصالح في بناء الأسرة، وحقوق كمل من الزوج والزوجة والأولاد وغير ذلك.
الذي أتمناه عليكم أن ننطلق إلى تنفيذ هذه المؤاخاة، عندك أخ بالله، اثنان أحسن، ثلاثة أحسن، أربعة أحسن، كلما كان المؤمنون أكثر ولاءً، وتضحية، ومؤاثرة، وخدمة كانوا أقرب إلى الله عز وجل.

لا عصبية ولاقبلية ولا طائفية في الإسلام:

الإسلام أيها الإخوة بحد ذاته لا يقوم على الأسس والقواعد العصبية، والقبلية، والعشائرية، والعرقية، اسمعوا مني هذا الكلام:
لا يضاف على كلمة مسلم ولا كلمة، أية إضافة على كلمة مسلم هذا يتجه نحو التعصب.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية

[أخرجه أبو داود عن جبير بن مطعم]

بعد كلمة مسلم لا يضاف ولا كلمة، لذلك الإسلام لا يقوم على أسس عصبية ولا قبلية، ولا عشائرية، ولا عرقية، لما كنا مسلمين في شتى بقاع الأرض كنا أمة واحدة، فلما قلنا: نحن عرب، قال الأتراك: ونحن أتراك، وقال الأكراد: ونحن أكراد، نطالب حكماً خاصاً، الإسلام أممي، كل من آمن بما نؤمن، وطبق ما نطبق، هو منا، ونحن منه ، له ما لنا، وعليه ما علينا.
وقد تستغربون إن ألقيت على مسامعكم أسماء علماء كبار جداً ليسوا عرباً، الإمام البخاري ليس عربياً، صلاح الدين الأيوبي ليس عربياً، ألا نفتخر به؟ الشيء الصحيح أن يكون الإسلام أممياً، لا يمنع أن تكون أنت عربيا، لا يمنع أنك منتسب لهذه الأمة، لكن من دون تعصب، من دون أن تزدري الآخرين، أو من دون أن يزدرك أحد، لذلك لا بد من وضع أسس المجتمع الجديد بعيداً عن المؤثرات والمورثات الجاهلية، وليكون هذا المجتمع الجديد مثالاً صالحاً يحتذيه المسلمون على مر العصور.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (42-57) : بناء شخصية الإنسان المؤمن
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-07-17 | المصدر
السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (43-57) : إقامة النبي (ص) في منزل أبو أيوب وتحقيق المصالحة والمساواة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-07-24 | المصدر
السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (45-57) : بناء الأخوة بين المسلمين في المدينة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-08-14 | المصدر
السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (46-57) : المؤاخاة مع المودة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-08-21 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس