الجانب العمراني والاجتماعي والتعليمي للمهاجرين

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الكرام، مع موضوع جديد من موضوعات فقه السيرة النبوية، وقد تحدثنا سابقاً عن التنظيمات الإدارية، والصحية، والسياسية التي نظمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أبرزها أنه أنشأ ميثاقاً طبقه على كل شرائح أهل المدينة، وجاء في مقدمته أن سكان المدينة أمة، وسِلْمُ المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، وهذه هي المواطنة ؛ التعايش، الذين فهموا الدين فهماً آخر سببوا متاعب لا تنتهي للمسلمين.

الجانب العمراني:

العمران الموجود في المدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم:

قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وسكانها موزعون عشائرياً في قرى صغيرة، وأكمل تجمع للسكان تجمع القرى.
هناك دراسات حديثة أن الإنسان إذا عاش في مجتمع محدود يرتفع مستوى الانضباط السلوكي، وأشد الأمكنة وحشة هي المدن الكبرى، لذلك حينما درس نخبة من كبار علماء الغرب أسباب العنف في العالم قالوا: المجتمعات الكبيرة، وسكان القرية أشد انضباطاً من سكان المدينة، بسبب أن الشخص الواحد معروف هناك.
فلذلك حينما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان سكانها موزعين عشائرياً في قرى صغيرة، أو في حصون، أو أطام، والأطام هي الحصون، فكل حصن فيه عشيرة تحيطه حيطانها، ويعمل أصحاب هذا الحصن في الزراعة، والصناعة، وإذا جاء المساء دخلوا حصنهم، وأقفلوا أبوابهم ليأمن كل منهم جيرانه، وما تحمله ظلمة الليل من طوارق السوء.
وقد بلغ عدد حصونهم 59 حصناً موزعة على قبائلهم وعشائرهم.

توفير السكن والعمل للمهاجرين:

أيها الإخوة، وقدم المهاجرون إلى المدينة، وكان أمام النبي عليه الصلاة والسلام مهمة كبيرة، وهي توفير السكن والمعاش لهم.
وكان للأنصار مساهمات عظيمة تعرفونها جميعاً، كان كل أنصاري بعد أن آخى النبي بينه وبين مهاجر.
النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين الأنصار والمهاجرين، فكان الأنصاري يقول للمهاجر: عندي بستانان، خذ أحدهما، عندي بيتان، خذ أحدهما، عندي دكانان، خذ أحدهما، أما الشيء الذي يغيب عن أذهانِ بعضِ المسلمين أنه لم يسجل التاريخ أن مهاجراً واحداً أخذ من أنصاري شيئاً، الأول بذل، والثاني تعفف.
فلما عرض سعد بن الربيع رضي الله عنه على سيدنا عبد الرحمن بن عوف بستاناً، وبيتاً، ودكاناً، قال قولته الشهيرة:

بارك الله لك في مالك، لكن دُلّني على السوق

ودخل إلى السوق، وتاجر، واغتنى، وكان هذا الصحابي الجليل من كبار تجار الصحابة، وله بعض التوجيهات، قال:

والله ما استقللتُ ربحاً، ولا بعت ديناً

يعني أن أقلّ هامش ربح كان يقبل به، لذلك بالتعريف الاقتصادي الآن: رأس المال يُقلب في العام مرتين أو ثلاثا، لأنه ما استقل ربحاً، باع بسرعة، باع، واسترد رأس ماله، واشترى بضاعة ثانية، وباعها واسترد رأس ماله.
لذلك التجارة حينما يدور رأس المال في العام الواحد مرتين يكون التاجر من كبار التجار، إذا دار ثلاث مرات يكون من نوادر التجار، أما بعض التجار فيدور المال دورة واحدة كل عامين أو ثلاثة.
أيها الإخوة، المال قوة، الذي يغتني، ويبتغي بماله خدمة الناس، توفير فرص عمل، معالجة المرضى، تزويج الشباب، فيرقى بماله إلى أعلى عليين، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار

[متفق عليه]

وكأن النبي عليه الصلاة والسلام رفع مرتبة الغني المحسن إلى مرتبة العالم، فالعلم قوة، والمال قوة، وهما يتكاملان.
لذلك ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام حتى هيأ لهؤلاء المهاجرين مساكن؟

1. منحُ الأراضي غير الصالحة للزراعة لبناء المساكن:

منح الأنصار الأراضي، فقد ورد عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة جعل كل أرض لا يبلغها الماء يعطيها لبعض المهاجرين، ماذا نفهم من هذا الملمح؟
حرام وألف ألف حرام أن نقطع الغابات ليحل محلها صحراء من الإسمنت، إذا كان عندنا منطقة مشجرة، لا ينبغي أن نبني في هذه المنطفة، بل في مكان صحراوي، هذه إشارة من النبي عليه الصلاة والسلام، منح الأرض ليبنى عليها إن لم يكن فيها ماء، الماء للزراعة، فهذا من أول إشارات النبي عليه الصلاة والسلام.

2. قانون تمليك الأرض لمن يزرعها:

بعد هذا قانون تمليك الأرض لمن يزرعها، تحويل الأرض الجرداء إلى أرض خضراء، هذا سلوك حضاري.
بعض البلاد فيما بلغني أنّ أيّ إنسان يأخذ خمس دنمات يأخذها هبة من الدولة، بشرط أن يقلبها إلى جنة خضراء، ويعطى مبالغ كبيرة جداً لحفر بئر، وبناء منزل ، واستصلاح هذه الأرض، لأن في النهاية الإنسان كائن له فم يحتاج إلى طعام، والمستقبل للزراعة، وقد يستغني الإنسان عن آلاف الأشياء، لكن لا يستغني عن الطعام، والآن حينما يكون التضخم النقدي يصبح الراتب فقط للطعام والشراب، ولن يستطيع الإنسان ترك الطعام والشراب.
فلذلك ما سمح النبي ببناء بيت في أرض فيها نبع ماء، أما أرض فيها مياه جارية فهذه الأرض للزراعة فقط.
أنا سمعت في بعض البلاد أن غرامة قلع شجرة تصل إلى المليون ليرة، الشجرة فيها حياة، فيها تعديل جو، فيها استجلاب أمطار، فيها منظر جميل.
وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان:

فلما قدم النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة مهاجراً أقطع الناس الدور والرباع، فخط لبني زهرة في ناحية من مؤخرة المسجد، فكان لعبد الرحمن بن عوف الحصن المعروف به، ووزع هذه الأراضي التي ليس فيها ماء وزعها على أصحابه لينشئوا عليها مساكن لهم

3. هذا من حضارة الإسلام

أيها الإخوة، ومن يتأمل فيما فعله النبي عليه الصلاة والسلام يرى أمراً عظيماً فيما كان من عمارة المدينة وسعتها، واتصالها بعضها ببعض، وآثار من العمارة شاهد من ذلك.
إذاً حل مشكلة الناس، إنشاء منازل، تنظيم هذه المنازل، تأمين الماء والخدمات لهذه المنازل، هذا سلوك حضاري فعله النبي عليه الصلاة والسلام.
مَرة سأل عمر بن الخطاب والياً له فقال:

ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يده قال: إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التسمت في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية

أيها الإخوة الكرام، وقد ورد في المغازي للواقدي في مشورة غزوة أحد أن أصحاب رأي القتال في المدينة اعتمدوا على اكتمال البنيان، وتراص المنازل مما يساعد على مشاركة النساء والأولاد في الدفاع عن المدينة، وقتال المشركين، وتستمر المدينة في عمرانها واتساعها مع الهجرة إليها حتى فتح مكة حتى تصبح المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى، وقد أسس فيها النبي عليه الصلاة والسلام كياناً سياسياً.
ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء الهجرة تبعه سراقة ليقتله وليأخذ 200 ناقة جائزة لمن يأتي بمحمد حياً أو ميتاً، قال له النبي الكريم: يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ كلام كالخيال ! إنسان مطارد، ملاحق، 200 ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، يقول: يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ مضمون هذا الكلام أنني سأصل سالماً، وأنني سأنشئ دولة، وسأنشئ جيشاً، وسأحارب أكبر دولتين وقتها، أحارب الفرس والروم، وسوف تأتيني غنائم كسرى، ويا سراقة لك سوار كسرى، هذا هو المؤمن، المؤمن لا يضعف.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)

[سورة آل عمران]

الجانب الاجتماعي:

الآن أيها الإخوة، منذ اللحظة الأولى للهجرة النبوية بدأت مهمة التربية الفردية والاجتماعية لمجتمع جديد:
فكان عليه الصلاة والسلام يعزز مكارم الأخلاق، وينفي خبائثها بل ويتمم مكارمها، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

إنما بعثت معلما

[أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو]

إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق

[أخرجه ابن سعد البخاري والحاكم والبيهقي، عن أبي هريرة]

في المجتمع المكي كان في البيت الواحد شاب مسلم، وشاب مشرك، فكان له ظرف خاص، وخصوصية خاصة، أما في المدينة فالمؤمنون مجتمعون في مكان واحد، وتحت لواء واحد، مع نبي واحد، وقرآن واحد، لذلك أول سورة نزلت في المدينة:

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)

[سورة المطففين]

دخلنا في التشريع، الآيات المكية فيها إشارات إلى الكون.

(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا)

[سورة الشمس]

(وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ)

[سورة الفجر]

(وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى)

[سورة الضحى]

(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)

[سورة النبأ]

السور المكية تتحدث عن الإيمان باليوم الآخر، وعن الكون كأكبر دليل على عظمة الله، ولكن السّور المَدنيّة جاءت للتشريع.
صور من تربية النبي لأصحابه في المدينة:

الحديث الأول:

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ

[متفق عليه]

كان الولاء أُسريا وقَبليا، الولاء للأسرة، والولاء للقبيلة، فالنبي عليه الصلاة والسلام صَعّد هذا الولاء فجعله لله، وجعله لدين الله، ولرسول الله.

الحديث الثاني:

قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ

[متفق عليه]

وفي بعض الزيادات: ولا يؤمن أحدكم حتى يكره لأخيه ما يكرهه لنفسه .
والأخوّة في هذا الحديث ما دامت غير مقيدة تعني الأخوة الإنسانية، تقول هذا أخي في الإيمان، قيدته، أخي في النسب، أخي في الجوار، أخوة مقيدة، إن جاءت مطلقة فتعني الأخوة في الإنسانية،

الحديث الثالث:

قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْض

[رواه البخاري ومسلم، عن جرير بن عبد اللّه رضي اللّه عنه]

والنبي عليه الصلاة والسلام حينما جاء يهودي اقترب من المئة اسمه شاس، ودفع غلاماً يهودياً، وأنشد قصيدة، كان الأوس ينشدونها في حربهم مع الخزرج، في يوم بُعاث، أنشد لهم القصيدة فتأثروا، واضطربوا، وهاجوا، وتكلموا، وتلاسنوا، فتماسكوا، وسحبوا السيوف، بلغ ذلك النبي فخرج عليهم
وقال:

أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟!

لذلك نزلت آية كريمة يقول الله فيها:

(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ)

[سورة آل عمران الآية: 101]

فقد عد الخلاف بين المؤمنين كفراً.

الحديث الرابع:

قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ

[متفق عليه]

الحديث الخامس:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ

[متفق عليه]

الحديث السادس:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ

[رواه مسلم]

الحديث السابع:

ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالتعاون بين الجيران، ونظم بينهم حقوق الارتفاق،
قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ

[متفق عليه]

الحديث الثامن:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ

[ورد في الأثر]

الحديث التاسع:

قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، وَمَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ أَنْ يَدْعَمَ عَلَى حَائِطِهِ فَلْيَفْعَلْ

[أحمد]

الحديث العاشر:

قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ

[أحمد]

الجانب التعليمي:

أيها الإخوة الكرام، لقد رسخ النبي صلى الله عليه وسلم مفهومات التعلم، مفهومات العلم، قيمة العلم في حياة الإنسان، وهو الذي يقول دائماً:

مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً:

إذا كان يوم القيامة يوزن دم الشهداء بمداد العلماء، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء

[رواه ابن النجار عن ابن عباس]

أثمن شيء يملكه الإنسان حياته، فهذا الدم الذي يرهق في سبيل الله لا يقل عنه المداد الذي يستخدمه العلماء لنشر العلم،
وقال عليه الصلاة والسلام :

وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وإِنّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْحِيَتَانِ في جَوفِ الْمَاءِ

[رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ عن أبي الدرداء]

لذلك رتبة العلم أعلى الرتب، وقيمة العلم أعلى القيم.
قال الله تعالى في القرآن الكريم مخاطباً النبي:

(وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)

[سورة النساء]

وإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل.
والنبي صلى الله عليه وسلم رفع من مكانة العلماء فقال :

العلماء أمناء الله على خلقه

[أخرجه القضاعي وابن عساكر عن أنس]

وقال عليه الصلاة والسلام :

الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ شَرِيكَانِ فِي الْأَجْرِ ، وَلَا خَيْرَ فِي سَائِرِ النَّاسِ

[أخرجه ابن ماجة عن أبي أمامة]

قال سيدنا علي كرم الله وجهه:

يا بني ، الناس ثلاثة، عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا بني أن تكون منهم

والله عز وجل يقول :

(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)

[سورة آل عمران]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (51-57) : العمران النبوي في المدينة المنورة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-01-27 | المصدر
السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (52-57) : القاعدة الاقتصادية في عهد النبي
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-04-21 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس