أبو بكر الصديق خلافته

بسم الله الرحمن الرحيم

سيدنا الصديق إحدى الشخصيات البشرية الفذة:

نحن الآن مع صحابي جليل، يعد من قمم صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل أعلاهم قدراً على الإطلاق، صحابي جليل والله لو وزن إيمان الخلق مع إيمانه لرجح، صحابي جليل ما ساء رسول الله عليه الصلاة والسلام قط، يعني هذا النموذج الفذ الرائع ألا ينبغي أن نقتدي به، أن نتمثله ولا سيما وأنتم تعلمون أن لكل واحد منا شخصية يتمنى أن يكونها، وشخصية يكره أن يكونها، فإذا سألت عن الشخصية التي تتمنى أن تكونها، فلا بد من شخصية فاضلة تستقي منها، وترتوي مِن معينها،
فالمؤمن يتمنى أن يكون من الذين رضي الله عنهم و رضوا عنه، من الذين أحبوا الله و أحبهم الله، من الذين أخلصوا دينهم لله فأخلصهم الله بخالصة التقوى.

سيدنا أبو بكر يصلي إماماً بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم :

عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ:

مَرِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ
فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ،
قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ،
قَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ
فَعَادَتْ،
فَقَالَ: مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن أبي موسى الأشعري]

إشارة إلى أنه الخليفة.
إنه إصرار على أن يصلي مكانه الصديق، وهذه شهادة من النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الصحابي الجليل، بأنه أول أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام قدراً، وعلماً، وإيماناً.

علاج الصديق لموضوع الخلافة:

صلى الصديق مكان رسول الله عليه الصلاة والسلام وامتثل الأمر، وهو لا يدري أو لعله كان يدري أنه في تلك اللحظة كان يتسلم الراية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملها من بعده، لكن هذا الصحابي الجليل حينما توفى الله رسوله، و قبضه إليه، و اختار النبيُّ الرفيق الأعلى، وانتقل إلى الدار الآخرة،
فوجئ أن فتنة كادت أن تقع بين أصحاب رسول الله عيه الصلاة والسلام، فيهم المهاجرون وفيهم الأنصار، المهاجرون أصحاب السبق في الإسلام، والأنصار هم الذين آووا و نصروا، فمن أيّهم يكون خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ أمن المهاجرين، أم من الأنصار؟ لذلك واجه هذا الصحابي مشكلة وفتنة ليست في صالح المسلمين، مع أن علماء السيرة يؤكدون تأكيداً شديداً أنّ هذا الصحابي الجليل كان أبعد الناس عن أن يتمنى أن يكون مكان رسول الله عليه الصلاة والسلام، كان عازفاً عن الخلافة، والنبي عليه الصلاة والسلام أعطانا قاعدة ذهبية، هي:

طالب الولاية لا يُوَلَّى

لأنه يرغب في مغانمها، والولاية ليست مغانم بل مغارم، أعباء،
كما قال سيدنا عمر:

لست بأفضل من أحدكم ولكنني أثقلكم حملاً

لكن هذا الصحابي الجليل لا يحتمل أن يرى فتنة تنشب بين أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يحتمل ذلك، وهذا شأن المؤمن، المؤمن يعنيه أمر المؤمنين، من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
سيدنا الصديق وضع ميزانًا تطمئن نفوسهم إليه، الميزان أخذه من القرآن، ماذا قال الله عز وجل؟ قال:

(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)

[سورة التوبة الآية: 100]

المهاجرون قبل الأنصار منزلة، وقدموا في الآية، والسابقون منهم لهم شأن آخر، ولهم مكانة علية، فسيدنا الصديق استناداً لهذا التقييم القرآني أراد أن يجعل الخلافة في المهاجرين، و فيمن هم قمم الصحابة الذين شهد لهم النبي عليه الصلاة والسلام،

لو كان نبي بعدي لكان عمر

[ورد في الأثر]

وقال أيضًا:

أبو عبيدة الجراح أمين هذه الأمة

[ورد في الأثر]

فقال: يا عمر

مدّ يدك لأبايعك

فسيدنا عمر قال:

أنت أفضل مني

فقال الصديق:

بل أنت أقوى مني

فقال عمر:

قوتي إلى فضلك، وأنا خادم لك

فسيدنا عمر في هذه الأزمة، وتلك الفتنة همّ أن يتكلم، لكن سيدنا الصديق أشار إليه أن اسكت، وتولى هو الكلام،
وقال:

يا معشر الأنصار، إنكم لا تذكرون فضلاً إلا وأنتم له أهل

فالكلام الحكيم، الكلام الذي يطيِّب القلب، الكلام الذي يثلج الصدر،
هكذا بدأ الصديق قوله، ثم راح يتحدث عن وحدة المسلمين، وعن فضل الأنصار، وعن فضل المهاجرين، وعن وصية النبي عليه الصلاة والسلام،
وقال:

إني أرشح للخلافة أحد اثنين: عمر بن الخطاب الرجل الذي أعز الله الإسلام به، وأبا عبيدة بن الجراح الذي وصفه النبي الأمين أنه أمين هذه الأمة، واقترب منهما أبو بكر وتوسطهما، ورفع ذراعيهما بكلتا يديه، وقال للناس: لقد رضيت أحد هذين الرجلين عمر وأبي عبيدة، وارتعدت يد عمر كأنما سقطت عليها جمرة ملتهبة، وغطى أبو عبيدة عينيه الباكيتين في حياء شديد، وصاح عمر: لا بل أنت

أخواننا الكرام، الصحابة الكرام كانوا يعرفون أقدار بعضهم بعضاً،
قال سيدنا عمر:

والله لئن أقدّم فيضرب عنقي في غير إثم، أحبّ إلي من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر

هذا مشهد مسجل له، قال تعالى:

(لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)

[سورة آل عمران الآية: 181]

الحقيقة ما غربت شمس ذلك اليوم إلا وانتهت هذه الفتنة بحكمة هذا الصحابي الجليل وموقفه الحازم، كان في الظل فإذا هو في وضح النهار يتحرك كأنه الفارس، كان يؤثر أن يكون مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شعر أن واجبه اتجاه الإسلام كبير جداً لذلك شمر و أقدم، أي هناك أشخاص يتدخلون في الوقت المناسب فيفعلون المعجزات.
سيدنا الصديق يذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما يذهب إليه العباس يسأله أن يوليه الولاية، فأجابه عليه الصلاة والسلام:

إنا والله لا نولي هذا الأمر أحداً يسأله، أو أحداً يحرص عليه

[ورد في الأثر]

الولاية عبء، أي مغرم وليست مغنم،
ألم يقل سيدنا عمر لأحد ولاته:

ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟

قال: أقطع يده،
فقال عمر: إذاً:

فإنْ جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، ثم قال له مستدركًا: إن الله قد استخلفنا على خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً، التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية

إذاً: لو أن إنساناً عرض نفسه على الخلافة، بحسب هذه القاعدة، لا يجوز أن نوليه إياه
في الحقيقة أنَّ الصحابة الكرام عاشوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى درجات التعاون والتكاتف، فالأصل ما كان بين الصحابة إلاَّ الود، والوفاء، والحب، لكن هذا الموقف الذي جرى يوم السقيفة كما يقول علماء السيرة: كان هجيناً عليهم، ليس من عادتهم، ليس من طباعهم، ليس من سجيتهم، ليس من شأنهم، ليس من أخلاقهم، ليس من أخلاق المؤمنين التنافس، لكن حصل هذا الاضطراب عقب وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ألم أذكر لكم من قبل، أن بين الأوس والخزرج في المدينة لما دخلوا في دين الله أفواجاً وأسلموا وحسن إسلامهم، واتصلوا بربهم، صاروا من الأخوة، والمحبة، والوفاء ما لا يوصف،
أحد اليهود آلمه أن يكون هذا الوئام بينهم، فأرسل غلامه بقصيدة قيلت مِن قبل في هجاء بعضهم، وجعل هذا الغلام يتلو على أسماعهم هذه القصيدة، يعني في ساعة غفلة بعضهم تحمس ورد آخر عليه بقصيدة أخرى، إلى أن نشب خلاف بين أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي بين الأنصار بالذات،
فخرج عليهم النبي عليه الصلاة والسلام مسرعًا، وقال:

أتختصمون وأنا بين أظهركم؟

فهذا موقف ليس أصيلاً فيهم، بل هو هجين بالنسبة لهم، هذا الموقف دخيل عليهم، فنزل قوله تعالى:

(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)

[سورة آل عمران الآية: 101]

فالله عز وجل سمى هذه الفرقة كفراً، وهذا الشقاق كفراً.
أحد الأدباء وصف إنساناً، وأنا أرى أن هذا الوصف ينطبق على سيدنا الصديق، قال: كان يُرى ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جد الجد فهو الليث عادياً رقيق، نحيل، يحب الظل، لا يحب الظهور، لا يحب الاستعراض ولا التبجح، ولا عرض العضلات، أي أن اتصاله بالله ومحبته لله عز وجل، وشعوره أن الله يحبه هذا يغنيه عن استجداء مديح الناس، وعن أن يزهو أمامهم، لذلك كلما اشتدت الرغبة في أن يظهر الإنسان فهذا ضعف في إخلاصه،
كن عبد الله، شعور العبودية لله عز وجل شعور ثمين جداً، يعني رجل أواب، قرة عينه في الصلاة، في الإنابة إلى الله، في خدمة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فجأة وجد نفسه في معمعة الأحداث، وهو المسؤول الأول
مثلاً: قد يكون الابن في حياة والده مرتاحًا، لكن فجأة يقبض والده، وهو أكبر أخوته، وهناك مسؤوليات، وأعمال، وأيتام، فوضعته المحنة أمامهم، لذلك في الحياة مجالات كثيرة للبطولة، وأنا أعرف شابًا حينما توفي أبوه ترك له أخوات، فلم يتزوج إلا بعد أن يسّر لكل أخواته الزواج المناسب، والبيت المناسب، واطمأن عليهن جميعاً، ثم تزوّج، فهذا بطل حقًّا.
هناك نقطة مهمة جداً، أرجو أن تكون واضحة عندكم، وأنتم بحاجة إلى إدراكها فيما أعتقد، فأحياناً يأتيني أخ، يقول: أنا أشعر بكذا وكذا، وأنا متألم جداً من هذا الشعور، أو تأتيني خواطر أنزعج منها أشد الانزعاج، فماذا أفعل؟ أنا عندي مقياس دقيق، أقول لهذا الأخ: إذا جاءتك هذه الخواطر، هل تنزعج أو لا تنزعج؟ يقول لي: انزعج أشد الانزعاج، أقول له: فهذه ليست منك، إذاً: هذه دخيلة عليك، هذه من الشيطان، لا تعبأ ولا تخف، ولكن إذا جاءتك هذه الخواطر، وارتحتَ إليها، وركنت إليها، فهي منك، وهي علامة المرض الشديد، وعلامة التقصير

دفاعه عن المبادئ:

أما المشكلة الأكبر فهي أنّ حياته كانت كلها مشكلات رضي الله عنه، والمشكلة الأكبر كما قلت قبل قليل: هي في الذين دخلوا في دين الله أفواجاً، دخلوا بسرعة وبعفوية، بل دخلوا في هذا الدين تقليداً،
إذاً: هؤلاء حينما توفي النبي عليه الصلاة والسلام طمعوا في أن يتخففوا من أعباء الإسلام، لا صلاة، ولا زكاة، ولا صيام، وطمعوا أن يبتدعوا لأنفسهم نبوات، فالقضية سهلة في نظر بعضهم، محمد نبي، وفلان نبي، فعادوا إلى عصبياتهم، فلذلك واجه الصديق موقفاً صعباً جداً، وهو أن معظم الذين دخلوا هذا الدين الجديد قد خرجوا منه و ارتدوا، و هناك من يظن أنهم بقوا في بلادهم يتأهبون للقتال، وهناك من أتاه بمعلومات أنهم يستعدون للهجوم على المدينة، وها هم أعلنوا عداءهم بأن بدؤوا بمنع الزكاة،
فسيدنا الصديق لا تلين له قناة، قال:

و الله لو منعوني عقال بعير كانوا يعطونه لرسول الله صلى الله عليه و سلم لقاتلتهم عليه بالسيف

لا يفرق بين الصلاة و الزكاة أبداً ، أي وقف موقفاً تهد له الجبال.
أحياناً الإنسان يختار أنصاف الحلول، يأخذ ويعطي، يكون مرناً، لكن الصديق أمام قضية مبدأ، أما الآن أصحاب مصالح، يضحي بالخمسين ليأخذ المئة، يقفون عند أنصاف الطرق، يتفاوضون على أنصاف الحلول، لكن هذا الصحابي الجليل،
قال:

واللهِ لو منعوني عقالَ بعيرٍ كانوا يعطونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه بالسيف ،
وسأله سيدنا عمر هذا السؤال الحرج: كيف تقاتل قوماً يشهدون أنه لا إله إلا الله، وقد أخبر النبي عليه الصلاة و السلام أنه من قالها، فقد عصم دمه و ماله؟

نقل عمر مقالتهم،
قال الصديق رضي الله عنه: ألم يقل النبي صلى الله عليه و سلم إلا بحقها،

أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ

[أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح]

سيدنا الصديق متذكر كلمة بحقها، إذاً: لا بد أن يحاربهم .
الحقيقة أن زعماء الأمم، القادة التاريخيون الذين تناط بهم مصائر الأمم، هؤلاء يحملون صفات فذة في شخصياتهم، أولى هذه الصفات: أن يكونوا رجال مبادئ، بالمبادئ لا توجد مساومات على مستوى المبادئ المساومة غير مقبولة، فكان الصديق في هذا المستوى الرفيع.
سيدنا عمر يقول:

فما هو إلا أن شرح الله صدري لرأيِ أبي بكر

أي بعد قليل ألهم الله سيدنا عمر رأي أبا بكر ورآه صواباً، وابن مسعود رضي الله عنه، قال: لقد قمنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً كدنا نهلك فيه لولا أن الله مَنَّ علينا بأبي بكر دققوا في هذا الكلام.
وكان سيدنا عمر في أعلى درجات الحكمة، فإذا رأى من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام تململاً أو اعتراضاً أو انتقاداً أو رأياً لا يراه الصديق، ماذا كان يفعل؟ كان يتبنى هذا الرأي، ويعرضه على الصديق، فإذا وقف الصديق موقفاً صلباً تعلَّق به مِن دون أن يجعل مواجهة بين الصديق وبين أصحابه.

تنفيذه أمر رسول الله بتسييره الجيش:

فيروى أن النبي عليه الصلاة والسلام قبيل وفاته أمر أن يجيش جيش لحرب الروم، وأمر أن يكون على رأسه شاب يسمى أسامة بن زيد لا تزيد سنه عن سبعة عشر عاماً، لكن بعد أن توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالصحابة رأوا أنه ليس من العقل أن ينطلق هذا الجيش لحرب الروم، بينما الجزيرة قد ارتد بعض حيثي الإسلام فيها، فهل من المعقول أن يُوجِّه المسلمون جيشًا إلى أقاصي البلاد، وعندهم فتنة داخلية، والعاصمة مكشوفة، والناس قد ارتدوا، وأرادوا أن يكيدوا للمسلمين؟ فصار هناك آراء متفاوتة.
يقول سيدنا عمر كما قلت قبل قليل: لعله رأى ذلك، أو لعله أراد أن يعرض على الصديق رأي أصحابه، لو أنك جمدت هذا الجيش، لِمَ ترسل هذا الجيش؟ لو ادّخرته لحرب المرتدين، فلما أصر الصديق على إرسال الجيش،

قالوا: إنّ هذا القائد صغير السن، ولا يعقل أن يكون كفئاً لهذه المعركة،
فيقال: إن سيدنا الصديق قبض لحية عمر، وأمسكها بيده، وهزها هزاً شديداً، حتى كادت أن تنخلع بيده،
وقال: يا عمر ثكلتك أمك، أجبار في الجاهلية، خوّار في الإسلام؟ أتمنعني أن أجيش جيشاً جيشه رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ أتمنعني أن أولي على هذا الجيش أسامة بن زيد، وقد أمّره رسول الله عليه الصلاة والسلام؟

هذا هو الإيمان، نبي هذه الأمة يجيش جيشاً، وأنا لا أرسله، نبي هذه الأمة يعين قائداً وأنا لا أقره، فمَن أنا؟.
ولا تنسوا قول سيدنا ابن مسعود:
لقد قمنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً كدنا نهلك فيه لولا أن الله منّ علينا بأبي بكر.
قال أبو بكر:

أنفذوا بعث أسامة، فو الله لو تخطّفتني الذئاب لأنفذته كما أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما كنت لأرد قضاء قضاه رسول الله عليه الصلاة والسلام

هذا هو الإيمان، ونحن أيها الأخوة، إذا كلّفك الله بأمرٍ تكليفي، أتتردد في إنفاذه؟ دققوا في هذه الآية:

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينا)

[سورة الأحزاب الآية: 36]

بالمناسبة ثم إنّ سيدنا أبا بكر مشى في ركاب سيدنا أسامة بن زيد القائد الفتى، لم يحتمل هذا القائد الفتى أن يركب على ناقة، وهو قائد الجيش، وخليفة المسلمين يمشي إلى جانبه،
قال: يا خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام لتركبن أو لأمشين،
فقال الصديق ويريد أن يدعمه، وأن يقوي مركزه:

واللهِ لا ركبتُ ولا نزلتَ، وما عليّ أن تغبرّ قدماي ساعة في سبيل الله

الخلاصة:

وبهذه المواقف الحكيمة انتهت فتنة السقيفة، وحارب المرتدين، وقضى عليهم، وأنفذ الصديق الجيش الذي بعثه النبي عليه الصلاة والسلام لحرب الروم، وأقرّ على قيادته أسامة بن زيد حبّ رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذه المواقف التي وقفها الصديق كانت هي المواقف التي ثبَّتت الإيمان في نفوس أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وثبتت الإسلام.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – سيرة الخلفاء الرشدين – سيدنا أبو بكر الصديق – الدرس (3-5) : خلافته وإخلاصه في الخلافة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-04-04 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس