أبو بكر الصديق مناقبه

بسم الله الرحمن الرحيم

أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً :

أيها الأخوة، مع سيرة سيدنا الصديق رضي الله عنه، ويبدو أنه الدرس الأخير، الشي الذي يحير العقول في سيرة هؤلاء الأبطال أنهم كانوا قمماً في التقوى، وفي الطاعة، وفي الإخلاص، وفي حب الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وكانوا مع ذلك يخافون من الله خوفاً لو وُزِّع على أهل بلد لكفاهم.
يقول عليه الصلاة و السلام:

رأس الحكمة مخافة الله

[ورد في الأثر]

أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً

[ورد في الأثر]

فهل من الممكن أن تعرف حجم عقلك من حجم حبك؟ وهل يمكن أن تعرف حجم عقلك من حجم خوفك؟ فكلما كنت أشد خوفاً من الله كان عقلك أرجح، وكلما كنت أشد حباً لله عز وجل كان عقلك أرجح،
هذا الصحابي الجليل دائماً كان يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد
وسيدنا عمر كان دائماً يقول: ليت أم عمر لم تلد عمر
ماذا رأى هذا الصحابي؟ والله الذي لا إله إلا هو لا يخالط شعوري لثانية واحدة أن هذا الكلام لا يقال للاستهلاك، ولا يقال تمثيلاً كما يقول الناس اليوم، بل كانوا صادقين، فالصدق فضيلة كبرى، كانوا صادقين مع أنفسهم، ومع ربهم، ويبدو أنهم رأوا عظم المسؤولية التي أُلقيت عليهم، ورأوا عظم الفضل الذي أنيط بهم، ورأوا هذا التكليف العظيم الذي كلفهم الله إياه، وفهموا أن الإنسان يحمل رسالة كبيرة جداً في الحياة.
هناك من يأكل ليعيش، وهناك من يعيش ليأكل، كلاهما لا يعجبني الذي يعيش ليأكل حيوان، والذي يأكل ليعيش إنسان طبعاً، ولكن هناك سؤال دقيق: تعيش لماذا؟ لا بد أن يفهم الإنسان أنّه لله عز وجل، فالموضوع أكبر بكثير من أننا حضرنا درساً أو سمعنا درساً لطيفاً، الموضوع رسالة.
انظروا أيها الأخوة، كيف أن الناس جميعاً يمشون في اتجاه إجباري؟ يولد، ثم يدخل الابتدائية، ثم يأخذ شهادة الإعدادي، ثم الثانوي، ثم يأخذ شهادة جامعية، أو يتقن مصلحة أو حرفة، يتزوج وينجب أولاداً، ثم يزوجهم، ويكبر قليلاً، فتهمه صحته، ثم يضعون نعيه، هذه هي الحياة، شيء ممل، طريق سالك، لكنه طريق إجباري، لكن الإنسان أعظم من ذلك، يحمل رسالة
هذا النبي الكريم الذي جاء إلى الأرض و غادرها، فهدى أمماً، ومنهم هؤلاء الصحابة الذين فتحوا بلاداً، ونشروا فيها الإسلام والفضيلة والسعادة و معرفة الله عز وجل،

ورعه:

أيها الأخوة، سأضع بين أيديكم واقعتين تتحدثان عن ورع هذا الخليفة العظيم،

الواقعة1:

ربيعة الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
قال:

كان بيني وبين أبي بكر كلام حوار، فقال لي كلمة كرهتها

ولعل هذه الكلمة لو قلناها نحن لافتخرنا بها، ولكن كلما ارتقى الإنسان يحاسب نفسه حساباً دقيقاً، أحياناً ابتسامة ساخرة تهوي بها من عين الله، أحياناً قد يدخل شخص إلى بيت فيجده صغيراً، فيسأله: كيف يسعك هذا البيت؟ أنت ماذا فعلت بهذه الكلمة؟ أنت عملت عملاً سيئًا جداً، الإنسان اشترى هذا البيت، وفرح به، ويرى نفسه وكأنه بجنة، جمع ثمنه منذ ثلاثين سنة، آواه، رتبه، وفرشه، وفرح به، فأذهبت النشوة عنه، إن المؤمن دائماً يسعى لإسعاد الناس لا لتصغير شأنهم، ولا لإفساد حياتهم،
يبدو أن سيدنا الصديق تكلم كلمة، فرأى في وجه أخيه ربيعة جمودًا، ثم ندم عليها،
وقال لي:

يا ربيعة ردَّ عليَّ مثلها حتى تكون قصاصًا

قلت:

والله لا أفعل

أخواننا الكرام، كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يعرفون قيمة بعضهم، هذا صحابي جليل، هذا أمين سر رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم يدخل في الإسلام رجل، فهل من السهولة أن يتطاول عليه؟
قال ربيعة:

والله لا أفعل

فهو يعرف قدر الصدِّيق،
عندما قال سيدنا الصديق لسيدنا عمر:

مد يدك لأبايعك

قال له:

لا أفعل، أنت أعظم وأفضل مني

فقال له:

أنت أقوى مني

قال له:

قوتي مع فضلك، وأنا في خدمتك

ولما وقف سيدنا الصديق على منبر رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يجرؤ أن يقف في ذلك المكان، لقد كان يقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد درجتين فقط ولعل منبر النبي كان له ثلاث درجات فقط، ثم إنّ سيدنا عمر ما جرؤ على أن يقف في مقام أبي بكر،
قال:

ما كان اللهُ ليراني أن أضعَ نفسي في مقام أبي بكر

فإذا كان أخوة في حلقة يجب أن يعرفوا قدر بعضهم، هذا أكبر سناً، هذا أقدم، فيجب أن تعرف قيمة أخيك الأكبر منك قدراً، وعلماً، وأقدم سناً،
فقال لي:

لتأخذن بحقك مني، أو لأشكونك لرسول الله عليه الصلاة والسلام

أنا أستنبط استنباطاً دقيقاً: أن هذا الصحابي الجليل له قلب عامر بذكر الله، فلما رأى في وجه أخيه كراهية كلمة قالها، ندم ندماً شديداً، وهذا الندم، وهذا الاختلال، لا يصلحه إلا أن يقتص منه،
فالإنسان كلما اقترب من الله عز وجل ازداد أدباً، حتى أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام تحيروا في أدب رسول الله عليه الصلاة والسلام،
قالوا:

يا رسول الله ما هذا الأدب؟

قال:

أدبني ربي فأحسن تأديبي

[ورد في الأثر]

قال: فذهب عني منطلقاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وانطلقت وراءه، فجاء أناس من أسلم،
فقالوا: يرحم الله أبا بكر في أي شيء يستعلي عليك، وهو الذي قال لك ما قال،
قلت لهم:

اسكتوا هذا أبو بكر، هذا الذي قال الله عنه ثاني اثنين إذ هما في الغار، وفي القرآن ذُكِر اسمه، إياكم أن يلتفت فيراكم تنصرونني عليه فيغضب، فإذا غضب أبو بكر غضب رسول الله عليه الصلاة والسلام لغضبه، وإذا غضب رسول الله عليه الصلاة والسلام غضِب الله لغضبهما فيهلك ربيعة

فالصحابة يعرفون مقامات بعضهم تماماً، وربيعة يعرف من هو الصديق؟ هذا الصاحب الأمين، هذا الذي فدى النبي بحياته، فداه بماله،
يقول ربيعة: وانطلقتُ وراء أبي بكر، فأتى الرسول فحدثه بما كان، فرفع إلي الرسول رأسه،
وقال:

يا ربيعة ما لك وللصديق؟

قلت:

يا رسول الله عليه الصلاة والسلام، إنه قال لي كلمة كرهتها، ثم طلب إلي أن أردها عليه لتكون قصاصاً فأبيت، أنا لم أفعل شيئًا

فقال عليه الصلاة والسلام:

أحسنت يا ربيعة، لا تردها عليه، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر

[ورد في الأثر]

أي هذا هو أسلوب الأدب بين الأخوة، فإذا قال لك أخوك كلمة قاسية، فقل له: غفر الله لك،
قال:

فولى أبو بكر وهو يبكي عرف مقامه عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومقامه عند الصحابة

كما عرف أدب هذا الصحابي الجليل، والهداية قد تنجم من موقف أخ مسلم نحو أخيه، تنبع من أدب جم، وذوق رفيع .
ذات مرة أخبرتكم بقصة حدثني بها أخ كان ببلد غير بلده يعمل بالتدريس، وكان في المدرسة فراش مستخدم، أي هذا أهون إنسان على المجتمع في هذا البلد، كل حياته عبارة عن فرشة إسفنج 2 سم، ومسمار يعلق عليه كيسًا فيه حاجاته، وهذا الفراش من إحدى البلاد الفقيره، راتبه زهيد جدا بالنسبة لنا أما بالنسبه له ففي بلاده يُعتبر هذا المبلغ ضخم جداً يحول معظمه إلى أهله،
فقال لي: أنا مدرس بهذه المدرسة، شاهدت هذا الفراش يقوم بالمسح، معي كأس من الشاي صببتها لي
فقلت له: تفضل، فهل تصدقون أن هذِا الكأس من الشاي الذي قدمه لهذا الفراش كان سبب إسلامه؟ الفراش نظر إليه، وقد مضى عليه خمس سنوات في هذه المدرسة، لم يسلم عليه أحد، ولم يقرأ عليه إنسان السلام، وهو يعمل بصمت بهذا الأجر الزهيد،
قال له: لماذا قدمت لي هذه الكأس؟
قال له: والله لا لشيء إلا لأني رأيتك تخدمنا، يعني نوعًا من المودة،
قال له: أنا أحمل ماجستير في العلوم، هذا أثر الفقر،
فقال لي: لما سمعت أنه يحمل ماجستير في العلوم صعقت،
قال لي: دعوته إلى البيت، ودعوت أستاذ علوم يحمل شهادة عليا، وجئنا بموسوعة باللغة الإنكليزية، وقلنا له: اقرأ، قرأ وشرح، يعني كلامه صحيح، هو طبعاً ليس مسلماً،
قال: ما الذي دعاكم لأن تدعوني للبيت، وهذا شرف عظيم،
فقالوا له: نحن نتمنى أن تكون مسلماً، قال: ما الإسلام؟
قال لي هذا الصديق: والله بقينا أربعة أسابيع كل يوم ندعوه إلى البيت، ونشرح له الإسلام إلى أن أعلن إسلامه واتصل بالله عز وجل وحسن إسلامه.
فأنا أتمنى مِن المسلم أن يكون دقيقاً، لو عندك صانع بالمحل، هو صانع عندك، لكنه عند الله ليس صانعاً، وإنما هو عبد لله، قد يكون عند الله أعظم منك، قد يكون أقرب إلى الله منك، وأنت صاحب المحل، فالإنسان كلما ارتقى إيمانه يحترم الآخرين، ولا يتكبر عليهم، والدليل سيدنا الصديق، قال: وليت عليكم ولست بخيركم .

الواقعة2:

كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ
فَسَلَّمَ وَقَالَ إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ
فَقَالَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثًا
ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ فَسَأَلَ أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالُوا لَا فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ
فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَعَّرُ حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ
فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ مَرَّتَيْنِ
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي مَرَّتَيْنِ

فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا

[أخرجه البخاري فر صحيحه عن أبي الدرداء]

ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كان له كبوة إلا أخي أبا بكر لم يتلعثم

[ورد في الأثر]

هذا مقام كبير، ومع ذلك لما توفي النبي لم يختل توازنه، وما اختل توحيده،
قال:

من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت

منصب الخلافه لم يحجبه عن الفقراء:

أخواننا الكرام، كان هذا الصحابي يقوم بأعمال لا تصدق، فقبل أن يكون خليفة كانت له خدمات جلية لأبناء حيه، ومن هذه الخدمات أن له جيرانًا يتامى صغار، وعلى رأسهم عجوز كبيرة في السن، فكان يحلب لهم الشياه في الليل، يؤم هذه البيوت فيحلب لهم الشياه، ويؤم بيوتًا أخر فيطهو لهم الطعام،
وكان يقدم خدمات يترفع عنها معظم الناس العاديين الآن، أأنا أخدم فلانًا؟
ولما صار خليفة، تناهى إلى سمعه حسرة العجائز، لأنهن سيحرمن من هذه الخدمة الجليلة التي يقوم بها هذا الرجل الصالح، وذات يوم قرع دارًا مِن تلك الديار،
فسارعت فتاة صغيرة لتفتح الباب، وإذا بها تصيح: جاء حالب الشاة،
من هو حالب الشاة؟
سيدنا الصديق، خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخليفة المسلمين، لما عرفت أن سيدنا الصديق طرق الباب، وهو خليفة المسلمين،
قالت: ويحك يا بنيتي ألا تقولين خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام،
ما هذا الكلام؟
يقول كتاب السيرة: يطرق مع نفسه، ويهمهم بكلمات لعل لسان حاله، يقول: دعيها لقد وصفتني بأحب الأعمال إلى الله، هذا الوصف أحب إليه من كلمة خليفة المسلمين.
قالوا: لو قدر لأبي بكر بشمائله الفذّة أن يكون في منصب الخلافة في عصرنا هذا، أكان منهجه سيتغير؟ يقول كاتب السيرة: إنه لم يحلب الشياه، ولكن سوف يقدم خدمات أخرى تتناسب مع هذا العصر، إنه تعليق لطيف،

رحمته:

وصف النبي هذا الصحابي الجليل بأوصاف، فقد قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْر

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك في سننه]

وأرحم الخلق بالخلق رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكلما ازدادت الرحمة في قلبك، فهذا دليل على أنك أقرب إلى الله، وأبعد قلب عن الله عز وجل القلب القاسي،
تأتيني أحيانا شكاوى، أن طفلاً يتيمًا في محل يتمنى أن يأخذ شهادة، فطلب من صاحب المحل أن يخرج من المحل قبل ساعة إلى مدرسة ليلية، فلم يرض، وقال: عندما يتعلم يترك محلي، اتركه خادمًا عندي، أما ابنه فيحبه أن يكون طبيبًا، قلبه مثل الصخر.
مرة شاهدت صاحب محل تجاري، ابنه في العطلة الصيفية كان في المحل، وثمة صانع مِن سن ابنه تماماً، فبعث أثوابًا إلى جهة، وحمل هذا الصانع أول ثوب، وثاني ثوب، وثالث ثوب، فلم يستطع أن يحمل أكثر، فقال هذا الصانع: لم أستطع يا سيدي، فقال له صاحب المحل: أنت شاب فاحمل، ولم ينتبه إلى نفسه فجاء ابنه وحمل، فقال له: انتبه يا بني لا تحمل، انتبه لظهرك.
هذه العنصرية، التناقض القذر المخزي، رحمتك بأولادك فلا قيمة لها، لأنها فطرية، وليست كسبية، أودعها الله فيك كي تستمر الحياة، لكن بطولتك في الرحمة العامة، أن ترحم إنسانًا لا تعرفه، ارحم إنسانًا مقطوعًا، إنسانًا ضعيفًا، هذه هي الرحمة.
سيدنا الصديق في قلبه رحمة كبيرة، عندما رأى سيدنا بلالاً يعذِّب من قبل أمية بن خلف،
فأراد أبو بكر أن يشتريه منه، وعندما اتفقا على بيع بلال إلى سيدنا الصديق كي ينقذه من العذاب،
يقول أمية بن خلف تحقيراً لشأن بلال: خذه، فلو أبيت إلا أوقية واحدة لبعتك بها،
فقال سيدنا الصديق:

والله لو أبيت إلا مئة ألف لأعطيتك

إنْ كان لا يساوي عندك أوقية فإنه يساوي عندي مئة ألف، اشتراه منه ووضع يده تحت إبطه،
وقال:

هذا أخي حقاً

كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا ذُكر الصدِّيق، يقولون:

هو سيدنا وأعتق سيدنا، يعنون بلالاً

سيدنا عمر خليفة المؤمنين علم أن بلالاً قدم المدينة، فخرج لاستقباله، حسب العادة الحديثة، إذا كان الضيف رئيس دولة يستقبله رئيس دولة، وإذا الضيف رئيس وزارة يستقبله رئيس وزارة، وإذا الضيف وزير خارجية يستقبله وزير خارجية، أمّا أنْ يخرج رئيس دولة (خليفة) ليستقبل شخصًا كان إلى أجل قريب عبدًا فهذا هو الإسلام.
وهناك قصة تعرفونها، وقف أبو سفيان ساعات طويلة في باب عمر فلم يؤذن له، وصهيب وبلال يدخلان بلا استئذان، فتألم أبو سفيان، فلما دخل على عمر عاتبه،
وقال له: أبو سفيان، زعيم قريش

يقف ببابك ساعات طويلة، ولا يؤذن له، وصهيب وبلال يدخلان ويخرجان بلا استئذان

فقال له سيدنا عمر:

أأنت مثلهما؟

عندما كانا يعذبان، أين كنت حينها؟ وخضت ثلاث حروب ضد رسول الله عليه الصلاة والسلام، بينما هما كانا يجاهدان مع رسول الله عليه الصلاة والسلام.
مما يروى من طرائف الأخبار، قالوا: لم يعرف ولو مرة واحدة قاتل أحدًا، أو شاتم، أو أساء، أو تخلى عن مروءة، أو بخل بماله أو جاهه.

عبادة الصديق :

بعد وفاة سيدنا الصديق رضي الله عنه،
ذهب عمر يسأل زوجته أسماء بنت عميس، كيف كان أبو بكر يعبد ربه عندما يخلو بنفسه؟
فأجابته قائلة: كان إذا جاء وقت السحر، قبيل الفجر، قام فتوضأ وصلى، ثم يستمر يصلي، ويتلو القرآن، ويبكي ويسجد، ويبكي ويدعو، فبكى عمر رضي الله عنه
وقال: أنَّى لابن الخطاب مثل هذا، وقال عمر: ما أنا إلا حسنة من حسنات أبي بكر.

الوصف الجسدي للصديق :

بعض كتاب السيرة يصفون شكله،
قالوا: كان أبيض اللون، نحيل الجسم، خفيف العارضين، أحنى الظهر، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الساقين،
كما يقال أيضاً: كان يُرى ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جد الجد فهو الليث عادياً،
كان يرى أكثر دهره صامتاً، فإذا تكلم بز القائلين .
مرة مُدح هذا الصحابي الجليل، فقال: اللهم اجعلني خيراً مما يقولون، وقال أيضاً: واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون
الحديث عن هؤلاء الصحابة، حديث ممتع ومسعد، والإنسان إذا تحدث عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام عاش في وهج الأخلاق، في روعة البطولات، في جمال القيم، قيم على بطولات على قرب من الله، على إخلاص، على تواضع، على فطنة، على ذكاء، على مواقف حازمة، فالإنسان يحتاج إلى هذه المثل، وإلى تلك القيم، كي يهتدي بها في حياته، و الإنسان يقلد من فوقه، نحن إذا عمِلنا عملا طيبًا فهو تقليد، لكن أصحاب رسول الله الكرام كانت أفعالهم أصيلة حقيقية.

الخلاصة:

يقول عليه الصلاة و السلام:

إن الله اختارني و اختار لي أصحابي

[ورد في الأثر]

هؤلاء الصحابة الكرام نماذج بشرية راقية جداً، ولا بد لواحد منا من أن يلتقي مع أحد الصحابة، إما في السن، أو في الدور الاجتماعي، وإما في الموقف، أو في النموذج، لذلك كل إنسان من المؤمنين ينبغي أن يتخذ من أحد الصحابة الكرام الذي يتوافق مع مرتبته ليكون هذا الصحابي قدوة له.
فسيدنا الصديق هو التلميذ الأول لرسول الله عليه الصلاة والسلام أصدقهم و أكملهم و أشدهم حباً ووفاء وتضحية وأقربهم إلى الله عز وجل.
أبواب البطولات مفتحة في كل العصور، أليس بإمكانك أن تكون مثالا صادقًا في تعاملك مع الناس؟ أبواب الخير مفتحة في كل العصور، فلذلك نحن حين ندرس هذه الموضوعات، فالقصد أن تترجم إلى ممارسات، وأن يكون هؤلاء الصحابة الكرام في قلوبنا وفي حياتنا.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – سيرة الخلفاء الرشدين – سيدنا أبو بكر الصديق – الدرس (5-5) : أدبه وتواضعه في التعامل مع الصحابة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-04-18 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس