الحسن البصري

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الكرام، مع سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم، والتابعيّ في هذا الدرس هو سيدنا الحسن البصري، وهو علَم من أعلام التابعين.

القصة حقيقة مع البرهان عليها:

أيها الإخوة الكرام، يقول اللهُ عزوجل:

(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)

[سورة يوسف]

ويقول تعالى في موضع آخر:

(وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)

[سورة هود]

أي إنَّ القصة لها دور في التربية والتعليم يفوق حدَّ التَّصوُّر، لماذا؟
لأن القصة حقيقة مع البرهان عليها، فأنت حينما تتلقَّى الحقائق بشكل مجرَّد قد تقنعك، ولكنها لا تهزُّك، وثَمَّة فرقٌ بين إحداث القناعة، وبين إحداث الموقف،
القصةُ تنطوي على حقيقة، لكنها مجسَّدة في شخص مِن جلدتك وعلى شاكلتك، يشعر بما تشعر، ويتألَّم بما تتألَّم، ويتحمَّل الضغوط نفسها، وتغريه الشهوات نفسها، ويقف هذا الموقف الكامل، هذا من شأنه أن يحدث فيك موقفا، وشتَّان بين القناعة وبين الموقف،
القناعة تستقرُّ في الدماغ، ولكن الموقف يتغلغل إلى كيان الإنسان، كم من طبيب مقتنع أشدَّ القناعة أنّ الدخان حرام، أو أنّ الدخان مُؤْذٍ وضار، ومع ذلك يدخِّن، ولكن حينما يقف أمام غرفة العمليات، ويرى بأمِّ عينه إنسانا شابًّا سويًّا قويًّا متينا، في أوجِّ نجاحه وعطاءه، مُصاب بسرطان في الرئة، هذا المنظر يحدث في الطبيب موقفا، فيدَع بسببه الدخان، أما المقالات فتحدث له قناعة فحسب، والقناعة شيء، والموقف شيء آخر، فإذا قنعت فربَّما كان تصرُّفُك بعيدا عن قناعتك، لكنك إذا تأثَّرت هذا التأثُّر يحدث موقفا، وهذا التأثر يتغلغل في كيانك كله حتى يسهم في إحداث موقف،
لذلك نحن نتمنى المواقف لا القناعات، والقناعات متوافرة، فما من مسلم إلا وهو قناعة أن دينه حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، لكن لماذا المعصية؟ ولماذا الانحراف؟ ولماذا التقصير؟ لأن القناعات متوفرة، لكن التأثير ضعيف، لذلك أردتُ أن يكون هذا الدرسُ درس قصة إسلامية حتى تروا إنسانا يشترك معك في كل شيء، وتشترك معه في كل شيء، ومع ذلك كان في أعلى علِّيِّين.

نشأته:

أيها الإخوة، البشير هو الذي يبشِّر، جاء البشيرُ يبشِّر زوج النبي أمِّ سلمة رضي الله عنها بأن مولاتها خيرة قد وضعت حملها، وولدت غلاما، فغمرت الفرحةُ فؤادَ أم المؤمنين رضوان الله عليها، وطفحَت البشرى على محيَّاها النبيل الوقور، جارية عند أم سلمة اسمُها خيرة، أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام، ولها خصائص وميزات تنفرد بها، وبادرت فأرسلت رسولا ليحمل إليها الوالدة ومولودها، لتقضيَ فترة النفاس في بيتها، في بيت أم سلمة،
فسيدنا الحسن البصري هو هذا الغلام، أين نشأ؟ في بيت إحدى زوجات النبي عليه الصلاة و السلام، فقد كانت خيرة أثيرة عند أم سلمة حبيبةً إلى قلبها،
ولسنا في معرض الدخول في موضوع العبيد والجواري، فقد ولَّى الزمنُ الذي كان فيه العبيد و الجواري،
ولكن من أجل أن تعلَموا أن زيد بن ثابت حينما وصل إليه أهله، وكان عند النبي وخيَّره النبيُّ بين أن يذهب مع أهله وبين أن يبقى عنده، فاختار النبيَّ عليه الصلاة والسلام، ولكم أن تفهموا من هذه القصة كلَّ شيء، لماذا اختار زيدُ بن ثابت أن يبقى عند النبي؟ لشدَّة الرحمة والعطف الذي وجدهما في بيت النبي،
وعلى كلٍّ فهذه الجارية المولاة لأم سلمة لا تقلُّ عن ابنتها حبًّا وعطفا ورحمة، فلما ولدت غلاما دعت الأمَّ ومولودها لتقبع في بيت أم سلمة، وكان بها لهفة وتشوَّقٌ لرؤية وليدها البكر.
أيها الإخوة، النظام الإسلامي أو المنهج الربَّاني يجعل حياة المؤمن كلَّها سعادة، فحينما يتزوَّج يسعد بزوجته، وبعد حين يسعد بأولاده، وبعد حين آخر يسعد بأولاد أولاده، وكلُّ طور من أطوار المؤمن فيه نوع من السعادة ينفرد بها هذا الطَّورُ،
لكن حياة الانحراف ما دامت هذه الفتاة شابَّةً نضرة لها من يطلبها، فإذا سلكت طريقَ الحرام، وزوى جمالُها، وكبرت سنُّها أُلقيت في الطريق كما تُلقى الفأرة الميَّتة،
وازِن الآن بين فتاة تزوَّجت، وأنجبت، وأصبحت أمًّا، ثم أصبحت جدَّةً، وازنْ بين مكانتها الرفيعة، الجدة لها مكانة كبرى في أيِّ أسرة، وازنْ بين مكانتها كامرأة ذات خبرة وعلم ومكانة، وبين امرأة ملقاةٍ في قارعة الطريق، لأنها سلكت في أيام شبابها طريق الحرام، فلما زوى جمالُها أُلقيت في الطريق،
ولذلك أنا أعرف أنّ ما مِن امرأةٍ منحرفةٍ ترى فتاةً تحمل وليدها إلا وتذوب كما تذوب الشَّمعةُ، تمنِّيًا أن يكون مثلها، فتطبيقُ منهج الله عزوجل يمنح الإنسانَ سعادة ما بعادها سعادة،
وحياة الإنسان كل سن له متعة ينفرد به، و ما هو إلا قليل حتى جاءت خيرةُ تحمل طفلها على يديها، فلما وقعت عينا أمِّ سلمة على الطفل امتلأت نفسُها أُنْسًا به وارتياحا له، ثم إنك إذا تأمَّلت حكمة الله عزوجل، فما حكمة الله أن هذا الطفل الصغير محبَّبٌ إلى القلوب يتميَّز بصفات نفسية نادرة، الصفاء، الذاتية، العفوية، هذا الطفل لو أحزنته و لو أبكيته فبعد ثانية ينسى ويضحك، ليس عنده حقد، ولو أن كل طفل حقد على أمه وأبيه إذا أدَّبوه فالقضية كبيرة جدا، ذاتية على صفاء، على لطف، على فطرة سليمة، فالأولادُ يملؤون البيت بهجة وسرورا، فإذا الإنسان رزقه اللهُ الأولادَ فهذه نعمة، فلا يضجر، لأنّ هناك من يضجر، هذه نعمة كبرى خصَّك الله بها، أنت عليك أن تعتنيَ بهؤلاء الأولاد كي يكونوا استمرارًا لك.
كان هذا الوليدُ الصغيرُ قسيمًا وسيمًا – أي جميلا حسن الوجه – بهيَّ الطلعة، تامَّ الخِلقة، يملأ عينَ الناظر إليه، ويأسر فؤادَ رائيه، ثم التفت إلى وملاتها،
وقالت:

أسمَّيتِ غلامك يا خيرة؟

قالت: كلا يا أمَّاه، لقد تركتُ ذلك لك لتختاري له من الأسماء ما تشائين،
فقالت

نسمِّيه على بركة الله الحسن

ثم رفعت يديها، ودعت له بصالح الدعاء، والنبي علَّمنا أنّ على الإنسان أنْ يسمِّيَ قبل أن يقارب أهله، فإذا جاءه مولودٌ يأتي هذا المولودٌ بعيدا عن نزغات الشيطان، وهذا من السنة، فمن والده؟ الفرحة بهذا المولود لم تقتصر على بيت أم سلمة أم المؤمنين، وإنما شاركها بيتٌ آخر من بيوت المدينة، هو بيتُ الصحابي الجليل زيدِ بنِ ثابتٍ كاتبِ وحيِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك أن يسارًا والدَ الصبي كان مولًى له أيضا، فالوالد مولى لسيدنا زيد بن ثابت، والوالدة كانت مولاة لسيدتنا أم سلمة زوج النبي عليها رضوان الله، وكان من آثر الناس عنده، وأحبِّهم إليه،
بصراحة أقول لإخواننا الذين عندهم محلاَّت تجارية: هذا الموظَّف، هذا أحد أولادك، هكذا الإيمان، أي باللطف والإحسان والمودَّة والعطف والمحبَّة، هكذا الإسلام، ليس هناك تفرقة، أنا أقول لكم كلمة:

واللهِ إنْ لم تعاملْ مَن عندك كما تعامل ابنَك فلن ترقى عند الله

فالقضية دقيقة جدا، والإيمان مرتبة عالية فالإسلام كمال، والإسلام عدالة ورحمة، وخلُق، و عطاء، وليس أخذا، يقولون كلمة بالتعبير الحديث ” استراتيجية ”
أنا أقول:

استراتيجية المؤمن مبنية على العطاء، واستراتيجية الكافر على الأخذ

حتى إنه قيل: انظُر ما الذي يسعدك، أن تعطي أو أنْ تأخذ، فإن كان الذي يسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة، وإن كان الذي يسعدك أنْ تأخذ فأنت من أهل الدنيا، هذه علامة.
درجَ الحسنُ بن يسار الذي عُرف فيما بعد بالحسن البصري في بيت من بيوت رسول اله صلى الله عليه وسلم، ورُبِّيَ في حجر زوجةٍ من زوجات النبي، هي هند بنت سٌهيل، المعروفة بأم سلمة، وأمُّ سلمة إنْ كنتَ لا تعلم أيها الأخ الكريم كانت من أكمل نساء العرب عقلا، وأوفرهن فضلا، وأشدهن حزما، حزم على عقل، على فضل، وكانت من أوسع زوجات رسول الله صلى الله عليه سلم علما وأكثرهن رواية عنه، إذْ روت عن النبيِّ صلى الله عليه و سلم ثلاثمائة وسبعة و ثمانين حديثا، كانت راويةً لحديث عن رسول الله، ولا يوجد أروع من العلم مع الخُلق،
فالذي يرفعك إلى أعلى عليِّين أن تكون أخلاقيا بقدر ما أنت عالم، وأنت عالم بقدر ما أنت أخلاقي، هذان الخطَّان إذا ارتقيتَ فيهما فأنت في أعلى عليِّين، و كانت إلى ذلك كلِّه من النساء القليلات النادرات اللواتي يكتبن في الجاهلية، وإنما امتدَّت إلى أبعدَ من ذلك، فكثيرا ما كانت خيرة أمُّ الحسن تخرج من البيت لقضاء بعض حاجات أم المؤمنين، فكان الطفلُ الرضيع يبكي من جوعه، ويشتدُّ بكاؤه، فتأخذه أمُّ سلمة إلى حجرها، وتلقمه ثديها لتصبِّره، وتعلِّله عن غياب أمه،
إذًا هذا التابعيُّ الجليل رضع من زوجة رسول الله، فكأن النبيَّ أبوه من الرضاعة، وكانت لشدَّة حبِّها إياه يدرُّ ثديُها لبنا سائغا في فمه فيرضعه الصبيُّ، ويسكت عليه، وبذلك غدت أمُّ سلمة أمًّا للحسن من جهتين، فهي أمُّه بوصفه أحد المؤمنين، لأنها أمُّ المؤمنين، وهي أمُّه من الرضاعة أيضا، ولقد أتاحت الصِّلاتُ الواشجة بين أمهات المؤمنين وقرب بيوت بعضهن ببعض بالغلام السعيد أن يتردَّد على هذه البيوت كلها،
تردَّد الحسنُ البصري على بيوت رسول الله، وتخلَّق بأخلاق ربَّاتها جميعا، و اهتدى بهديهم، وقد كان كما يحدِّث عن نفسه يملأ هذه البيوت بحركته الدائبة، و يُترعها بلعبه النشيط، حتى إنه كان ينال سقوف بيوت أمهات المؤمنين بيديه، وهو يقفز فيها قفزا،
ظلَّ الحسن يتقلَّب في هذه الأجواء العبِقة بطيوب النبوة، المتألَّقة بسناها، نحن ما أتيح لنا أن نلتقيَ بنبيٍّ، لكن أنا أتصوَّر أن الإنسان لو التقى بنبيٍّ فهذا شيء كبير وعظيم،
وكان أحدُ الصحابة اسمه ربيعة يخدم النبيَّ، فلما يأتي وقتُ نوم النبيِّ يقول له: انصرف، انتهى، أين ينام هذا الصحابي؟ على طرف باب بيت النبي، من شدة تعلُّقه به،
فكمالُ الإنسان إذا كان في أَوَّجِّه لا يُصدَّق، أنا أتصوَّر أن الصحابة الكرام أحبُّوا النبيَّ حبًّا فات حدَّ الخيال، هل هناك امرأة تتحمَّل نبأَ موت زوجها، ثم موت أخيها، ثم موت أبيها، زوج، وأخ، وابن، وأب، وراء بعضهم؟
فعن سعد بن أبي وقاص قال:

مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، فلما نعوا لها، قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؟ قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل! تريد صغيرة

[سيرة ابن هشام]

لا قيمة لها، هكذا أحبَّ الصحابةُ رسولَ الله.
إخواننا الكرام الإسلام كلُّه حبٌّ، فإذا كان القلبُ لا يخفق بالحبِّ فهو مثل وردة بلاستيك، كبيرة وحمراء، ولكنَّ النفس لا تهفو إليها، أما الوردة الطبيعية فشيء جميل جدًّا، فلا إيمان لمن لا محبَّة له، وإذا لمْ تحب الله عزوجل فلن تدمع هذه العينُ أبدا؟ تقرأ القرآن وكأنه كتاب عادي، وتصلِّي وكأنك في حركات رياضية، أين الحبُّ، وأين المناجاة؟ و أين أنت من قوله تعالى:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)

[سورة الأنفال]

أين هذه؟ أين:

(كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)

[سورة الذاريات]

أين هذه؟

ملازمته للصحابة وأخذه عنهم:

هذا التابعي الجليل تتلمذ على أيدي كبار الصحابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عن عثمانَ بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وغيرهم، لكنه أُولِع أكثر ما أولع بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والإنسان الذي لا قدوة له ما هذا الإنسان؟ إنسان ليس له منهلٌ علمي؟ إنسان ليس له مسجد يؤمُّه، ليس له إخوان يستأنس بهم، يعيش تائها شاردا، على هامش الحياة.
إخواننا الكرام الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، ولزوم الجماعة من فرائض الدين،
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ فَلَا يُؤَذَّنُ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَوَاتُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ عَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ

[رواه أحمد]

قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)

[سورة التوبة]

وقال تعالى:

(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)

[سورة الكهف]

راعه من هذا الصحابي الجليل صلابتُه في دينه – سيدنا علي – وإحسانه لعبادته، وزهادته في زينة الدنيا، وغلبه بيانُه المشرِق، وحكمته البالغة، وأقواله الجامعة، وعظاته التي تهزُّ القلوبَ، وتخلَّق في أخلاقه بالتقى والعبادة، ونسج على منواله في البيان والفصاحة،

انتقاله للبصرة:

ولما بلغ الحسنُ أربعة عشر ربيعا من عمره، ودخل في مداخل الرجال، انتقل مع أبويه إلى البصرة، واستقرَّ فيها مع أسرته، ومِن هنا نُسِب الحسنُ إلى البصرة، وعُرِف بين الناس بالحسن البصري، والبصرة كانت يومئذ قلعةً من أكبر قلاع العلم في عالَم المسلمين، وكان مسجدُها العظيم يموج بمَن ارتحل إليها من كبار الصحابة، وجلَّة التابعين، وكانت حلقاتُ العلم على اختلاف ألوانها تعمر باحات المسجد ومُصَلاَّه،
لزم الحسنُ البصري المسجد، وانقطع إلى حلقة عبد الله بن عباس حبر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأخذ عنه التفسير، والحديث، والقراءات، كما أخذ عنه وعن غيره الفقهَ واللغةَ والأدب وغيرها، حتى غدا عالما جامعا فقيها ثقةً، فأقبل الناسُ عليه ينهلون من علمه الغزير.

انتشار خبره:

فالتفَّ الناسُ حول الحسن البصري يسيخون إلى مواعظه التي تستلين القلوبَ، وتستدرُّ الدموعَ، ويَعُونَ حكمته التي تخلب الألباب، ويتأسَّون بسيرته التي كانت أطيبَ مِن نَشر المسك، وقد انتشر أمرُ الحسن البصري في البلاد، وفشا ذكرُه بين العباد.
دقَّق أيها الأخ الكريم في قوله تعالى:

(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5))

[سورة الشرح]

لا يوجد إنسان يطلب العلم بإخلاص إلا رفعه الله عزوجل، أحيانا تجد أسماءً متألِّقة، أسماء علماء متألِّقين جدا، هذا كان دولاتيًّا، وهذا كان لحَّامًا، وهذا كان نجَّارا، لا يخطر ببالك أن يُذكر العالِم مليون مرة أنه كان نجَّارا، وصار أكبر بكثير من أن يكون نجَّارا، صار عالما، لأنّ رتبة العلم أعلى الرتب، ولما يطلب الإنسانُ العلمَ بإخلاص يرفع اللهُ شأنَه، قال تعالى:

(وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)

[سورة الشرح]

إنّ كلَّ آية يختصُّ بها النبيُّ عليه الصلاة والسلام فللمؤمن منها نصيب، انتشر أمرُ الحسن في البلاد، وفشل ذكرُه بين العباد، فجعل الخلفاءُ والأمراءُ يتساءلون عنه، ويساقطون أخبارَه.

(وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)

وصفه:

حدَّث خالد بن صفوان فقال: لقيتُ مَسلمةَ بنَ عبد الملك في الحيرة
فقال لي: أخبرني يا خالدُ عن حسن البصرة، فإني أظنُّ أنك تعرف من أمره ما لا يعرف سواك؟
فقال: أصلح اللهُ الأمير، أنا خيرُ مَن يخبِرُك عنه بعلم،
قال: أنا جارُه في بيته، وجليسه في مجلسه، و أعلم أهل البصرة به،
قال: هاتِ ما عندك
قلتُ: إنه امرؤٌ سريرته كعلانيته
لا توجد ازدواجية، موقف معلَن، وموقف حقيقي، شيء يقال، وشيء لا يقال، شيء نفعله في العلن، ونفعل عكسه في السرِّ، هذه الازدواجية المقيتة، وهذا النفاق الحسنُ البصري بريء منه
قال له: إنه امرؤ سريرته كعلانيته وقوله كفعله، إذا أمر بمعروف كان أَعْمَلَ الناس به، وإذا نهى عن منكر كان أَتْرَكَ الناس له، ولقد رأيتُه مستغنيا عن الناس، زاهدا بما في أيديهم، ورأيت الناس محتاجين إليه، طالبين ما عنده
فقال مسلمةُ: حسبُك يا خالد كيف يضلُّ قومٌ فيهم مثلُ هذا

مصدر مكانته:

سأله واحد: بِمَ نِلتَ هذا المقام؟
قال:

باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي

موقفه مع الحجاج:

ولما وليَ الحجَّاجُ بن يوسف الثقفي العراقَ، وطغى في ولايته وتجبَّر، كان الحسنُ البصري أحدَ الرجال القلائل الذين تصدَّوا لطغيانه، وجهروا بين الناس بسوء أفعاله، وصدعوا بكلمة الحق في وجهه، فعَلِمَ الحجَّاجُ أن الحسن البصري يتهجَّم عليه في مجلس عام، فماذا فعل؟ دخل الحجَّاجُ إلى مجلسه، وهو يتميَّز من الغيظ،
وقال لجلاَّسه: تبًّا لكم، سُحقا، يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة، و يقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يردُّه، أو ينكر عليه، واللهٍ لأسقينَّكم من دمه يا معشر الجبناء، ثم أمر بالسيف والنطع
إذا كان يُريد قطعَ رأس إنسان بمكان فيه أثاث فاخر حتى لا يلوِّث الدمُ الأثاثَ يأتون بالنطع، والنطع قطعة قماش كبيرة، أو قطعة جلد، إذا قُطع رأسُ من يُقطع رأسُه، لا يلوِّث الدمُ الأثاث، ثم أمر بالسيف والنطع فأُحضِر، ودعا بالجلاد فمَثُل واقفا بين يديه، ثم وجَّه إلى الحسن بعضَ جنده، وأمرهم أن يأتوا به، ويقطعوا رأسه، وانتهى الأمرُ،
وما هو إلا قليل حتى جاء الحسنُ، فشخصتْ نحوه الأبصارُ، ووجفت عليه القلوبُ، فلما رأى الحسنُ السيفَ والنطع والجلادَ حرَّك شفتيه، ثم أقبل على الحجاج، وعليه جلالُ المؤمن، وعزة المسلم، ووقارُ الداعية إلى الله،
فلما رآه الحجاجُ على حاله هذه هابه أشدَّ الهيبة، وقال له: ها هنا يا أبا سعيد، تعالَ اجلس هنا، فما زال يوسع له و يقول: ها هنا، والناس لا يصدَّقون ما يرون،
طبعا طُلب ليقتل، والنطع جاهز، والسيَّاف جاهز، وكلُّ شيء جاهز لقطع رأسه، فكيف يستقبله الحجَّاج، ويقول له: تعال إلى هنا يا أبا سعيد، حتى أجلسَه على فراشه، ووضَعَه جنبه،
ولما أخذ الحسنُ مجلسه التفت إليه الحجَّاجُ، وجعل يسأله عن بعض أمور الدين، والحسنُ يجيبه عن كلِّ مسألة بجنان ثابت، وبيان ساحر، وعلم واسع، فقال له الحجاج: أنت سيدُ العلماء يا أبا سعيد، ثم دعا بغالية – نوع من أنواع الطيب – وطيَّب له بها لحيته، وودَّعه،
ولما خرج الحسنُ من عنده تبعه حاجبُ الحجاج،
وقال له: يا أبا سعيد، لقد دعاك الحجاجُ لغير ما فعل بك، دعاك ليقتلك، والذي حدث أنه أكرمك، وإني رأيتك عندما أقبلت، ورأيتَ السيفَ والنطعَ قد حرَّكتَ شفتيك، فماذا قلت؟
فقال الحسن: لقد قلت:

يا وليَ نعمتي، وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته بردا و سلاما عليَّ، كما جعلت النارَ بردا وسلاما على إبراهيم

قال تعالى:

(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)

[سورة النمل]

لقد علَّمنا اللهُ في القرآن شيئًا أصعب من قطع الرأس، أنْ يكون الإنسان في بطن حوت، وفي الليل، وفي البحر، قال تعالى:

(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)

[سورة الأنبياء]

إخواننا الكرام،

مَن هاب اللهَ هابه كلُّ شيء، ومَن لم يهب اللهَ أهابه اللهُ مِن كل شيء

حتى يصبح خائفًا من ظله.

موقفه مع الحق:

مِن هذه المواقف البطولية أنه بعد أن انتقل الخليفةُ الزاهد عمر بن عبد العزيز إلى جوار ربِّه، وآلت الخلافةُ إلى يزيد بن عبد الملك، ولَّى على العراق عمر بن هبيرة الفزاري، ثم زاده بسطةً في السلطان،فأضاف إليه خراسان أيضا،
وسار يزيد سيرةً غير سيرة سلفه العظيم، يزيد لم يكن على سيرة عمر بن عبد العزيز، فكان يرسل إلى عمر بن هبيرة بكتاب تلوَ الكتاب يأمره بإنفاذ ما فيه، ولو كان مجافيا للحقِّ،
أحيانا يزيد يرسل كتبا وأوامرَ وتوجيهات لواليه على البصرة و خراسان، هذه الأوامر مجافيةٌ للحق، أي فيها ظلم،
فدعا عمرُ بن هبيرة كلاًّ من الحسن البصري وعامر بن شرحبيل، المعروف بالشعبي، وقال لهما: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك قد استخلفه اللهُ على عباده، وأوجب طاعته على الناس، وقد ولَّاني ما ترون من أمر العراق، ثم زادني فولاَّني فارسا، وهو يرسل إليَّ أحيانا كتبا يأمرني فيها بإنفاذ ما لا أطمئن إلى عدالته، فهل تجدان لي في متابعتي إياه، وإنفاذ أمره مخرجا في الدين؟
فأجاب الشعبي جوابا فيه ملاطفة للخليفة، ومسايرة للوالي والحسن ساكت،
فالتفت عمرُ بن هبيرة إلى الحسن، وقال: وما تقول أنت يا أبا سعيد؟
فقال:

يا ابن هبيرة خفِ اللهَ في يزيد، ولا تخف يزيدَ في الله، واعلم أنّ الله جلَّ وعزَّ يمنعك من يزيَد، وأنّ يزيدَ لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملكُ غليظ شديد، لا يعصي اللهَ ما أمره، فيزيلُك عن سريرك، وينقلك من سَعة قصرك إلى ضيق قبرك، حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك الذي خالفتَ فيه ربَّ يزيد، يا ابن هبيرة إنك إن تكُنْ مع الله تعالى في طاعته يكفِك ضائقةَ يزيد في الدنيا والآخرة، وإنْ تكُن مع يزيد في معصية الله تعالى فإنّ الله يكِلُك إلى يزيد، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق

فبكى ابن هبيرة حتى بلَّت دموعُه لحيته، ومال عن الشعبي – تركه – إلى الحسن، وبالغ في إعظامه وإكرامه، فلما خرجا من عنده – الشعبي والحسن – توجَّها إلى المسجد، فاجتمع الناسُ عليهما، وجعلوا يسألونهما عن خبرَيْهِما مع أمير العراقين
مثل الآن العراق وإيران، والي العراق وإيران، هذا ملِك
فالتفت الشعبي إليهم وقال: أيها الناسُ من استطاع منكم أن يؤثر اللهَ عزوجل على خلقه في كل مقام فليفعل، فوالذي نفسي بيده ما قال الحسنُ لعمر بن هبيرة قولا لا أجهله و لكنني أردتُ فيما قلت وجهَ ابن هبيرة، وأراد فيما قاله وجهَ الله،
أنا سايرتُ، ولكني أردتُ فيما قلته وجهَ ابن هبيرة، وأراد فيما قاله وجهَ الله،
فأقصاني اللهُ من ابن هبيرة وأدناه منه و حبَّبه إليه

مَن أرضى الناسَ بسخط الله سخِط عنه اللهُ، وأسخطَ عنه الناسَ، ومَن أرضى اللهَ بسخط الناس رضيَ عنه اللهُ، وأرضى عنه الناسَ

بعض أقواله:

ومن أقوال الحسن:

إن مثل الدنيا والآخرة كمثل المشرق والمغرب، متى ازدَدْتَ من أحدهما قربا ازدَدْتَ من الآخرة بعدا

وقال له أحدُهم: صِف لي هذه الدارَ – دار الدنيا –
قال:

ماذا أصف لك من دارٍ أولها عناء، وآخرها فناء، وفي حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، مَن استغنى فيها فُتِن، ومَن افتقر فيها حزن

وسأله آخر أيضا: ماذا فعلنا بأنفسنا؟
قال:

لقد أهزلنا ديننا، وسمَّنا دنيانا، وأخلقنا أخلاقنا، وجدَّدنا فرشَنا وثيابنا، يتَّكئُ أحدنا على شماله، ويأكل من مالٍ غير ماله، طعامه غصبٌ، و خدمته سُخرة، يدعو بحلوٍ بعد حامض، وبحارٍّ بعد بارد، وبرطبٍ بعد يابس، حتى إذا أخذته القِظَّةُ تجشَّأ من البشم، ثم قال: يا غلام هات هضوما يهضم الطعام، يا أُحَيْمق واللهِ لن تهضم إلا دينك، أين جارُك المحتاج؟ أين يتيمُ قومك الجائع؟ أين مسكينُك الذي ينظر إليك؟ أين ما وصَّاك به اللهُ عزوجل؟ ليتك تعلم أنك عددٌ، وأنه كلما غابت عنك شمسٌ نقص شيءٌ من عددك، ومضى بعضُه معك

وفاته:

في ليلة الجمعة من غُرَّة رجب سنة (110هـ ) لبَّى الحسنُ البصري نداءَ ربِّه، فلما أصبح الناسُ، وشاع الخبرُ فيهم ارتجَّت البصرةُ بموته رجًّا، فغُسِّل وكُفِّن و صُلِّيَ عليه بعد الجمعة، في الجامع الذي قضى في رحابِه حياتَه عالما ومعلِّما و داعيا إلى الله، ثم تبِع الناسُ جميعا جنازته، فلم تُقَمْ صلاةُ العصر في ذلك اليوم بجامع البصرة، لأنه لم يبق فيها أحدٌ يقيم الصلاة، ولا إنسان، وقد قيل: ولا يعلم الناسُ أن الصلاة عُطِّلت في جامع البصرة منذ أن بُنِيَ إلى ذلك اليوم، يوم انتقال الحسن البصري إلى جوارِ ربِّه.
هذا أحد التابعين، فإذا سمعتم الحسنَ البصري فهذا هو الحسن البصري، طبعا هذه بعضُ قصصه، وله قصص أخرى.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – سيرة التابعين الأجلاء – الدرس 07-20 : التابعي الحسن البصري
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-06-08 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس