علي بن أبي طالب حكم ومواعظ 2

بسم الله الرحمن الرحيم

النفس والشهوة:

أيها الأخوة الكرام، مع سيرة الإمام الكبير سيدنا علي بن أبي طالب كرَّم الله تعالى وجهه، ولقد تحدَّثنا في سابقاً عن طائفةٍ من أقوال هذا الإمام، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

أنا مدينةُ العلم وعليٌ بابها

[أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس]

وكلما قرأنا من أقوال الإمام قولاً وجدنا في هذا القول مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول هذا الإمام الجليل:

من كرُمتْ عليه نفسُه هانت عليه شهواتُه

أيْ: مَن عَرَف قدرَ نفسِه، ومن عرَف سرَّ وجوده، ومن عرف، لماذا خلقه الله عزّ وجل؟ ومن عرف عظمة الدار الآخرة وما فيها من نعيمٍ مقيم، ومن عرف أنه المخلوق الأول والمكرَّم والمكلَّف يضع شهواته تحت قدمه، وهذه هي البطولة،
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،:

لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ

[أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح]

بعضهم لخّص الحضارة الغربية بكلمتين، فقال:

سيطرة على الطبيعة

وبعضهم لخص الحضارة الإسلامية بكلمتين، فقال:

سيطرةٌ على الذات

غير المؤمن كالحيوان الجموح، يتحرَّك بلا ضوابط، بينما المؤمن مقيدٌ بالأمر والنهي، لذلك إذا دعته شهوته إلى معصية الله جعل شهوته تحت قدمه.
بالمناسبة ما كان الله ليعذب قلباً بشهوةٍ ترَكها صاحُبها في سبيل الله، أيُّ إنسان إذا شعر بنزوعٍ نحو شهوةٍ ما، وترك هذه الشهوةَ لله، فما كان الله ليعذب قلبه بهذه الشهوة، بل إنّ الله سبحانه وتعالى يرزقه حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

من غض بصره عن محارم الله رزقه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه

[ورد في الأثر]

أيُّ منظرٍ جميلٍ تتوق له النفس، فإذا قلت: إني أخاف الله رب العالمين، أعطاك الله سعادةً تفوق هذه الشهوةَ التي حرمت نفسك منها بملايين المرات، وهذا هو سر الدين،
فأنت إنسانٌ لك جسم، ولك نفس، جسمك له طباع، ونفسك لها خصائص، نفسك مفطورةٌ على معرفة الله وعلى طاعته، وجسمك مفطورٌ على الراحة، لذلك كل التكاليف تتناقض مع طبيعة الإنسان، وكل التكاليف تتوافق مع فطرة النفس، فالفطرة متوافقةٌ مع الأمر والنهي، الإنسان لا ترتاح نفسه إلا إذا أطاع الله عزّ وجل، لا ترتاح نفسه إلا بطاعة الله، لكن جسمه قد تتناقض حاجاته مع الأمر والنهي، الصيام يتناقض مع حاجات الجسد، غض البصر يتناقض مع حاجات الجسد، إنفاق المال يتناقض مع حاجات الجسد، أداء الصلوات يتناقض مع حاجات الجسد، إذًا: هذا معنى قول الله عزّ وجل:

(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)

[سورة الليل الآية: 5-7]

(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)

[سورة النازعات الآية: 40-41]

وهذه الشهوة كلما عظَّمتها ورأيتها شيئاً مهمًّا كلما ضعفت طاعتك لله عزّ وجل.

الصحبة:

ويقول هذا الإمام الكبير:

زهدك في راغبٍ فيك نقصان حظ، ورغبتك في زاهدٍ فيك ذل نفسٍ

عوِّد نفسك أن الذي يقبل عليك أعطه روحك، أعطه اهتمامك، أعطه حبك، أعطه كل ما تملك، والذي يزْوَرُّ عنك كن أنت أشد ازورارًا عنه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام فيما ورد عنه يقول:

لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له

[ورد في الأثر]

فإذا صاحبت من يعرفون قدر إيمانك، وأنت مؤمن، ودخلُك محدود فهؤلاء أنت عندهم مكرَّم، إن صاحبت أهل الغنى ممن هم ضعاف الإيمان لا يرون لك قيمةً عندهم، أول سؤال يواجهونك به عن دخلك، فإذا كان دخلك قليلاً ازْوَرُّوا عنك، هم زاهدون فيما عندك من إيمان ومن علم ومن حكمة، يقيمونك في ضوء مالك، إذًا:

لا تصحب مَن لا يرى لك مِنَ الفضل مثلَ ما ترى له

مِن هنا فلتُصاحِب المؤمن،
يَقُولُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ

[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد في سننه]

إن صاحبت مؤمناً فإنه يعرف فيك الشيء الكثير، يعرف قيمة إيمانك وقيمة ورعك وقيمة علمك وقيمة حكمتك، تشعر أنك معززٌ مكرمٌ محبوبٌ عنده، أما إذا صاحبت أهل الدنيا ازدروك وازدروا إيمانك.
أحد أسباب التوفيق أن تعرف من تصاحب، وقد ورد في الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري:

لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله ولا يدلُّك على الله مقاله

أي هو متصل بالله عزّ وجل، هذا الاتصال من علامته أنك إذا جلست إليه امتلأ قلبك سروراً، أنست به، والدليل على ذلك:
أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءه سيدنا الصديق مع سيدنا حنظلة، وقد رأى الصديق حنظلة يبكي،
فقال له:

ما لك يا حنظلة ؟

قال:

نافق حنظلة

قال:

ولمَ يا أخي؟

قال:

نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين فإذا عافسنا الأهل ننسى

فقال:

أنا كذلك يا أخي انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

فلما انطلقا إليه،
قال:

أما أنتم يا أخي فساعةٌ وساعة، أما نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ولزارتكم في بيوتكم

[ورد في الأثر]

وأنا أقول لكم: واللهِ ليس في الدنيا شيءٌ أسعد مِن أنْ تجالس مؤمناً، وإذا جلست مع غير المؤمن تحس بالقهر، أو بَطِر، أو تكبر، أو مسحوق، أو مقهور، أما إذا جلست إلى مؤمن تصبح منه التفاؤل لأن الأمر بيد الله، هؤلاء الذين تظنونهم أقوياء في العالم كلهم بيد الله، وكلهم في قبضة الله، ونحن ما إن نصطلح مع الله عزّ وجل حتى ينصرنا عليهم، إذًا:

إن زهدك في راغبٍ فيك نقصان حظ

إنسان يحبك ويقدرك، طَلَبَ زيارتك أتقول له: ليس عندي فراغ؟

زهدك في راغبٍ فيك نقصان حظ، ورغبتك في زاهدٍ فيك ذل نفسٍ

وهذا القول تسمعونه مني كثيراً جداً:

الغنى والفقر بعد العرض على الله

إنّ الحياة أمدُها قصير، وشأنها حقير، فالغني فيها غنيٌ لأمدٍ محدود، والفقير فيها فقيرٌ لأمدٍ محدود، لكنّ العطاءَ الحقيقيَّ هو ما كان أبدياً سرمدياً، فمن ضعف تفكير الناس أنهم يعطون الدنيا حجماً كبيراً، فيقولون لمن كان غنياً فيها: هنيئاً له، وأنصح لكم في هذا الموضوع أنْ تقرؤوا قصة قارون، قال تعالى:

(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ)

[سورة القصص الآية: 79-80]

وهذا الكلام لنا جميعاً، لو كنت في الدرجة الاجتماعية الدنيا، ولو كان دخلُك مِن أقلِّ الدخول، ولو كنتَ من أدنى الناس، فلا تبتئس إنْ كنتَ في رحاب الإيمـان، فأنت الفائز والمتفوق، والفالح، والناجح، وأن العاقبة لك، وأنك حققت كل النجاحات.

الإيمان:

ويقول هذا الإمام الجليل:

الإيمان أنْ تُؤثِر الصدق حيث يضرُّك على الكذب حيث ينفعك، وألا يكون في حديثك فضلٌ على عملك، وأن تتقي الله في حديث غيرك

طبعاً أحياناً الإنسان تنسجم مصالحه مع الشرع، لا ندري أهذا هو الإيمان، أم هذه مصالحه؟ أي عليه مبلغ من المال دَيْنًا، ومع خصمه سندٌ، وخصمه إنسان مُخيفٌ، فإن لم يدفع هذا المبلغ أقام عليه دعوى، وحَجَزَ على أملاكه، وَشَوَّه سمعته في البلد، فإذا بادر إلى دفع هذا المبلغ نجا وحفظ قدْرَه، وهذا سلوك مدني، أما الأمانة فهي غير هذا، فهذا أمين، لأنه يتعامل مع الله سبحانه.
لقد ألقيتُ درساً في المسجد قبل عام أو عام ونصف عن الأمانة، وذكرت فيه نقطة دقيقة: أن الأمانة لا تكون أمانةً كما أرادها الله عزّ وجل إلا بحالاتٍ دقيقة وخاصة، منها: أن إنسانًا أعطاك مبلغًا ضخمًا من دون أن يأخذ منك إيصالاً، ومن دون أن يُعلِم أحداً من البشر، حتى أهله، ثم مات فجأةً، فذهبتَ إلى الورثة بعد موته، وقلت لهم: إن هذا المبلغ أمانةٌ لكم عندي فخذوه، هذه هي الأمانة، أي أنك لست مُداناً في الأرض، وبعد أقلَّ من عام عرَّجتُ على هذا الموضوع بسرعةٍ في جامع النابلسي، فجاءتني ورقة مِن أحد الحضور، وأنا واللهِ أعتز بها، وهي عندي في البيت، قال فيها صاحبُها: أنا بِناءً على درس الاثنين في جامع العثمان دفعتُ عشرين مليونًا لجهةٍ لا تملك وثيقةً، ولا معرفةَ لأحدٍ بهذا المبلغ، فكانت هناك شراكة لي مع رب هذه الأُسرة، والشريكُ لم يُعلِم أحداً بهذا المبلغ، وتوفي فجأةً، فقال لي: بناءً على هذا الدرس دفعت هذا المبلغ لأهل الميت، إذًا: هذه هي الأمانة حقًّا.
العفو، وهو أن يكون هناك إنسان نال منك أشدَّ النيل، ثم أصبح في قبضتك، وبإمكانك أنْ تسحقه، فعفوت عنه، هذا هو العفو، لذلك مكارم الأخلاق شيء ثمين جداً، فالإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك، هذا هو الإيمان، كلما تطابقَ الحديثُ مع العمل كنتَ أقربَ إلى الإيمان، وكلما صار ازدواجية، وجرى الكلام للاستهلاك، وكنتَ في وادٍ آخر، فهذا بعدٌ عن الإيمان.

الغيبة:

قال هذا الإمام الجليل:

الغيبة جُهد العاجز

أي أن الناجح في حياته، الموفَّق هذا ليس عنده وقتٌ ليغتاب الناس، لأن الوقت ثمين، كان أحد علماء دمشق الكبار الشيخ بدر الدين رحمه الله تعالى، إذا مرّ بمقهى، يقول: يا سبحان الله، لو أن الوقت يُشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم،
أي أن الوقت أثمنُ شيء في حياة المؤمن، واللهِ لو شققتَ على صدر مؤمن لتمنى أن يكون اليومُ عنده مئة ساعة، لأن رأس مالك هو الوقت، فأنت بالوقت تعرف الله، بالوقت تزداد علماً، بالوقت تزداد قرباً، بالوقت تزداد عملاً، بالوقت تصطلح مع الله، بالوقت تتوب، فأنت وقت، أو الوقــت غلاف عملك، ودائماً وأبداً ضع في ذهنك أن أتفه أعمارك هو العمر الزمني، أي المسافة الزمنية بين الولادة والموت، لكن العمر لا يقيَّم بهذه المسافة الزمنية، أو هذه المدة الزمنية، بل يقيم بحجم العمل الصالح، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، والدليل قوله تعالى:

(وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)

[سورة الأحقاف الآية: 19]

أضرب الآن مثلاً، وهو أن الإنسان إذا جلس في حمام، أو في حوض في الحمام، والماء فاتر، يرتاح جداً، ولكن إذا جلس فيه، أيصبح طبيباً؟ لا يصبح طبيباً فهو مستمتع، ففي الدين أشياء ممتعة، لكن لا ترفعك عند الله، لكن هؤلاء الأشخاص العظام الذين تركوا بصمات واضحة في مجتمعاتهم، هؤلاء الذين جدَّدوا الدين، هؤلاء ما اكتفوا بأحوالِ الرخاء، ولا اكتفوا بسلامة الصدرِ، ولا اكتفوا بانسحابٍ من المجتمع، ولا اكتفوا براحة نفسٍ، هؤلاء بذلوا جهداً، وفتحوا بلادًا، ونشروا علمًا، وأسسوا مدارس، وتركوا آثارًا كبيرة جداً.
فاحفظوا هذه الكلمة أيها الأخوة،

حجمك عند الله بحجم عملك

وكلما ازداد مقامك عند الله قدَّر اللهُ على يديك العمل الصالح، والأدلة كثيرة أيها الأخوة، هذا الذي يأتيه مَلَكُ الموت، ماذا يقول؟

(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)

[سورة المؤمنون الآية: 99-100]

الإنسان إذا جاءه ملك الموت لا يندم إلا على عملٍ صالحٍ فاته، فلذلك:

الغيبة جهد العاجز

الإنسان التافه العاجز الذي لا ليس عنده شيء يقدمه للأُمة، و ليس عنده شيء يقدِّمه لربنا عزّ وجل، بل شغْلُه الشاغل هو أنْ يقيِّم الناس وينتقدَهم، فضلاً أنّ هناك نهياً قرآنياً واضحاً بألاَّ يغتب:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً)

[سورة الحجرات الآية: 12]

أمَّا التافهون فهم الذين يمضون الوقتَ كلَّه في الحديث عن الناس، مالكَ ولهم؟ اجعلْ شعارَك أنَّ لك مقاماً عند الله بحسب استقامتك وإخلاصك وعملك الصالح، هذا المقام لا يتزعزع لا بمدح المادحين، ولا بذم الذامِّين، قال تعالى:

(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً)

[سورة الإسراء الآية: 17]

الدنيا مطية الآخرة عند المؤمن:

قال هذا الإمام:

الدنيا خلقت لغيرها ولم تخلق لنفسها

ليست هي هدفاً، ليست مقصودةً لذاتها، أيْ إذا أردت الدنيا للدنيا فهي أحقرُ مِن أن تُطلَب، لكنك في الدنيا تعرف الله، وفي الدنيا تعمل الصالحات، وفي الدنيا تصطلح معه، لذلك يوم القيامة إذا دخل المؤمنون الجنة:

(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)

[سورة الزمر الآية: 74]

فالجامعة، هل هي مقصودة لذاتها؟ لا، قد يكون الجو في الجامعة غيرَ مريح، الجوُّ أميلُ للبرد، والمقعد غير وثير، لأنه خشب، وليس للمسند انحناء، بل إنه زاوية قائمة، أما المقعد المريح جداً فهو في البيت، وفي القصور، وفي الفنادق، فالجامعة ليست مقصودة لذاتها، يجب أنْ تتخذها مطيةً للعلم والمعرفة، وكذلك الدنيا، فإنّ الإنسان الذي قصدها لذاتها هو أحمق، والحديث:

إياك عبد الله والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين

[ورد في الأثر]

سمعت عن إنسان عمل مشروعًا لا يرضي الله عزَّ وجل، بل يغضب الله عليه، المشروع قائم على الموبقات، ما إن افتتح هذا المشروع ومضى على افتتاحه أسبوعان حتى مات صاحبُه، وترك ألفاً وثمانمئة مليون، إنه أحمق، وأخطر عمل هو الذي يتجدد إثمه بعد موت صاحبه، لأن الإثم مستمر، إذًا: هو غبي، فالذين تركوا صدقاتٍ جارية، تركوا علماً يُنتفع به، تركوا أولاداً أبراراً، تركوا مشروعاً خيرياً، فالخيرات تأتيهم بعد موتهم إلى أبد الآبدين، فالدنيا خلقت لغيرها، ولم تخلق لنفسها، أي لا بد من الحياة الدنيا، ولا تتوهَّمْ وتركنْ، لِمَن يقول: يا ليت سيدنا آدم لم يأكل التفاحة، لبقينا في الجنة، لا، أليس هناك دليل على أنه لا بدّ أنْ نكونَ على الأرض؟ بلى، قال تعالى:

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)

[سورة البقرة الآية:30]

في الأرض، حتى لو أنّ سيدنا آدم لم يأكل التفاحة فلا بدَّ أنْ يهبط إلى الأرض، لأن الأرض مزرعة الآخرة، الدنيا مزرعة الآخرة، أي نحن مثل الجامعة تماماً كل الميزات لا تكون لأصحاب الشهادات العُليا إلا إذا مرّوا في هذا الدرب الإجباري، والمتفوِّقون في اختصاصاتهم درسوا في الجامعة، لا بدَّ من الجامعة.
الدنيا عند المؤمن محبَّبة، ولكن لا يحبها لذاتها، بل يحبها لأنها طريقٌ إلى الجنة، يحبُّ الزواج لأنه بالزواج يعمل الصالحات، بالزواج ينجب أولاداً أبراراً، يحب العمل، لأنه بالعمل يكسب المال وبالمال يرقى إلى الله عزّ وجل، دائماً الدنيا مطلوبةٌ لغيرها لا لذاتها، فإذا طلبتها لذاتها فقد حبط العمل.

أفضل الأعمال:

وقال:

قليلٌ مُداوَمٌ عليـه خيرٌ من كثيرٍ مملولٍ منه

أي اجعل أعمالك دائمةً، ولو أنها قليلة، فإن هذا الدوام يعطيك الثقة، ويعطيك تراكمًا، ويعطيك ثباتًا، ويعطيك رقيًّا، أما هذا الذي يفور ثم يهمد، يُقبِل على العلم إقبالاً مذهلاً ثم يغيب شهراً، وشخصيات كثيرة من هذا النوع، هذا التذبذب الحاد في علاقة الإنسان مع الله هذا ليس في صالحه، لأنه حينما يصعد صعوداً مفاجئاً قد لا يستطيع المداومة عليه فيهبط، إذا هبط أصبح معه ردة فعل معاكسة ربما انزلقت قدمه في هذا الهبوط، وربما انتكس،
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ

[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]

أنت في الإيمان تحتاج إلى ثبات، لك دفع ثابت هذا الدفع أُثبت عليه حتى ترقى عند الله.

أعدى أعداء الإنسان الجهل:

يقول هذا الإمام الجليل:

الناس أعداءُ ما جهلوا

الناس العوام أعداء ما جهلوا، وهذا يسمونه مبدأَ العطالة، فالجسم المتحرك يرفض الوقوف والسكون، والجسم الساكن يرفض التحرك، ففي الفضاء لا يوجد قوة احتكاك، فإذا أعطي هذا القمر سرعةً ابتدائية حافظ عليها إلى ما شاء الله، لكن هو له عمر، فالجسم إذا أعطي سرعة ابتدائية يتحرك ويحافظ على حركته، وإن سكن يحافظ على سكونه، فالأجسام الساكنة ترفض الحركة، والأجسام المتحركة ترفض السكون، وأنت إذا كنت في مركبة وتوقفت فجأةً فأنت ترفض السكون، بل تهجم إلى الأمام، هذا مبدأ فيزيائي،
يا ترى، هل الإنسان العاقل مادة؟ فكل إنسان هبط مستواه عن المستوى الإنساني إلى مستوى الجماد يرفض الجديد، يرفض أنْ يصغيَ لدعوةٍ إلى الله عزَّ وجل، فيقول: هكذا نشأنا، هكذا رُبِّينَا، هكذا نحن، هكذا عاداتنا، هذا كلام الجُهَّال، الذي يقول هذا الكلام هبط إلى مستوى الجماد، أي هذا مبدؤه، مبدأ العطالة، إذا كان ساكناً يرفض الحركة، وإنْ كان متحركًا يرفض السكون، أما المؤمن فقد جاءته رسالة من الله عزَّ وجل، يقرؤها، والقرآن رسالة الله للبشر جميعهم.
فهذا الذي يعادي ما يجهل، أحمقُ كبير، مغرورٌ خطير، الناس أعداء ما جهلوا، يا أخي أصغِ، ولا تكنْ كالذي يحكم على الأمورِ مسبقاً من دون فحص، من دون درس، من دون تأمُّل، من دون دراسة، قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)

[سورة الحجرات الآية: 6]

والإنسان لا ينبغي أن يكون إمَّعة، مَن هو الإمعة؟ الذي ينحرف مع الناس، إنْ أحسنوا أحسن، وإن أساؤوا أساء، وطِّن نفسك على أن تكون حراً، على أن تكون استقلالياً في قراراتك، على أن تكون متحركاً وفق قناعاتك، لا وفق ما يُملى عليك.
هنالك قصة الذين أرسلهم النبي في مهمةٍ استطلاعية، وأمَّر عليهم أنصارياً، وهذا الأنصاري لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل، غاضبهم وغاضبوه، فأمر بإضرام نارٍ عظيمة، وقال: اقتحموها، بعض أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: لا نقتحمها، لأننا آمنا بالله فراراً منها، فكيف نقتحمها؟ بعضهم قال: طاعة الأمير طاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام، لما عرضوا الأمر على النبي عليه الصلاة والسلام بعد عودتهم، قال:

والله لو اقتحمتموها لا زلتم فيها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في معروف

[ورد في الأثر]

أين عقلك؟ العاقل لا يخاف، عقله لا بدَّ من أن يتطابق مع الشرع، فتطابق العقل مع الشرع هو تطابقٌ حتمي، ليس معقولاً أن يرى عقلك شيئاً مخالفاً للشرع، ولا أن يكون في الشرع ما يخالف العقل، لأن الشرع أمر الله ونهيه، والعقل مقياس الله أودعه فيك، فإذا فكرتَ، وأعملتَ عقلك فلن تصل إلى نتيجة مخالفة للشرع، لأنَّ صحيح المنقول موافق لصريح المعقول.

ضع الموت نصب عينيك:

ويقول هذا الإمام الجليل:

اذكروا انقطاع اللذات، وبقاء التبعات

الموت يقطع اللذات، الطعام انتهى زمنه، هناك ولائم فخمة جداً، شيء لذيذ جداً وطيب، لذة الطعام تنتهي عند الموت، لذة الزواج تنتهي عند الموت، لذة العلو في الأرض تنتهي عند الموت، كل هذه اللذات تنتهي عـند المـوت، ما الذي يبـقى؟ المسؤوليات.
هذا المال، من أين اكتسبته؟ وفيما أنفقته؟ لماذا فعلت؟ لماذا تركت؟ لماذا وصلت؟ لماذا قطعت؟ لماذا رضيت؟ لماذا غضبت؟ لماذا أعطيت؟ لماذا منعت؟ لماذا جفوتَ؟، الإنسان المؤمن الصادق لا يتحرك حركة، ولا يتكلم كلمة، ولا يتصرف، ولا يغضب، ولا يرضي، ولا يعمل عملاً قبل أن يجهِّز لله جواباً يوم القيامة.
يقول لي: سيدي أقدر أن آخذ لابنتي بيتًا، وأنا على قيد الحياة، أقول له: هل معك لله جواب؟ يقول لي: كيف ذلك؟ فأقول له: كم بنتًا عندك؟ يقول لي: خمس بنات، فما أوضاع الأربع؟ يقول لي: ممتاز، كلُّ أزواجهنّ تجار، أما هذه فزوجها موظف، وبيتهما بالأجرة، وعلى زوجها دعوى إخلاء، الآن معك جواب لله، فاشترِ لها بيتًا، أنْ تخصّ بنتًا في بيت وحدها إذا توفر لديك ثمنُه فلا باس عليك.
أنت أيهـا المسلم لديك منهج الله عزَّ وجل، جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فقبل أن تنفِّذ، قبل أن تتصرف، قبل أن تهجر، قبل أن تقطع، قبل أن تصل، قبل أن تتكلم، قبل أن تذم، قبل أن تهاجم، قبل أن تغتاب، أمعك لله جواب؟ أمتأكد أنت من هذا الكلام؟ أسمعتَ أنت، أمْ سمعتَ الناس يقولون شيئاً فقلته؟.
إذا اقترض إنسان مبلغًا، مثلاً مبلغ مئة ألف، وراتبُه الشهري خمسة آلاف أو ستة في الشهر، ووقَّع سندات موثَّقة، وبيته وُضِعَ في الرهن، ثم سُرِق منه المبلغ، فالمبلغ فوائده انتهت لأنه سرق، فماذا بقي؟ السندات، وهذا مثل ضربتُه تقريباً للفهم،
فالموت يُنهِي اللذات، ويُبقِي التبعات، الدنيا لذَّات بلا تبعات، لو أنّ شابًا يتحرك، يذهب ويأتي، فماذا يجري؟ يقترف معصية أو اثنتين أو أربعًا، ويقول: لم يصِبْني شيءٌ من المكروه، فأنت في الدنيا مخيَّر، كمَثَلِ الطالب في أثناء العام الدراسي، خمسون طالباً في الصف، هذا لا ينام الليل، وهذا لا يدرس إطلاقاً، وتقول: مثلي مثله على مقعد الدراسة، ولكن بعد الفحص انظُرْ إلى وضعك، أسماؤكم بالجداول، بعد الامتحان هذا مفصول، وذاك راسِبٌ، أمّا هذا فمعزَّز مكرَّم، فكل إنسان يعيش لحظته، أو يعيش الوقت الذي هو فيه، من دون أن ينظر إلى التبعات القادمة، فهو إنسان أحمق.

إلزم باب مولاك:

يقول سيدنا عليٌ كرم الله وجهه:

ما كان الله ليفتح على عبدٍ باب الشكر ويغلق عنه باب الزيادة، وما كان ليفتح على عبدٍ باب الدعاءٍ ويغلق عنه باب الإجابة، ولا ليفتح على عبدٍ باب التوبة ويغلق عنه باب المغفرة

ما أمرك أن تدعوه إلاّ ليجيبك، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، وما أمرك أن تشكره إلا ليزيدك من فضله.
أحياناً الإنسان، يقول: أمعقول أنْ أدعو الله عزَ وجل، ولي عدو كبير متربص بي، وأنا ضعيف أمامه؟ أمعقول إذا دعوتُ الله أنْ يخلصني الله منه؟ معقول ونصف، لأنه ما أمرك أن تدعوه إلا ليستجيب لك، فالإسلام مصدرُ تفاؤلٍ للإنسان.
وإذا قال لك طفل: كم الساعة؟ قد تكون حاملاً بيدك اليسرى حاجة ثقيلة، والكُمُّ ثابت، وتحته قميص، والساعة تغطيها ملابسُك، تجد نفسك تخجل أن تتجاهله، أليس كذلك؟ تضع الحاجة على الأرض، وتغيِّر وضعَ الساعة، وتزيح الكُمَّ، وتقول له: الساعة السابعة مثلاً، طفل سألك سؤالاً فأجبتَه، وأنت تسأل خالقك، وتقول: يا رب، أنا هذا وضعي، علمك بحالي يغني عن سؤالي، فستجد إجابةً من الله، لكن واللهِ أفقرُ الناس مَن زَهد في الدعاء.
كلما وقع أخٌ في مشكلة كبيرة، أقول له: عليك بقيام الليل، وعليك بالسجود، والدعاء في صلاتك بالليل، وقد جاء في الحديث القدسي:

إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من طالب حاجةٍ فأقضيها له حتى ينفجر الفجر؟

 

[حديث قدسي]

إن الله يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع، فعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:

لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ

[أخرجه الترمذي عن ثابت البناني في سننه]

أيها الأخوة، وطِّن نفسك قبل كل عمل، قبل أنْ تقابل إنسانًا، قبل أنْ تجري عملية أيها الطبيب للمريض، قبل إلقاء الدرس أيها المدرِّس، قبل عقد صفقة أيها التاجر، قبل كل أمرٍ ذي بالٍ، قل: يا رب أنا لا أعلم، وأنت تعلم، أنا لا أقدر، وأنت تقدر، وفِّقني يا رب، وألهمني الصواب، أنطقني بكلامٍ يرضيك، أعنِّي على طاعتك، احفظني يا رب أنْ تزل قدمي.
هذا هو حال المؤمن، كلما تحرك لأعماله، وقبل أنْ يخرج من بيته فلا بدَّ مِن الدعاء، في بالبيت مشكلة، فلا تقل: أنا أعالجها، بل قل: يا رب ألهمْني الحكمة.

الزهد في رأي الإمام علي بن أبي طالب:

قال هذا الصحابي الجليل الإمام عليٌ كرم الله وجهه:

الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن الكريم، قال الله تعالى:

(لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم)

وعن أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:

لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ

[أخرجه أحمد عن أبي الدرداء في مسنده]

لكي لا تأسوا على ما فاتكم، الأمور تجري بالمقادير، الإيمان بالقدر نظام التوحيد، الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن،

كلُّ شيءٍ أراده الله وقع، وكلُّ ما وقع أراده الله،
مشيئة الله عزَّ وجل متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، وحكمته بالخير المطلق

هذه حقائق ثابتة، فلذلك،

(لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم)

الإنسان بين الندم الساحق، وبين الخفة الرعناء التي تأتي بعد العطاء، خفته بعد العطاء دليل جهله، ويأسه دليل جهله،
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عُقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عِوضًا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي

[ورد في الأثر]

هذه هي الحقيقة، فمَن عرَفها لم يفرح برخاء، لأنها مؤقتة، ولم يحزن لشقاء، لأنها موقتة، لذلك يقول هذا الإمام الجليل:

الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن الكريم، قال:

(لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم)

لا تغرنك الدنيا فإنك ميت حتماً:

يقول هذا الإمام الجليل:

الرزق رزقان طالبٌ ومطلوب، فمن طلب الدنيا، طلبه الموت حتى يخرجه عنها، ومن طَلب الآخرة، طلبته الدنيا، حتى يستوفي رزقه منها

حدثني أخ يسكن بشارع برنية، في بناية مِن اثني عشر طابقًا، قال: جاء إنسان واشترى شقتين، البيتين مكسوَيْن على التمام، قال لي: والله كسَّر البلاط كلّه، وكسّر السراميك، وغيَّر كل شيء في هذين البيتين، وأحدَثَ ترتيباتٍ أخرى، البلاط إيطالي، الألمنيوم مِنَ البرونز، أي أنه عمل ترتيبات جديدة في البيت، قال لي: طيلةَ سنتين بالتمام والكمال، وهو يكسو هذين البيتين، رغم أنهما مكسوان كسوةً مَن الطراز الأول، يقسم بالله أن هذا الإنسان بعد إن انتهى من كساءِ البيتين بأسبوع انتهى أجله، فهذه هي الدنيا، قال: الرزق رزقان طالبٌ ومطلوب، فمن طلب الدنيا طلبه الموت .
أخ آخرُ يبيع مفروشات، قال لي: جاءني شخص غريبٌ أمرُه، يريد غرفة نوم، بدأ مِن الخشب، فأخذنـا له خشبَ جوز، وتركناه ينشف سنتين، بعد ذلك طلب الكتلوكات، ستة أشهر حتى انتقى موديلاً، بدأنا في الشغل، وكل يوم يراقب العملَ، قال لي: ذات مرة انبطح تحت التخت ونظـر، وقال: هل به عقدة؟ وكان فيه عقدة، القصة طويلة، بقينا سنة ثانية نشتغل بغرفة النوم إلى أن انتهت، وعلِقنا بالمسكات ستة أشهر ثانية، بعد ذلك انتهت الغرفة، ووضعناها في الصالة، وقدِم ناسٌ كثيرون لكي يشتروها، فنقول: هذه الغرفة مباعة، تعبَ منها كثيرًا، عليها طلـب، وأخيرًا، قال له: تعال وخذْها، قال له: حتى أدهن الغرفة، لكي يدهنها يحتاج شهرًا أيضاً، أول وجه معجون، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، بعد ذلك قال له: الخميس سوف آخذها، جرتْ مشادة، قال له: الخميس إذا لم تأخذها سوف أبيعها، اتّصل به يوم الخميس، قال له: دعْها أسبوعًا آخر، وسوف آخذها، فوافقه على ذلك، ثم اتّصل به في الخميس الثاني، فسمع عند اتصالهِ ضجة في البيت، فقال لزوجته: يا أختي غرفة النوم، قالت له: مات صاحبها، هذه هي الدنيا، إنه يريد الدنيا، لكنّ الموت يطلبُه، حتى يخرجه منها، ومن طَلب الآخرة، طلبته الدنيا، يأتيه رزقه وهو راغـم، ومَن طلب الآخرة طلبته الدنيا، الله ييسر له أموره حتى يستوفي رزقه منها، كلام رائع جداً.
والكلمة الشهيرة التي أقولها لكم دائماً:

من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر أخرته على دنياه ربحهما معاً

هذه زفرة الحسرة يوم القيامة:

قال:

إن أعظم الحسرات يوم القيامة، حسرة رجلٍ كسب مالاً في غير طاعة الله، فورثه رجلٌ أنفقه في طاعة الله، فدخل به الجنة، ودخل الأول به النار

شيء مخيف يعمل خمسًا وخمسين سنة، يجمع ثروة طائلة، كلها مِن مصادر مشبوهة بالحرام، والكذب، والغش، والخداع، ويموت ويذهب إلى جهنم، ثم يأتي الوريثُ فيأخذ هذا المال جاهزًا، ينفقه في طاعة الله فيدخل به الجنة، هذا أندم إنسان، وأندمُ الناسِ رجلاً دخل بعلمه الناس الجنة ودخل هو بعلمه النار.
وذات مرة قرأت ثلاثة أدعية أعجبتني في كتابٍ في التصوف:
الدعاء الأول، يقول:

اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعد بما علمتني مني

يا ربي أنا أعوذ بك أن أعلم الناس آية قرآنية، أو حديثًا شريفًا، ثم يكون المتعلِّم أسعدَ مني، يتعلمها إنسان، ويطبِّقها، ويستفيد منها، ويتألَّق، وأنا لم أطبِّقها فأخسر.
والدعاء الثاني:

اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحدٌ سواك، كلمة حق لكن يلتمس بها رضى الناس

والدعاء الثالث:

اللهم إني أعوذ بك أن أتزيَّن للناس بشيءٍ يشينني عندك

[أدعية مأثورة]

لا أرغب أنْ أكون قصةً، انظروا فلانً فعل كذا وكذا، فانتهى حاله إلى كذا وكذا، أعوذ بالله أنْ أكونَ قصة، وقالةَ سوءٍ، فالله سبحانه يقول:

(فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)

[سورة سبأ الآية: 19]

وهذه كلمة موجزة، أذكرها لكم: هناك كراس، وخشبة مسرح، إذا كنتَ مستقيمًا فلك محل مع المشاهدين، وإذا لم تكن مستقيماً تنشَدُّ إلى الخشبة، فتأخذ عدّةَ لكماتٍ فوق المسرح، وتصبح قصة، وتصبح مُشَاهَــد، هناك من يُشَاهِدك وأنت المُشَاهَد، فإذا أردت أن تبقى مع المشاهدين فاستقم كما أمر الله، وإذا أردت أن تكون قصةً وأردت أن تكون حدثاً مثيراً يتحدث الناس به، فلك ألا تستقيم عندئذٍ، الآن انظروا إلى الحوادثِ في البلد، جريمة وقعت، تكون بسبب معصية كبيرة، هذه الجريمة يتناقلها الناس، وتكتبها الصحف، تصبح حديث المجالس إلى سنة، فأبطال الجريمة ومن حولهم أصبحوا خبراً، فأنت إذا كنت مستقيماً فلك مكانٌ مع المشاهِدين، فإن لم تكن كذلك فالأمر خطير.

لا تشكو همك إلا لمؤمن:

يقول هذا الإمام الجليل:

من شكا حاجةً إلى مؤمنٍ فكأنما شكاها إلى الله، ومن شكاها إلى كافر فكأنما اشتكى على الله

هذه نصيحة لأخواننا الكرام، لك قريب دينُه رقيق، اتجاهه غير إسلامي بل هو علماني، تفكيره غير سليم، وقعت في مشكلة، لا تحدِّثه بها إطلاقاً، لأنه سيقول لك: ألم أقل لك؟ قلت لك: إن هذا الطريق لا تمشي فيه، ويشمت بك، تكون حينئذٍ قد سلَّمته رقبتك، سلَّمته معلومات ينفث بها سمومه، فإياك أن تشتكي إلى كافر، إذا كنت متضايقًا جداً فاشتكِ إلى مؤمنٍ ولا حرج، شكواك للمؤمن كأنك تشكو إلى الله عزَّ وجل، فيمكن للإنسان أنْ يبوح فيرتاح، لكن اجعل هذا البوح إلى مؤمن، أما أن تبوح بمشكلتك إلى الله فهو الأكمل، قال تعالى:

(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)

[سورة يوسف الآية: 86]

هناك أخ أرجو له المغفرة والجنة، أصيب بمرض خبيث، وأَعلمه مستقيماً، وأَعلمه مؤمناً، تقول زوجته: ثلاث سنوات ما قال كلمة تغضب الله، وهو يتحمّل أشدّ الآلام، هذا هو المؤمن، قال تعالى:

(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)

[سورة يوسف الآية: 86]

عبدي أنفق أنفق عليك:

قال:

إن لله تعالى عباداً يختصهم الله بالنِعَم لمنافع العباد فيقرها بأيديهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم ثم حولها إلى غيرهم

أحيانا تجد شخصًا منعمًا عليه، لكنه مِعطاء، إذا غيَّر سياسته، فَمَالَ لقبضِ يده، تذهب هذه النعم من بين يديه، قصة أقولها لكم كثيراً: بيت من بيوتات دمشق الكبير فيه شجرة ليمون، تحمل أربعمئة أو خمسمئة ليمونة سنويًّا، شيء عجيب! ما مِن إنسان يطرق هذا الباب، ويقول: عندكم ليمونة؟ فتعطيه ربةُ البيت، ثم توفيت، وهي كبيرة في السن، وبقيتْ زوجةُ ابنها الشابة في الدار، فمَن طرق الباب يطلب ليمونةً تصدُّه خائبًا، وفي السنة الثانية يبست الليمونة.
هذا مثل مادي بسيط، عندك نعمة أَقَرَّها الله عزَّ وجل في يديك فابذلْها، فإذا منعتَهَا حوَّلَها إلى غيرك، أحياناً يكون أخ رزقته كثيرة لكنه يرعى أخوته كلهم، سر الغنى أنه يعطي أخواته جميعاً، حينما تقول له زوجته: الله ما كلَّفك بهم فاتركْهم، فإذا استجاب إلى توجيهات زوجته العزيزة، خفَّ الرزقُ شيئًا فشيئًا حتى لم يكفِه دخلُه، يقول: أين؟ والله كنت في بحبوحةٍ كبيرة، لقد كنتَ تعطي، واللهُ جعل رزقك ورزق من تعطيهم عن طريقك، توقف العطاءُ، يقول لك: ليس لك عندي عطاء.

لا مؤاثرة في الخير:

يقول هذا الإمام الجليل رضي الله عنه:

افعلوا الخير، ولا تحقروا منه شيئاً فإن صغيره كبير، وقليله كثير، ولا يقولن أحدكم: إن أحداً أولى بفعل الخير مني، فيكون والله كذلك

قال تعالى:

(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)

[سورة المطففين الآية: 26]

وفي الإسلام قاعدة أساسية:

لا مؤاثرة في الخير، والخير كله في المؤاثرة

أمٌّ لها عدّةُ أولاد، لو قال أحدهم: أنا سأفسح المجال لأخي لكي يخدمها، هذا كلام خلاف الشرع، أنت آثرتَه في مرضاة الله، هذا لا يجوز إطلاقاً، لا مؤاثرة في الخير، والخير كله في المؤاثرة، فأن تؤثر أخاك على نصيبك مِن الله فهذا شيء غير مقبول إطلاقاً.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – سيرة الخلفاء الرشدين – سيدنا علي بن أبي طالب – الدرس(5-8): من أقواله وحكمه -1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-11-22 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس