العاصي وأنواع المعصية

بسم الله الرحمن الرحيم

أحوال العصاة

img لا بد من أن تعرف نفسك ـ لا سمح الله ولا قدر ـ من أي العصاة أنت ؟ هناك من يعصي الله ويندم، هناك من يعصي الله ويبكي، هناك من يعصى الله، ويتمنى ألا يعصي الله، هذا اسمه عند علماء القلوب المغلوب، غلبته نفسه، هناك من يعصي الله ويصر، هناك من يعصي الله ويتباهى، هناك من يعصي الله ويذكر هذا للناس، هناك من يعصي الله وهو في قمة نشوته، هناك من يعصي الله ويتمنى أن يعصيه كل يوم، يجب أن تحدد من أنت؟ من أي العصاة أنت؟ سيدنا آدم عصى ربه، لكن:

(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)

[سورة طه الآية : 115]

على المعصية، فغفر الله له، أما إبليس فعصى:

(قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ)

[سورة الحجر الآية : 33]

فمعصية الشيطان معصية كبر واستعلاء، واعتداد بالمعصية، ومعصية آدم معصية غلبة وضعف ، لذلك قال تعالى:

(فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا)

ممن يتقبل الله التوبة

أنا أبشر، أيّ أخ كانت معصيته لله ـ لا سمح الله ولا قدر ـ عن غلبة أن التوبة قريبة منه جداً، والعوام يقولون:

الصلحة بلمحة

بشرط أن تكون المعصية معصية غلبة وضعف، لا أن تكون معصية استكبار واستنكاف عن طاعة الله عز وجل، دائماً وأبداً الذي يعصي الله استكباراً لا يندم على ذنبه، بل يفتخر به، بل هو في قمة نشوته حينما يعصي الله بل هو ينوي أن يعاوده هذه المعصية ـ والعياذ بالله ـ لا توبة لها، وصاحب هذا الذنب لا يغفر له.
أما الذي يعنينا فهو من يعصي الله مغلوباً، من غلبته نفسه، في ساعة غفلة غلبته نفسه فاقترف معصية، فهو يبكي ويندم، وأنا أقول: أنا أبشر، أي نادم على ذنب بالمغفرة والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

النَّدَمُ تَوْبَةٌ

[الترمذي وأحمد عن ابن مسعود]

فأول شيء من أي عصاة هؤلاء العصاة، من الذين عصوا استكباراً واعتدادًا وكبراً واستنكافاً عن طاعة الله، أما الذين عصوا غلبة وضعف فلهم شأن آخر.
هؤلاء ذكرهم الله عز وجل في آية صريحة واضحة رائعة :

(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)

[سورة آل عمران الآية : 135]

غلبة الشهوة

لعالم جليل هو ابن القيم كلمة رائعة في هذا المعنى، قال:

والله تعالى إنما يغفر للعبد إذا كان وقوع الذنب منه على وجه غلبة الشهوة وقوة الطبيعة

 

img يعني قوة الشهوة فيه فيواقع الذنب مع كراهيته له من غير إصرار في نفسه، فهذا ترجى له مغفرة الله، وصفحه وعفوه، لعلمه تعالى بضعفه وغلبة شهوته له، وأن يرى كل وقت ما لا صبر عليه، فهو إذا واقع الذنب واقعه مواقعة ذليل خاضع لربه، خائف مختلج في صدره، شهوة النفس المذنبة والإيمان يكره له ذلك، فهو يجيب داعي النفس تارة، وداعي الإيمان تارة، فأما من بنى أمره على ألاّ يقف عن ذنب، ولا يقدم خوفاً، ولا يدع لله شهوة، وهو فرح مسرور، يضحك ظهراً لبطن إذا ظفر للذنب فهذا الذي يخاف عليه أن يحال بينه وبين التوبة، ولا يوفق إليها.
هذا العالم الجليل يتابع حديثه فيقول:

الفرح بمعصية الله عز وجل دليل على شدة الرغبة فيها، والجهل لقدر من عصاه، والجهل لسوء عاقبتها، وعظم خطرها، ففرحه بها غطى علي ذلك كله، وفرحه بها أشد ضرراً عليه من مواقعتها، الفرح بالذنب أخطر من وقوع الذنب نفسه، والمؤمن لا تكون له لذة بمعصية أبداً، ولا يكبر بها فرحه، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه، ومن خلي قلبه من هذا الحزن، واشتدت غبطته وسروره به فليتَّهم إيمانه، وليبكِ على موت قلبه، فإنه لو كان حياً لأحزنه ارتكاب الذنب، وغاظه، وصعب عليه، ولا يحس القلب بذلك، فحيث لم يحس به: فما للجرح بميت إيلام

هذا كلام دقيق، أين العصاة، هذا المذنب؟ هل يعصي الله غلبة، أو ضعفاً، أما يعصي الله كبراً وفرحاً، شهوة المؤمن بالذنب لا تتم، لأنه يخشى الله عز وجل، أنا أبشر هؤلاء الذين ضعفت نفوسهم، وفي ساعة غفلة عن الله عز وجل وقعوا في معصية، وهم نادمون، يبكون يتمنون لو لم يواقعوا هذا الذنب، أبشرهم بأن مغفرة الله لهم قريبة .

أصناف المذنبين

وقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن سماك قال:
أصبحت الخليقة على ثلاثة أصناف:
• صنف من الذنب تائب، موطن لنفسه على هجران ذنبه، لا يريد أن يرجع إلى شيء من سيئته، هذا المبرز،
• صنف يذنب ثم يندم، ويذنب ويحزن، ويذنب ويبكي، هذا يرجى له، ويخاف عليه،
• صنف يذنب، ولا يندم، ولا يحزن، ويذنب ولا يبكي، فهذا الكائن الحائد عن طريق الجنة إلى النار .
إنسان ارتكب الذنب مرة واحدة، وتاب توبة نصوحًا، هذا الآمن، وإنسان ارتكب الذنب، ثم عاد إليه، هذا يخاف عليه، لكن الله يقبله، وإنسان يرتكب الذنب، ولا يتأثر، ولا يندم ولا يتوب إلى الله فهذا انتقل من الجنة إلى النار.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
ندوات إذاعية – إذاعة دار الفتوى – منهج التائبين – الحلقة 04 – 30: أنواع المعصية – وسائل التوبة – درجة المغفرة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-11-30 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس