احفظ الله يحفظك

بسم الله الرحمن الرحيم

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْماً فَقَالَ يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ

[رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح]

هذا الحديث الشريف ورد في باب المراقبة ، و المراقبة أن تشعر أن الله سبحانه و تعالى يراقبك ،
واللهُ سبحانه و تعالى يقول :

(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)

[سورة النساء]

ويقول الله عز وجل :

(إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)

[سورة الفجر]

والإنسان إذا شعر أنه مراقب من إنسان انضبط أيما انضباط ، فإذا كان الذي يراقبه لا يغيب عنه لحظة ، لا في حله ولا في ترحاله ، لا في جلوته و لا في خلوته ـ عندئذ يجب أن يكون الانضباط أشد .

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما

سيدنا العبّاس من أصحاب رسول الله ، و ابنُه من أصحاب رسول الله ،

قال : كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْماً

معنى يوما يعني ساعة من يوم ، و ليس معنى يوما أنه قضى خلف النبي يوما بكامله ، يعني ساعة من يوم، واليوم من معانيها الدور،

فَقَالَ يَا غُلَامُ ً

والغلام بين الطفولة وسن البلوغ ، كل من لم يبلغ يسمى غلاما ، فالصبي من حين يُفطم إلى سن البلوغ يسمى غلاما ، و كان ابن عباس رضي الله عنه كانت سنه عشرا ، فهو غلام،

يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ

أي إذا حفظت اللهَ في جوارحك ، إذا غضّت هذه العين عن محارم الله ، وإذا استنكفت هذه الأذن أن تسمع ما يغضب اللهَ عز وجل ، وإذا انطلقت هذه اليدُ فيما يرضي الله ، وإذا انطلقت رجلُ الإنسان إلى مكان فيه خير ، إلى مجلس علم ، إلى إصلاح بين اثنين ، إذا كانت هذه الجوارح من عين و أذن و لسان و يد ورجل ، إذا انطلقت هذه الجوارح إلى طاعة الله عز وجل ، أي إذا حفظت أمر الله عز وجل ، و لم تخترقه عندئذ تولى الله سبحانه و تعالى حفظها من التلف و العطب ، لذلك هذا الذي عاش سبعا و تسعين عاما ، متمتعا بأعلى درجة من الصحة ، سئل مرة : ما هذه الصحة يا سيدي ؟ فقال : يا بني حفظناها في الصغر فحفظها اللهُ علينا في الكِبر من عاش تقيا عاش نقيا،

احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ

احفظه في كسب المال ، أي راعِ أمره في كسب المال يحفظ لك المال ،
إذا حفظته في عينك حفظ الله لك عينك ،
إذا حفظته في سمعك حفظ الله لك سمعك ،
إذا حفظته في قوتك حفظ الله لك قوتك ومتّعك بها ، حتى الموت ،
إذا حفظت الله في أيِّ شيء حفظك الله سبحانه و تعالى ، و كان جزاء طاعته جزاء مقدَّما في الدنيا قبل الآخرة ،
احفظ الله في تعاملك مع الزبائن ، لا تغشهم ، لا تدلِّس عليهم ، لا تستعل عليهم ، لا تستغلهم ، لا توهمهم أن هذه البضاعة لن تجدها بعد اليوم من أجل أن تأخذ سعرا عاليا ، إذا حفظت الله عز وجل في علاقتك بزبائنك، أي راعيت في هذه العلاقة أمر الله عز وجل ، حفظك الله سبحانه و تعالى ،
إذا حفظت الله يحفظك في بيعك و شرائك ، في زواجك ، في حواسك ، في جوارحك ، في كسب المال ، في إنفاق المال ، في كل حركاتك و سكناتك ، إذا حفظت الله فإنه يحفظك ، هل هناك قانون أوضح و أسهل من هذا القانون ، ربنا عز وجل واضح جعل بينك و بينه قواعد ثابتة ، فإذا أردت أن تتعامل مع الله عز وجل فهناك مبادئ ثابتة في التعامل معه ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ هذا قانون فوق المكان والزمان ، و فوق الظروف وفوق كل شيء ، في أيِّ بيئة كنت ، في أيِّ وضع ، في أيِّ مجتمع ، ، في أيِّ وضع ، في أيِّ أزمة ، في أيِّ معطيات ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ تعامل مع الله بالصدق يحفظك من كل مكروه :

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا*** فإنا منحنا بالرضا من أحبنا
ولُذ بحمانا و احتمِ بجنابــنا***لنحميك مما فيه أشرار خلقنا

احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ أقول هذه الكلمات للأخوة الباعة ، عامل الناس معاملة مستقيمة ، لا تغشهم ، لا تحتكر قوتهم ، لا تأخذ منهم فوق ما يجب ، لا تغبنهم ، غبن المسترسل ربا ………..غبن المسترسل حرام ، لا تُهنهم، عالمهم معاملة ترضي الله عز وجل ، احفظ الله في طريقة تعاملك مع هؤلاء فاللهُ سبحانه وتعالى يتولى حفظك من كل مكروه ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ
الحديث واسع جدا ، يدور مع الناس في كل دورة ، في أيِّ زمان ، وفي أي مكان ، في أيِّ نشاط ، في أي حركة ، في أي سكنة،

احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ” احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ

معنى تجاهك تجده معك ، هذه معية الله ، فإذا كان الله معك فمن عليك ، و إذا كان عليك فمن معك ، إذا الواحد تمكّن يكسب معية الله عز وجل ، أن يكون الله معه ، وهل من قوة في الكون يخشاها إذا كان الله معه ، يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما هذا ما قاله رسول الله لصاحبه أبا بكر عندما كانا محاصرين من قِبل المشركين في الكهف ،
قال الله تعالى:

(وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً)

[سورة المائدة]

معية الله أثمن ما في الدنيا ، وهذه المعية مبذولة لكل مؤمن ، كن مع الله تر الله معك :

كن مع الله تر الله معك***واترك الكلَّ وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنعك***ثم من يعطي إذا ما منـعك
إنما أنت له عبد فـكن***جاعلا في القرب منه ولعك

هذه منهج النبي خذ به ، إذًا احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ
احفظ الله في كسبك للمال ، يعني احفظ أمر الله ، لا تأكل مالا حراما ، فالله يحفظ مالك ،
احفظ الله في بصرك ، فالله يحفظ لك هذه العين ،
احفظ الله في أذنك فالله يحفظها لك ،
احفظ الله في لسانك ، تكلم بالحق ، لا تغتر أحدا لا تمش بالنميمة ، لا تمزح مزاحا رخيصا ، لا تعوِّد لسانك الفحش،
عَنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ

[رواه أحمد]

احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ أنت لوحدك وسِّع في الحديث ، وسِّع هذا الحديث حتى يشمل كلّ نشاطاتك،

إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ

يقول عليه الصلاة و السلام :

لا يخافن العبد إلا ذنبه و لا يرجون إلا ربَّه ……..

ذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ لأن الله وحده هو المعطي وهو المانع ، وهو المعزّ وهو المذلّ ، وهو الرافع وهو الخافض ، وهو القابض وهو الباسط إذا سألت غيره فهذا شرك ، لأن غيره ليس في الإمكان أن يعطيك شيئا،

إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ

لما الإنسان يسأل غير الله عز وجل ، أو يستعين بغير الله عز وجل فربنا عز وجل يؤدِّبه ، يخيِّب أمله من هذا الإنسان الذي استعان به ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ولا يمنع هذا من أن تسأل الناس من باب الأخذ بالأسباب ، لا من باب الاعتماد عليهم ،و التوكل عليهم ، من باب الأخذ بالأسباب ، ما دمت متيقِّنا أن الله بيده كل شيء ، وأنه إذا شاء أعطاك وإذا شاء منعك ، وما هذا الإنسان إلا واسطة ، عندئذ يجوز أن تسأل الناس في حدود هذا المنطلق العقائدي ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وسبحان الله لما الإنسان تبقى له منافذ مفتوحة من بني البشر يكون دعاؤه فاترا ، و استعانته بالله ضعيفة ، فحتى تغلق جميع الأبواب الأرضية عندئذ تُفتح أبواب السماء ، فالإنسان حتى يعينه ربُّنا على التوحيد يغلق له كل أبواب بني البشر، هذا يصده و هذا يعتذر وهذا يتنصل ، إلى أن يقول : يا رب ليس لي إلا أنت ، عندئذ يأتيه الجواب،

وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ِ

هذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ أي بنو البشر ، خمسة آلاف مليون لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لا يستطيعون ، إلا أن يأذن الله ، إذًا علاقتك مع الله ، ولا ينبغي أن تكون العلاقة مع غير الله عز وجل،

وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ

لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

إن كلمة الحق لا تقرب أجلا ولا تقطع رزقا ………

الأمة كلها

رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ

أي هذه القوانين مقطوعة الصحة ، لا تُبدَّل ، ولا تعدَّل و لا تغيّر و لا تجمّد ولا يوقَف تنفيذها أبدا ، هذه القوانين ثابتة في تعامل الله مع العباد ، فلا تبحث عن قوانين أخرى ، لا تبحث عن معطيات أخرى ، هذا هو القانون الوحيد في تعامل الله مع البشر ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ – أي معك -إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ
هناك آيات تؤكِّد هذه المعاني :
قال تعالى :

(مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ)

[سورة فاطر]

وقال تعالى :

(فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)

[سورة هود]

قال الله تعالى:

(قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)

[سورة طه]

هذه آيات تؤكد هذه المعاني

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: شرح الحديث الشريف – أحاديث متفرقة – الدرس (001 – 127 ) : يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك ..…
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1988-07-31.| المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس