المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف

بسم الله الرحمن الرحيم

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا وكذا ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان

[رواه مسلم]

المؤمن القوي

القوي كلمةٌ واسعة ، فقد تعني أنه ذو بنيةٍ قوية ، لأن المؤمن القوي في بنيته يستطيع أن يؤدي العبادات التي فرضها الله عليه ، يستطيع أن يقوم بالنوافل ، يستطيع أن ينفع الناس ، أن يعينهم ، فالقوة إذا سُخِّرت في الإيمان ما أروعها ، النبي عليه الصلاة والسلام لم يفصل القوة عن الإيمان ، إذ لو انفصلت لكانت القوة أداة شر ، وأداة تدمير،
فالقوة يجب أن يسبقها الإيمان كي توجه توجيهاً صحيحاً ، أما القوة البدنية ، فإذا كان إنسان قوي ، رياضي، له تدريبات قاسية جداً ، له عضلات مفتولة ، هذه القوة لو أنه استخدمها للعدوان على الناس ، أو لإرهابهم ، أو لأخذ ما ليس له بحق ، إنه قوةٌ شريرة . ولكن المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف ..
قال الله تعالى في القرآن الكريم عن سيدنا موسى:
وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَاثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
فإذا إنسان اعتنى بصحته ، كان شاب عمل تمرينات رياضية ما في مانع ، بل هو شيء طيب لأن :

المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف

فالإنسان الضعيف ربما تجاوز الناس عليه ، ربما تطاولوا عليه ، ربما أخذوا حقه وهو ضعيف ، مسكين ، مستسلم .
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام رأى أحد أصحابه يتبختر في مشيته قُبَيْل إحدى المعارك ، فقال عليه الصلاة والسلام :

إن الله ليكره هذه المشية إلا في هذا الموطن

القوة إذا جمعت إلى الإيمان كانت رائعةً في أداء المهمة .
والقوة منوَّعةٌ ، العلم قوة ، أن يكتفي ذاتياً هذه قوة ، المال قوة ، أن تكون في مكان مهم هذه قوة ، يعني الوظيفة قوة ، والصحة قوة ، والعلم قوة ، وأن تكون لك سمعة طيبة هذه قوة ، فالقوة مطلقة وليست مقيدة فهنالك قوةٌ في الأبدان ، وقوةٌ في الأموال ، وقوةٌ في العلم ، وقوةٌ في كل شيء ، لكن القوة وحدها مدمِّرة ، القوة تنفع إذا أضيفت إلى الإيمان ، الإيمان قيد . فالمحرك قوة أما الأخلاق مقود ، محرك من دون مقود دمار، اركب مركبة من دون مقود ، وشغل على المئة وامشي ، على الوادي مصيرك . فالقوة محرك لكن العلم والأخلاق مقود ، تنجو من كل كارثة بالعلم والحكمة ،المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف …
يعني إذا أنت كنت تاجر ، لا تنتزع إعجاب الآخرين إذا كانت تجارتك متخلفة، بضاعتك لم تحسن انتقاءها ، أسعارها غالية ، توضيبها غير جيد ، فيها استوكات ، فيها أخطاء كثيرة ، تجد هذا يرجع لك البضاعة ، وهذا يعاتبك ، وهذا يلومك ، وهذا يسخر من بضاعتك ، لا يصير ذاك فسوف تفقد مكانتك ، فإذا كان بالتجارة يجب أن تكون في القِمة . إذا كنت بالصناعة كذلك ، إذا كنت موظف دوامك ، إنجازك لأعمالك بالتدريس ، بالمحاماة ، بالطب ،طبيب في عليه أخطاء كثيرة ، غير مهتم بتطوير معلوماته ، معلوماته قديمة من سنة الستين ، لا يفتح ولا كتاب ويقرأه ، تكون الأدوية تطورت ، والأبحاث تطورت ، الناس ينفضوا من عنده ، أخي مؤمن ، فهل يكون المؤمن كسلان ؟ المؤمن قوي ،
لو إنسان كسب مال ، المال قوة ، تعطف على أرامل ، تعطي أيتام، تقدم للجمعيات مساعدات ، والجمعيات تقدم للفقراء ، صار عندك قوة ، المال قوة ، معك شهادة عليا ، معه كذا ، معه كذا ، إذاً العلم قوة ، إما معك مال ، أو قوة ، أو منصب ، أو شيء تتميز فيه .
فالمؤمن من دون قوة ضعيف ، مستضعف ، معتدى عليه ، فالمؤمن لابد من أن يكون متفوق ، بعمله إذا تفوق يؤثر بجيرانه ، إذا كان المحل التجاري فوضوي ، والغبار هكذا سمكه ، والبضاعة فوضوية ، ويمكث ساعة ليجد لك الأغراض ، أين الورق ؟ ما في ورق ، روح هات من عند الجيران ورقة يا ابني ، الورق وسخ ، الميزان عليه سماكة من الغبرة ، ما هذا التاجر ؟ أذن الظهر على الجامع ، هذه الصلاة لا تتناسب مع القذارة ، إذا كان المحل منتظم ، مرتب ، منظم ، كل شيء مصفوف . فهذا الحديث دقيق جداً وفيه توجيه كبير :المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف …
سبحان الله القوة هنا جاءت مقترنة بالإيمان !! أن المال من دون إيمان مدمر ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

ماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غنىً مطغياً …

فالغنى من دون إيمان مطغي . كأن يكون مظهره هكذا ظهر محني ، ثياب رثَّة ، ليس هذا المؤمن ، المؤمن أرقى من ذلك ، المؤمن يعد لكل شيءٍ عُدَّته ، كيف كان النبي في الهجرة ؛ استأجر خبير ، اختفى في غار ثور ، إنسان جاء بالمعلومات ، إنسان محا الآثار ، إنسان جاءه بالزاد ، ما في ثغرة إلا غطَّاها ، هذه القوة، قوة تدبير ، قوةٌ في التدبير ، قوةٌ في التصريف ، قوةٌ في كل شيء .

المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير

يعني أنت بالمال قد تصل إلى درجات عُليا في الجنة ؛ هذا عاونته ، وهذا فرجت همه ، وهذا دينته ، وهذا المشروع ساهمت فيه ، وهذا المستوصف ساهمت فيه ، يعني شيء قوي ، المال قوة ، ما كان معك مال علم ، تعلم وعلِّم ، العلم قوة ، وصلت لمنصب رفيع هذا المنصب قوة تُعين الضعيف ،
قال الله تعلى في القرآن الكريم عن سيدنا يوسف:

(قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)

[سورة يوسف]

فالمؤمن لا يكن متخلف ، في الصف الأخير لا يؤثر، يجب أن تكون في الصف الأول في كل مجال .

احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز

أنت بعد تأمل وتدبر ترى أن هذه الدنيا فانية ، والذي ينفعك هو العمل الصالح ، أما المظاهر لا قيمة لها ، فإذا تضاربت هذه المظاهر مع ما ينفعك ، فضحي بها ،
دعيت إلى نزهة فيها معصية لله ، أخي أخجل أن أقول لهم لا ، لاَ لا تخجل احرص على ما ينفعك … ينفعك ما تكون بهذه النزهة ، ينفعك ما تكون بهذه السهرة ، ينفعك ما تشتغل بهذه التجارة ، احرص على ما ينفعك … هذه البضاعة غير رائجة جداً وأرباحها طائلة لكن فيها معصية ، احرص على ما ينفعك … ، ينفعك أن تطيع الله عزَّ وجل ، ينفعك أن تكون عند الأمر والنهي ، ينفعك أن يجدك الله حيث أمرك ، وأن يفتقدك حيث نهاك ، هذا الذي ينفعك . فالمظاهر الاجتماعية ، والإتكيت إن صح التعبير ، وهذه الأشياء التي يسعى إليها الناس اجعلها وراء ظهرك .

احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز

أنت لما تكون طموح ، وترى أن الأمر صعب ، أو فوق طاقتك ، فهذا كلام فارغ ، الله معك ، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً ، وأنت تجعل الحَزْنَ إذا شئت سهلاً
بالدراسة قل : يا رب . تأخذ أعلى الشهادات ، بالتجارة قل : يا رب. الله يوفقك.
واستعن بالله ولا تعجز الأمر بيد الله عزَّ وجل ، لأنه بيده استعن بالله ، لا تعجز لا تقل : هذه فوق طاقتي ، لا تيئس ، لا تستسلم ، لا تنهار معنوياتك ..
قال الله تعالى:

(وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)

[سورة آل عمران]

ربنا عزَّ وجل يحب الجَسور ، الجريء ، المِلْحَاح،
قد يكون إنسان لا شيء ، ولكن تجده تطور من حال لحال صار شيء مهم ، صار شيء عظيم ، الله رفع شأنك ، رفع ذكرك ، رفع مقامك،
الإنسان أحياناً يكون قبل معرفة الله عزَّ وجل يكون له عمل لا يرضي الله عزَّ وجل ، بمصلحة ، بعمل ، ببضاعة ، بطريقة تعامل ، عليه أن يغير ذلك رغم صعوبة الأمر، وأن لا يقول ذلك مستحيل، عليه أن يستعين بالله ولا يعجز .
هذا الحديث شيء خطير جداً ، هذا الذي يبدو لك مستحيلاً ممكن يكون واقعي ، أنا معقول أغض بصري ، أنا أشعر أن قوة تجذبني للمرأة ؟ استعن بالله ولا تعجز ، معقول تتفاهم أمي مع زوجتي ؟ ممكن ، استعن بالله ولا تعجز ، اطلب من الله أن يعينك على أن توفق بينهما ، ممكن ، فكل إنسان يشكو لك قضية مستعصية وفي لها حل شرعي قل له : استعن بالله ولا تعجز .

وإن أصابك شيءٌ فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا

الغي لي كلمة (لو) من قاموسك ، لو ما أخذنا هذه الصفقة ما كنا فلسنا ، لو ما مشيت في هذا الطريق ما كانوا خالفوني ، لو هذه السهرة ما سهرتها ما كنت أصبت ، لو ما عملت ما كان صار ، هذه ( لو ) ألغيها ، لأن الله عزَّ وجل إذا أراد شيء وقع وإذا وقع أراده الله ، انتهى الأمر ، إذا أراد شيء وقع ، والآن وكل شيء وقع أراده الله عزَّ وجل ما في ( لو ) عندنا ، هذه ( لو ) تدمر، أرأيت هذه الأرض عرضوها علي الدونم بألف ليرة ، الآن ثمن الدونم خمسمائة ألف ، لو كنت آخذ مائة دونم يجمع على الآلة الحاسبة لكان معه ثمانين مليون ، ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله ، عرضوها عليه بألف ليرة ، وكل دونم الآن بخمسمائة ألف ، لا تقل ( لو ) ، لا يقولها مؤمن . لو درست لصار معي شهادة عليا ما كنت بهذه المصلحة ، ترتيب الله عزَّ وجل ، لو ما درست لكنت الآن تاجر ، الآن لا يكفي المعاش ، لو أني فعلت كذا وكذا .

لا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل

في رب حكيم عالم ، أعماله كلها وفق الحكمة ، والرحمة ، والعدل ، استسلم ..
قال الله تعالى:

(وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ)

[سورة النساء : من آية ” 32 “]

لا تتمنى لو كنت ابن فلان ، انظر ابن فلان نزل من بطن أمه غني، أقام له بيت ، ووضع له حصة بالمعمل، ما وعى صار عنده حصة من معمل ، انظر فلان ولد من واحد فقير ، هذا كلام الناس كلام فارغ، كلام يسبب متاعب للإنسان ، كل هذا ألغيه ، هذا الحديث إذا نحن طبقناه تماماً ما في عندنا مشكلة ، ترضى عن زوجتك ، وعن أولادك ، وعن بيتك ، وعن دخلك ، وعن شكلك ، وعن طولك ، وعن قوامك ، لو كان لوني أفتح قليلاً يا أخي ، معلش خليك على أغمق قليلاً ، سيدنا خالد ما كان فاتح ولكنه كان غامق لكنه كان بطلاً.

لا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل فإن كلمة (لو) تفتح عمل الشيطان

هذا الحديث مهم جداً يجب أن يكون أمام أعينكم ، ترتاح أعصابك ، ترتاح خواطرك ، ترتاح نفسك من التشهي، ومن الحرمان ، من التمني ، التمني والتشهي والحرمان كل هذا انتهى .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا وكذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل فإن كلمة (لو) تفتح عمل الشيطان

أول توجيه: إذا كان إيمانك قوي ، وتريد أن تؤثر بالآخرين ، فتفوق في عملك ، أي عمل ؛ تجارة ، صناعة ، زراعة، وظيفة ، طب ، هندسة ، تدريس ، محاماة ، في أي مهنة تفوق من أجل أن تؤثر في الناس ، حتى ولو كنت طالباً .
ثاني توجيه : احرص على ما ينفعك ، يعني لا تبحث عن المظاهر ، المظاهر لا قيمة لها كلها وراء ظهرك، ابحث عن الشيء المفيد في حياتك .
الشيء الثالث : استعن بالله ولا تعجز ، أن تقول لي : لا أقدر ، أخي لا أقدر أُذكرك بقول رسول الله استعن بالله ولا تعجز .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: شرح الحديث الشريف – أحاديث متفرقة – الدرس (006 – 127 ) : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1988-10-02 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس