عمر بن عبد العزيز1

بسم الله الرحمن الرحيم

لا إثنينية في حياة المؤمن:

أيها الإخوة الكرام، مع سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، والتابعيّ اليوم هو سيدنا عمر بن عبد العزيز، الذي عدَّه المؤرخون من أهل العلم العاملين، ومن الخلفاء الراشدين، وما أروعها أن تلتقي الخصائص الدينية بالخصائص الزمنية كما يقولون، وما أروع الإنسان أن يكون عالماً، وأن يكون عاملاً، وأن يتفوق في الدنيا، وأن يتفوق في الآخرة.
يقول هذا الخليفة العظيم:

تاقت نفسي للإمارة، فلما بلغتها تاقت نفسي للخلافة، فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الجنة

معنى ذلك: أن ليس في حياة المؤمن إثنينية، أعماله، مناصبه، تجارته، بيته، دخله، إنفاقه، طاقاته، أفكاره، أدبه، قلمه، مطالعاته، ثقافته، لهوه، كلها تَصُبُّ في هدف واحد،

تاقت نفسي للإمارة، فلما بلغتها تاقت نفسي للخلافة، فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الجنة

يغلب على الظن أنه تاقت نفسه للإمارة ليصل بها إلى الجنة، وتاقت نفسه للخلافة ليصل بها إلى الجنة، والدنيا مطيّة المؤمن، يتخذها وسيلة للتقرب من الله عز وجل.
بالمناسبة هذه الحظوظ التي أتحدث عنها كثيراً، كلما نِلْتَ منها قسطاً أوفر اتَّسعتْ قدرتُك على العمل الصالح، واتَّسعتْ بالتالي مسؤوليتُك.
كلما ارتفعت في مستوى الحظ الذي منحك الله إياه، ازدادتْ قدرتك على العمل الصالح، وازدادتْ مسؤوليتك، فأحياناً الإنسان القوي بتوقيع يلغي منكرًا، وبتوقيع يقيم المعروف، بتوقيع واحد.
تصور معلمَ مدرسةٍ، أو مدير مدرسة، أو مدير تربية، أو وزير تربية، كلما ارتفعت السلطة اتَّسعت القدرة على الخير، وبالتالي ازدادت المسؤولية، فالإنسان الغني بإمكانه أن يحلّ مشاكل عدد كبير من الفقراء، وكل فقير يرقى به، فالمال حينما تمتلكه بإمكانك أن تصل به إلى الجنة، لكن بالمقابل أنت مسؤول عن هذا المال الوفير، ومسؤولية الغنيِّ أشدُّ من مسؤولية الفقير، وهذا حظ المال.
أمّا حظ السلطة، فكلما ازددتَ قوةً ازدادتْ قدرتُك على خدمة الخلق، وازدادتْ بالتالي مسؤوليتك.
العلم: كلما ازداد علمُك، ازدادتْ قدرتُك على إقناع الناس الدين، فإن قصَّرتَ ازدادتْ مسؤوليتُك.
العلم قوة، والمال قوة، والسلطة قوة، هذه القُوى الثلاث في الأرض.
ربما كان تحصيل المال شيئًا صعبًا، وربما كان الوصول إلى مركز قوي صعبًا أيضًا، أما الشيء المتاح أنْ تطلب العلم، ولا تنسوا أيها الإخوة أنّ قوة العلم هي أقوى قوة، والدليل: أقوى أقوياء العالم لا يتحركون إلا باستشارة الخبراء، ليس هناك إنسان قوي في العالم يتخذ قرارًا إلا بعدما يأخذ رأي الخبراء، فالذين يحكمون في الحقيقة هم الخبراء، لذلك الإمام الشافعي حينما فسر قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)

[سورة النساء: 59]

قال: أولي الأمر هم الأمراء والعلماء، العلماء يعرفون الأمر، والأمراء ينفذِّون الأمر، فأن تجمع بين التفوق في الدنيا والتفوق في الدين شيءٌ رائع جداً، والتفوق في الدنيا ليس للدنيا إطلاقاً، بل من أجل أن تزداد قدرتك على العمل الصالح.
يعني أنت حينما تطلب العلم بإمكانك أن تنقذ آلاف مؤلفة من الشقاء، وأنت حينما تطلب العلم بإمكانك أن تنقذ الضالين، وحينما تكون غنيًّا بإمكانك أن تمسح دموع البائسين، وحينما تكون قوياً بإمكانك أن تنصف المظلومين، فشيء جميل جداً أنك بإمكانك أن تنصف المظلوم، إذا قنعت به، لذلك علوُّ الهمة من الإيمان، وباب العلم مفتوح على مصراعيه.
وقد قال بعض خلفاء أمية ينصح أولاده، قال لهم:

يا أبنائي تعلموا العلم، فإن كنتم سادة، في الأصل، فقتم، وإن كنتم وسطاً سُدْتُم، وإن كنتم سوقةً عِشْتم

من السوقة، أيْ من عامة الناس تعيش بالعلم، من الطبقة الوسطى تصبح سيداً، وإن كنت في الأصل سيداً تصبح متفوقاً.
أيها الإخوة: العلم أساس أيِّ تقدم، والحديث عن هذا الخليفة الذي يعد من أهل العلم، مَن يشبهه؟ سيدنا صلاح الدين الأيوبي، كان من العلماء العاملين، عامل عالم قبل أن يكون قائدًا، وفاتحً، وردَّ الصليبيين، إنه عالم فقيه، يقرأ القرآن، ويفهم تفسيره، ويقرأ الحديث، وله باع طويل في العلم،
فالحديث عن هذا الخليفة الزاهد خامس الخلفاء الراشدين حديث أطيب من نشر المسك، وأزهى من قطع الروض، وسيرته الفذَّة واحة معطارة، أينما حللت منها ألْفَيْتَ نبتاً طريا، وزهراً بهيا، وثمراً جنيا، وإذا لم يكن في وسعنا أن نستوعب الآن تلك السيرة التي ازدان بها التاريخ، فإنّ هذا لا يمنعنا أن نقطف من روضها زهرة، وأن نقبس من نورها ومضة، ذلك لأنه: ما لا يُدرَك كلُّه لا يُتْرَك بعضُه.
إليكم بعض الصور المنتزعة من حياة هذه الخليفة الراشد.

صورة1 من حياة سيدنا عمر بن عبد العزيز:

من صور حياة عمر بن عبد العزيز، يرويها الطبري عن الطفيل بن مرداس، يقول: إن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة كتب إلى سليمان بن أبي السري واليه على الصغد كتاباً قال فيه:

اتخذْ في بلادك فنادقَ لاستضافة المسلمين، فإذا مرَّ بها أحد منهم فاستضيفوه يوماً وليلة، مجاناً، وأصلحوا شأنه، وتعهدوا دوابه، فإذا كان يشكو نصباً، فإذا كان يشكو نصباً فاستضيفوه يومين وليلتين، وواسوه، فإذا كان منقطعاً لا مؤنة عنده، ولا دابة تحمله، فأعطوه ما يسدّ حاجته، وأوصلوه إلى بلده

السبب أنه في عهد هذا الخليفة العظيم جمعت أموال الزكاة، وكأن الفقر قد انتهى،
لذلك لم يجد هذا الخليفة مصرفاً للزكاة، فبدا له أن يفيَ عن الغارمين دَيْنَهم، ثم أمر بهذه المرافق الحيوية كي تكون في خدمة المسلمين،
فصدع الوالي بأمر أمير المؤمنين، وأقام الفنادق التي أمره بإعدادها، فَسَرَتْ أخبارُها في كل مكان، وطفِق الناسُ في مشارق البلاد الإسلامية ومغاربها يتحدثون عنها، ويشيدون بعدل الخليفة وتقواه.

صورة2 من حياة سيدنا عمر بن عبد العزيز:

فما كان من وجوه أهل سمرقند – هذه البلاد الآن تابعة للجمهوريات الإسلامية التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي –
فما كان من وجوه أهل سمرقند إلا أن وفدوا على واليها، سليمان بن أبي السري،
وقالوا: إن سلفك قتيبة بن مسلم الباهلي قد دهم بلادنا، من غير إنذار، ولم يسلك في حربنا ما تسلكونه معشر المسلمين، فقد عرفنا أنكم تدعون أعداءكم إلى الدخول في الإسلام، فإن أبوا دعوتموهم إلى دفع الجزية، فإن أبوا أعلنتم عليهم القتال،
هؤلاء أهل سمرقند بَلَغهم أن هذه هي الطريقة الشرعية لفتح البلاد، أمّا هم فلم يُعرَض عليهم الإسلام، ولم يُدعَوا إلى دفع الجزية، بل حوربوا مباشرة، فاشتكوا إلى الوالي الذي كان عليهم، اشتكوا سلفه الذي داهم بلادهم، وهو قتيبة بن مسلم الباهلي، يقولون:
وإنا قد رأينا من عدل خليفتكم وتقواه ما أغرانا بشكوى جيشكم إليه، فقدَّم أهل سمرقند شكوى، والاستنصار بكم على ما أنزله بنا قائد من قوادكم، فأْذَنْ أيها الأمير لوفد منا بأن يَفِد على خليفتكم، وأن يرفع ظلامتنا إليه،
اسمح لنا أن نرسل وفدًا إلى دمشق نرفع ظلامتنا على قتيبة بن مسلم الباهلي الذي داهمنا، ولم يسلك الطريقة التي شرعها نبيُّكم، فإذا كان لنا حق أعطيناه، وإن لم يكن لنا حق عدنا من حيث ذهبنا، فأذن سليمان لوفد منهم بالقدوم على الخلفية في دمشق، فلما صاروا في دار الخلافة، رفعوا أمرهم إلى خليفة المسلمين عمر بن عبد العزيز،
فكتب الخليفةُ كتاباً إلى واليه سليمان بن أبي السري، يقول فيه:

أما بعد، فإذا جاءك كتابي هذا فأجلِسْ إلى أهل سمرقند قاضياً ينظر في شكواهم، يكفي قاضٍ من عندك، فإن قضى لهم، فأمر جيش المسلمين بأنْ يغادر مدينتهم، وادعُ المسلمين المقيمين بينهم إلى النزوح عنهم، وعودوا كما كنتم، ويعودون كانوا قبل أن يدخل ديارهم قتيبةُ بن مسلم الباهلي

بلدة فتحت عن طريق الحرب، ويعلم أهلها أن هذا الفتح فيه خلل شرعي، يذهب وفدٌ منهم إلى خليفة المسلمين، وبكل بساطة يقول للوالي عليهم: أَجلِسْ إليهم قاضياً يحكم بينهم وبين طريقة فتح بلادهم، فإن كانوا على حق فأْمر جيشك أن يخرج من بلدتهم، وأْمر المسلمين المقيمين بأن ينزحوا عنهم، وعودوا كما كنتم قبل فتح البلدة، تلك التي فتحها قتيبة بن مسلم الباهلي، وهناك تفصيلات أدق من ذلك،
لقد أعطاهم كتاباً على شكل قصاصة صغيرة، فما صدقوه، هل هذا معقول؟! جيش بكامله ينسحب بهذه القصاصة أو بهذه الكلمة!!.
فلما قدم الوُفد على سليمان بن أبي السري، ودفع إليه كتاب أمير المؤمنين، بادر، أَجْلَسَ إليهم قاضي القضاة جميع بن حاضر الناجي قاضي القضاة، أعلى قاض، فنظر في شكواهم، واستقصى أخبارهم، واستمع إلى شهادة طائفة من جند المسلمين وقادتهم، فاستبان له صحة دعواهم، وقضى لهم عند ذلك،
الآن صدر قرار مِن قاضٍ مسلم يحكم على جيش إسلامي بالخروج من سمرقند، لأن فتحها لم يكن شرعياً، عند ذلك أمر الوالي جندَ المسلمين أن يُخلُوا لهم ديارهم، وأن يعودوا إلى معسكراتهم، وأن ينابذوهم كرّة أخرى، فإما أن يدخلوا بلادهم صلحاً بالجزية، وإما أن يظفروا بها حرباً، وإما ألاّ يكتب لهم الفتح لو انهزموا، لم يصدَّقْ أهل سمرقند لما جرى، فما سمع وجوه القوم حكمَ قاضي القضاة لهم، حتى قال بعضهم لبعض: وَيْحَكُم، لقد خالطتُم هؤلاء القوم، وأقمتم معهم، ورأيتموهم من سيرتهم، وعدلهم، وصدقهم ما رأيتم فاسْتَبْقوهم عندكم، وطِيبُوا بمعاشرتهم نفساً، وقرُّوا بصحبتهم عيناً.
أذكر لكم قصة هامشية ربما ذكرتها مرة، أنّ فلاحًا أعطوه أرض عشرين دُنُمًا، حسب الأنظمة الإقطاعية النافذة سابقاً، ففرح بها، وسأل شيخه، فقال له: يا بني هذا حرام، هذا المال ليس لك، لا بد أن تشتري هذه الأرض، فقال له: ليس معي ثمنها، قال له: أَعْرِضْ هذا على صاحب الأرض، على أن يأخذ ثمنها منك تقسيطاً، فذهب إليه، يا سيدي: أنا أعطوني أرضًا من أراضيك الواسعة، وسألت شيخي، فأجاب بأنه لا أنْ أشتريها منك، فما العمل؟ وعندي هذا المبلغ اليسير، ويعني أساورَ زوجته، فقال له هذا الإقطاعي: واللهِ أنا ذهب مني أربعمائة دُنُمٍ فما رأيت واحدًا جاءني بهذه المقولة إلا أنت، فهذه الدُّنُمات هي لك عن طيب نفس مني، هدية لك فتمَلَّكْها، وازرعها، وانتفع بها، وبارك الله لك فيها.
إنها قضية ورع، فالجماعة رأوا من عدلهم، ورحمتهم، وإنصافهم فقالوا: ما لنا ولإخراجهم، طيبوا بهم نفساً، وقروا بهم عيناً.

صورة3 من حياة سيدنا عمر بن عبد العزيز:

من صورة حياة هذا الخليفة العظيم يرويها لنا ابن عبد الحكم، في كتابه النفيس المسمى (سيرة عمر بن عبد العزيز)، فيقول:
لما حضرت عمرَ الوفاةُ، دخل عليه مسلمة بن عبد الملك،
وقال: إنك يا أمير المؤمنين قد فطمت أفواه أولادك عن هذا المال، فحبذا لو أوصيت بهم إليك، أو إلى من تفضله من أهل بيتك، فلما انتهى من كلامه
قال عمر:

أجلسوني، فأجلسوه،
فقال: قد سمعتُ مقالتك يا مسلمة، أمَا إنّ قولك: قد فطمت أفواه أولادي عن هذا المال، فإني واللهِ ما منعتهم حقاً هو لهم، ولم أكن لأعطيهم شيئاً ليس لهم، أما قولك: لو أوصيت بهم إلي، أو إلى من تفضله من أهل بيتك، فإنما وصيي وولي فيهم الله الذي نزل الكتاب بالحق، وهو يتولى الصالحين، واعلمْ يا مسلمة أن أبنائي أحدُ رجلين، إما رجل صالح متقن فسيغنيه الله من فضله ويجعل له من أمره مخرجا، وإما رجل طالح مكبٌّ على المعاصي فلن أكون أول من يعينه بالمال على معصية الله تعالى

ثم قال ادعوا لي بنيّ،
موقف مؤثر جداً، أولاد سيدنا عمر، ما أعطاهم شيئاً، فدعوهم وهم بعضة عشر ولداً، فلما رآهم ترقرقت عيناه، وقلتُ – القائل مسلمة – في نفسي: فتية تركهم عالة لا شيء لهم، وهو خليفة، وبكى بكاءً صامتاً، ثم التفت إليهم،
وقال:

أي بنيّ إني لقد تركت لكم خيراً كثيراً، فإنكم لا تمرون بأحد من المسلمين، أو أهل ذمتهم، إلا رأوا أن لكم عليهم حقاً

هذه السمعة الطيبة، كيفما مشى ابن الرجل الصالح يقال له: رحمة الله على والدك، هذه ثروة كبيرة جداً،
قال:

إنكم لا تمرون بأحد من المسلمين أو أهل ذمتهم، إلا رأوا أن لكم عليهم حقاً، يا بنيّ إن أمامكم خياراً بين أمرين، فإما أن تستغنوا

أي أن تصبحوا أغنياء،

ويدخل أبوكم النار، وإمّا أن تفتقروا ويدخل الجنة، ولا أحسب إلا أنكم تؤثرون إنقاذ أبيكم من النار على الغنى

كذلك ربّاهم تربية عالية، ربّاهم على محبته، ومحبة الحق، ثم نظر إليهم في رفق وقال:

قوموا عصمكم الله، قوموا رزقكم الله

مسلمة، يعني شيء أحد قواد بني أمية الكبار، فالتفت إليه مسلمة،
وقال: عندي يا أمير المؤمنين ما هو خير من ذلك
فقال:

وما هو؟

قال لدي ثلاثمائة ألف دينار – من ماله الشخصي – لدي ثلاثمائة ألف دينار، وإني أهبها لك ففرِّقها عليهم، أو تصدّق بها إذا شئت،
فقال له عمر:

أَوَ خير من ذلك يا مسلمة؟!

قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟
قال

تردُّها لمن أخذتها منه

أنى لك بهذا المبلغ الضخم؟

تردّها إلى من أخذتها منه، فإنها ليست لك بحق

فترقرقت عينا مسلمة، وقال: رحمك الله يا أمير المؤمنين حياً وميتاً، فقد ألَنْتَ منا قلوباً قاسية، وذكّرتها، وقد كانت ناسية، وأبقيت لنا في الصالحين ذكرا،
ثم تتبع الناسُ أخبارَ أبناء عمر من بعده، فرأوا أنه ما احتاج أحد منهم ولا افتقر، وصدق الله العظيم إذ يقول:

(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً)

[سورة النساء: 9]

ورد في الأثر أن الله سبحانه وتعالى يسأل عبداً أعطاه مالاً وفيراً يوم القيامة، يقول له:

عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه، يقول يا رب لم أنفق منه شيئاً على أحد مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فيقول الله عز وجل: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين، إن الذي خشيت على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، أي جعلتهم فقراء، ويسأل عبداً آخر فيقول: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه، يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي بأنك خيرٌ حافظاً،وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله عز وجل: عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك

يعني موضوع مستقبل أولادك منوط باستقامتك أنت، ولو تركت لهم مئات الملايين ربما أصبحوا متسولين، ربما أتلف المال كله، ربما أنفق المال كله على المعاصي، فلذلك سيدنا عمر بن عبد العزيز وقف هذا الموقف، فهذه ثلاث صور.

طرفه:

ومن الطُّرَف التي كانت تُرْوَى أن رجلاً من بني أمية بعدما توفي سيدنا عمر بن عبد العزيز قال للخليفة الذي من بعده: إن جدك قد أقطعني أرضاً، وإن عمر رحمه الله تعالى قد أخذها مني فعجب هذا الخليفة، وقال له: الذي أقطعك الأرض لم تترحم عليه، أما الذي أخذها منك ترحمت عليه!
كن مع الله ولا تبالي، من أرضَى الله بسخط الناس رضي اللهُ عنه و أرضى عنه الناسَ.

الخلاصة:

هذه السيرة تعني أنْ تكون وقافاً عند كتاب الله، تكون مع الحق، صورة معاكسة، شاب توفي أبوه منذ يومين، فرأوه متجهاً إلى مكان لا يليق به، إلى ملهى، إلى أين؟ فقال: أريد أن أشرب الخمر على روح والدي، فإذا كان الإنسان قد ترك أموالاً طائلة، ولم يعلِّم أولاده، فكل هذا المال الذي ينفقه الأولاد في المعاصي يتحمل الأبُ إثمَه،
لذلك أندمُ الناس يوم القيامة رجلان – استمعوا –
غنيٌّ دخل أولادُه بماله الجنة، ودخل هو بماله النار، جمعه من حرام فورِثه أولاده، الذين لو عرفوا الله لأنفقوه في طاعته، فدخلوا بماله الجنة، ودخل هو بماله النار،
وعالم دخل الناسُ بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار،
لذلك الدعاء:

اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني

إنها مصيبة كبيرة أن توضِّح حديثًا، أن توضح آية، ثم يأتي إنسان فيفهمها، ويعقلها، ويطبقها، فيسعد بها، ويرقى بها، والذي علَّمها لا يستفيد منها،

اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك وألتمس به أحد سواك،
اللهم إني أعوذ بك أن أتزيّن للناس بشيء يشينني عندك،
اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك

فلا يكن الإنسان قصةً، فإذا عصى وطغى، وبغى، عاقبه اللهُ عقابًا أليمًا، وصار قصة يتناقلها الناس في مجالسهم، وفي ندواتهم، ولقاءاتهم، اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك، الله قال:

(وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ)

[سورة المؤمنون: 44]

صاروا قصصًا وعِبرًا.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – سيرة التابعين الأجلاء – الدرس 13-20 : التابعي عمر بن عبد العزيز
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-08-08 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس