إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ سبعين خريفاً

[أحمد]

أول حقيقة في هذا الدرس أنك حينما لا تعدّ كلامك من عملك فأنت في خطأ كبير
والقاعدة الذهبية :
أنه من كثر كلامه كثر خطأه
فيك يا فلان خصلتان، يحبهما الله ورسوله : الصمت وحسن الخلق،
الساكت في سلامة والمتكلم إما له أو عليه .
كلمة، كلمة تسبب طلاق، كلمة تسبب فصم شركة، كلمة تسبب شقاء أسرة، كلمة تسبب عداء مستحكم .

إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ سبعين خريفاً

أيها الإخوة الكرام، هناك وهم عند المسلمين خطير جداً، وهو أن المسلم حينما يتوهم أنه لم يفعل الكبائر، لا قتل، ولا سرق، ولا زنا، ولا شرب خمر، كأنه نجا،
استمع إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام :

أَلَا إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَدًا، وَلَكِنْ سَيَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِي بَعْضِ مَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَيَرْضَى بِهَاً

[ابن ماجه عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ]

أكثر الناس عنده قائمة طويلة يتوهم أن كل بنودها صغائر لا قيمة لها، ولا تقدم، ولا تؤخر، ويقول لك : كلام في كلام،

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : … فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا، كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً،

فَقَالَ : لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ ً

[الترمذي، أبو داود، أحمد]

هذا اللقاء وهذا الدرس حول أخطاء اللسان الكبيرة، ترى المجتمع ممزقًا، السر الحي منقسم، بسبب هذا اللسان،
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ، وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ

أكبر كلمة ينبغي أن نذكرها في هذا الدرس : يجب أن تعد كلامك من عملك،
أضرب لكم بعض الأمثلة :
امرأة مؤمنة طاهرة، لها زوج تحبه ويحبها، وتطيعه ويكرمها، أنجبت مولوداً، زارتها جارة لها، قالت لها: ماذا قدم لك في هذه المناسبة ؟ قالت : ما قدم لي شيئًا، قالت : يا حوينتك به ! كلمة، تألمت، صغرت أمامها، يليق بك زوج يضعك في عينيه، زوجها فقير، وموظف، ودخله من حلال، وليس مستعدًا أن يمد يده للحرام، فلما قالت لها هذه الكلمة اسود زوجها في عينيها، جاء ظهرًا فإذا هي متغيرة، ما فيها ابتسامة، ولا أهلاً وسهلاً، منزعجة، ما الذي حصل ؟ اسكت، يعلو صوته عليها، يعلو صوتها عليه، يتكلم كلمة قاسية تبكي، تذهب إلى بيت أهلها، تأتيها خالتها وعمتها يغذيانها، ألاّ تعودي إليه، قد ينتهي هذا الزواج بالطلاق، والله عندي آلاف الشواهد من كلمة قالتها جارة، هذه التي قالت شيطانة .
قصة ثانية، شابة نشأت في بيت مؤمن، بيت فيه منهج، فيه أدب، فيه حياة، همها قيام الليل، همها صلاتها، همها عبادتها، همها دراستها، همها تحصينها، واثقة من نفسها، واثقة من ربها عز وجل، يأتي قريب لها من محارمها، لماذا أنت سوداء ؟ لمن أنت طالعة، لا يخطر في بالها إطلاقاً معنى لونها، هذا بعيد عن عالمها كلياً، فعلاً هي غامقة، من يخطبك ؟ هذا الإنسان بحقها مجرم أدخلها في عقدة .
والله أيها الإخوة، كل كلمة تقال في المجالس، في السهرات، في النزهات، في الندوات، أحياناً تقول : شيطان يتكلم،
تدخل إلى بيت صغير، صاحبه فرح به، مختل توازنه من فرحه، عنده بيت ملك، ما هذا البيت ؟ يقول له: هذا لا يسكن ! كيف اشتريته، هو عنده بيت ثلاثمئة متر، وهو تاجر، وغني، وهذا الذي زاره ابن أخيه موظف محترم، مستقيم صادق، أخذ بيتًا ستين مترًا، يسوّده في عينيه، ترى حياته نغصت،
لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :

ليس منا من فرّق

[الطبراني عن معقل بن يسار]

والله أيها الإخوة، أنا لا أصدق أن مؤمنًا يسوّد حاجات إنسان مستقيم بعينه، إما أن يسوّد بعينه عينه، أو زوجته، أو أولاده، أو دخله، أو وظيفته، يكون موظفًا يشتغل بمحل، صاحب المحل إنسان كريم، ويعطيه معاشًا معقولًا، وفي ذهنه أشياء كثيرة له، يزوجه فرضاً، يأخذ له بيتًا، وهما في تفاهم، وفي إخلاص، وفي ود، يأتي عنده إنسان، ماذا يعطيك ؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ

والله ثمانية آلاف، ثمانية ؟ لا تكفيك ثلاثة أيام، أنت مجنون، أنت تستحق عشرين، كبر رأسه، بدأ ينتقم، يعترض، لا يكفي المعاش، قال له صاحب العمل : مع السلامة، ما وجد عملا، عنده زوجة، أنت ماذا فعلت معه ؟
والله أيها الإخوة، أكثر المتكلمين المنقطعين عن الله شياطين، يفرقون بين المرء وأهله، بين الأم وابنها، بين الشريك وشريكه، بين الجار وجاره، ما عنده غير النقد، ما عنده إلا الاستعلاء، كأنه أكل أكلة حامضة، دائماً مكشر، ما عنده إلا النقد، تصغير حاجات الناس في عيونهم،
وهذا الحديث أيها الإخوة والله ينخلع له القلب .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ

[متفق عليه]

أحيانا لا يتكلم، ماذا قالوا : تزوجت ؟ نعم تزوجت، من أخذت ؟ والله فلانة، لا يتكلم ولا كلمة، فقط يهز ثوبه، يقصد أنها ليست على خُلق، يطلقها زوجها في اليوم التالي، ماذا قلت ؟
معلمة عندها طالبة متربية، عندها خجل، المدرسة لها رهبة عندها، تقول لها : أنت غبية، وهي في الصف السادس أو في السابع، تنشئ عندها عقدة للموت، أنها غبية لا تنجح، تكون متفوقة، قالت لها المعلمة : إنها غبية .
أحيانا تستعير سوارين أو ثلاثة للعرس، تضع من هنا إلى هنا، والله زوجي اشترى لي، هذه التي تتفاخر بما ليس لها شيطانة، همّها أن تكسر عين مَن حولها، وتستعلي عليهم، ترى المجتمع مجتمعًا ممزقًا، مجتمعًا فيه عداوات، وفيه خصومات من هذا اللسان .
سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ قَالَ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ

[متفق عليه]

أقول لكم مرة ثانية : هناك كبائر لسانية، كبائر لسانية تحول بينك وبين دخول الجنة، منها النميمة، وهي ـ والله ـ متفشية بين الناس بشكل وبائي، سمعت ما قال عنك ؟ قال : إنك لا تفهم شيئًا، فعلاً قالها، أما المؤمن فلا يمكن أن ينقل كلامًا سيّئًا قيل في فلان لفلان، يحدث شرخًا، وانهدامًا، وحقدًا، وتفكيرًا بالانتقام، وأحدث فضيحة، ونشر غسيلا، المجتمع اليوم مفتت، مجتمع متناحر، متحاسد، متنابز بالألقاب، هناك استهزاء، وسخرية، واستعلاء، تقول لي : مؤمن تصلي، مؤمن تصوم وتحج، هذه عبادات شعائرية بينك وبين الله، وهذه عبادات شعائرية فيها تقبض ثمن استقامتك، فإن لم تكن مستقيماً ـ والله ـ فلا معنى لها إطلاقاً، اسألني الدليل، نبدأ بالصلاة .
قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

أتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ، وَلَا دِينَارَ، وَلَا مَتَاعَ، قَالَ : الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْعَدُ، فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ

[مسلم، الترمذي]

أين صلاته ؟
الإنسان حينما يفرق بين الناس بكلامه، حينما يرتكب جريمة النميمة،
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ

[مسلم]

لا صلاة لك، ولا صيام لك، ولا حج لك، ليس معقولا، دائماً كلامك فيه إساءة، فيه نقد، فيه تجريح، فيه قنص، وأنت مرتاح، السهرة إلى الساعة الواحدة كلها بالغيبة والنميمة، والجماعة مسرورون، بعد ذلك يقرؤون الفاتحة حينما ينتهون، وكأنهم في عبادة .
مرة زرت أحد إخواننا الكرام، غرفة الضيوف صغيرة جداً، إلى درجة أنها لا تتسع إلا لعدد من المقاعد، وفيها طاولة في الوسط، وبين المقاعد والطاولة مسافة صغيرة جداً، فالأخ استحيا بهذه الغرفة، قلت له : من أنت أمام سيد الخلق، وحبيب الحق ؟ كانت غرفته التي ينام فيها لا تتسع لصلاته ونوم زوجته، فكانت زوجته عائشة رضي الله عنها تنزاح جانباً كي يصلي، هل هناك غرفة نوم لواحد منا لا تتسع لنوم امرأته وصلاته ؟ كم مساحتها؟ قلت له هذا الكلام فَسُرّ .
يجب عليك أينما تحركت، أينما دخلت أحسن دنيا الناس في عيونهم، العبرة بمعرفتك لله، العبرة بطاعتك له، العبرة غنى النفس، الغنى والفقر بعد العرض على الله .
هناك حالات ثانية، إنسان يشكو لك ابنه، تقول له : والله أنا عندي ابن ما شاء الله، قمة في الكمال، حرقت قلبه بزيادة عندك ابن جيد، اشكر ربك بينك وبين ربك على انفراد، لكن ما وجدت مناسبًا أن تشكر الله على ابنك الصالح إلا أمام هذا الذي يتلوى من عقوق ابنه ؟ يجب أن تتكلم كلامًا طيبًا .
تريد دليلا ؟

عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ، وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَ : مَا لَكَ يَا حَنْظَلَةُ ؟ قَالَ : نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا أَبَا بَكْرٍ، نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى الْأَزْوَاجِ وَالضَّيْعَةِ نَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ : فَوَاللَّهِ إِنَّا لَكَذَلِكَ … )) .

[مسلم، الترمذي]

أنا ـ والله ـ أرى التقرب من الله إذا شكا إنسان لك شيئًا ألاّ تتركه مستوحشًا وحده، والله قضية عامة، يا أخي، والله بلوى عامة، الآن صعب جدًّا، الأولاد صعاب جدا، وسائل الإغراء كثيرة، الله يعينني ويعينك على تربيتهم، فيها جبر خواطر، فيها طمأنينة، كلما رأيت إنسانًا شكا لك قضية فأنت تستثني نفسك، وأنت عندك زوجة ليس لها مثيل، ما علاقتهم بزوجتك ؟ هذا كلام من الشيطان .
أنا أحياناً لما أسمع عن إنسان مجرم، وألقي القبض عليه، وصُوّر بحالة ذل شديد، أقول : هذا من عمل الشيطان، اضبط كلامك، يمكن أن ترقى إلى أعلى عليين عن طريق لسانك، هناك كلمة مطمئنة، كلمة فيها تطيب قلب .
الآن في الإيجابيات، يدخل إنسان موظف كبير، حوله موظفون صغار، لا يتكلم كلمة، ولا يسلم، ولا يسأل، يظن أن هذا يعلو به مقامه، لا، لو سألت هذا الحاجب : كيف حالك يا بني ؟ إن شاء الله بخير، صحتك طيبة، أولادك بخير، يمكن أن يبقى شهرًا يترنم بكلامك، ماذا كلفك هذا ؟ كلمة طيبة، والكلمة الطيبة صدقة، ترى المؤمن موفقًا محبوبًا متواضعًا، يطيّب قلوب الناس .
كثير من موضوعات بالكلام أيها الإخوة، إما أن تمدح أهلك مدحًا غير معقول، أو أن تمدح أولادك، كيفما جلست تتكلم المرأة عن أولادها، وأولادها دون الوسط، وقد يكونون أقرب إلى الضعف، هوس، مديح الأهل، مديح الزوج، مديح الأولاد، مديح البيت من أجل الاستعلاء، ترى هذا الكلام كله كلامًا شيطانيًّا،
قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ

[البخاري، الترمذي، أحمد]

لحييه لسانه، ما بين رجليه فرجه،
حينما تعلم أن كلامك من عملك فلك حال مع الله راقٍ جداً، ضبط اللسان يحتاج إلى جهد كبير، لأن الكلمة إلقاؤها سهل جداً، إن أردت أن تقيم وليمة تحتاج إلى وقت، تفرغ، إعداد الأعمال، كلها تحتاج إلى جهد، إلا الكلام، كلمة، قال كلمة ومشى، وهذه الكلمة فعلت فعل القنبلة في هذه الأسرة .
لذلك هناك تعريض، وتوبيخ، وازدراء، وسخرية، وتهكم، وتمطٍّ، ومناوشة، ومهاترة، وتنابز بالألقاب .
قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ

[متفق عليه]

كلمة، لذلك في بعض الأقوال : قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة .
هناك أشخاص أيها الإخوة أسهل شيء عليهم إلقاء التهم، يلقون هذه التهم وكأنها قنابل، وينصرفون، صدقوا في هذا الأسبوع سمعت تهجمات على بعض الأشخاص أعرفهم، والله كلام لا أصل له، لا أصل له إطلاقاً، وتحققت من ذلك،
قال تعالى :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)

[سورة الحجرات]

لك أخ محب، تحبه ويحبك، وتقدره ويقدرك، وتعظمه ويعظمك، بلغك عنه قصة سيئة جداً، ماذا تفعل ؟ سأقول لكم ماذا سيجري، تحتقره احتقارًا، وأسقطه من حسابك، وبالتعبير العامي قطعت له ورقة، ما تحققت، ما سألت، ما بحثت، ما دققت، هذا عمل خطير جداً، وعمل فيه مؤاخذة كبيرة من الله، تأتي إليه، يا أخي بلغني عنك كذا وكذا، بينك وبينه، وأنت غال علي، أنا أخ وفيّ لك، حدثني عن حقيقة هذه التهمة، أول احتمال رائع، تكون التهمة لا أساس لها من الصحة، والله مئات التهم تصل إلى سمعي أنا لا أصدقها، لما أتحقق فعلاً أجد أنه لا أصل لها، لو أنني تورطت، واتهمت هذا الإنسان في دينه، أو في علاقاته، وأنا غير منصف، أنا أؤاخذ، قال عليه الصلاة والسلام :

الذنب شؤم على غير صاحبه إن ذكره فقد اغتابه وإن رضيه شاركه في الإثم وإن عيره ابتلي به

[ورد في الأثر]

تصور أنت لم تذنب، لكن غيرك أذنب، أنت أمام ثلاثة مزالق، أول مزلق أن تقع في الغيبة، والثاني أن تقع في مشاركة الإثم، والثالث أن تقع في التعيير، ومن عير أخاه بشيء ابتلاه الله به .
لكن هناك حالة ثانية، تعرف أن أخاك إنسان ورع جداً، ومستقيم، وتعرف له خصوم، فجاءتك عنه تهمة، أنت موقن أنها غير صحيحة، فإذا ما سألته فلا مانع، إذا لم تهز هذه الفكرة أو هذه التهمة مكانة أخيك عندك فما مِن داعٍ أن تقول له، لكن هذه التهمة غيرت قلبك اتجاهه، هناك استفهام، ينبغي أن تفاتحه، تفاتحه، أو لا تفاتحه، تفاتحه إن تغير قلبك اتجاهه، ولا تفاتحه إن كنت متأكداً من استقامته ومن عفافه .
هل تعلم أنه يمكن أن تكذب برخصة من النبي صلى الله عليه وسلم للتقريب بين المؤمنين، هناك خصومة، وشحناء بين اثنين، التقيت بأحدهما، قلت له :
البارحة كنت عند خصمك، البارحة فعلاً جاءت سيرتك، أثنى عليك كثيرا، ما شاء الله يعرف قيمتك، يلين قلبه وارتاح، والله أنا غلطان، هذا مطلوب منك، طبعاً مطلوب، لا تنقل شيئا سيئا، هذا سلبي، الإيجابي مطلوب، أن تنقل أجمل صورة، أحيانا الأب والأم، يغضب الأب تكون الأم غائبة، يسب أحياناً، ماما سبك في غيابك، شيطان، أحياناً أحد أسباب الشقاق الزوجي الأولاد، يعرف أنه أبوه، يرضيه أن يحدثه عن أخطاء أمه، ويعرف أن الأم ترضى إذا حدثها عن أخطاء أبيه، ترى الزوجين في حرب، والسبب هؤلاء الأولاد .
أيها الإخوة، إياكم وفساد ذات البين إياكم،
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصَّدَقَةِ ؟ قَالُوا : بَلَى، قَالَ : صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ : تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ

[الترمذي]

الآية الكريمة :

(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)

[سورة الأنفال : 1]

أمر إلهي وكل أمر في القرآن يقتضي الوجوب،
شيء آخر، تحدثنا قبل قليل عن الصلاة، أنها إن رافقها سباب وشتائم، وعدوان وضرب، وأكل مال حرام، هذه الصلاة لا قيمة لها، قد تنتهي بصاحبها في النار .
الصيام :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ

[البخاري، الترمذي أبو داود، ابن ماجه، أحمد]

كأنه لم يصم، و رُبّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش .
بالدليل القطعي الثابت، لا الصلاة، ولا الصيام، ولا الحج، ولا الزكاة تنفع صاحبها إن لم يكن مستقيماً على أمر الله، بالتعبير المهني ضربة المعلم أن أدعوكم إلى الاستقامة، الاستقامة تقطف كل ثمار الإسلام، من دون استقامة الإسلام ثقافة، معلومات، وكتب، ومجلات، ومحاضرات، وندوات، ومؤتمرات، ومساجد، لكن هذا كله لا يقدم ولا يؤخر، لأن الله عز وجل يقول :

(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ)

[سورة فصلت]

قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ

[متفق عليه]

كلمة فيها تطييب قلب، كلمة فيها احترام، كلمة فيها دعوة للصبر، كلمة فيها أن يرضى عن ربه .
كم من كلمة حانية دفعت إنساناً إلى طريق الخير، كم من كلمة صادقة رفعت حال إنسان إلى أعلى عليين، كما أن هناك أحاديث فيها ترهيب هناك أحاديث فيها ترغيب .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: شرح الحديث الشريف – أحاديث متفرقة – الدرس (121 – 127 ) : الترهيب من كثرة الكلام …… . لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-07-10 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس