زيد بن حارثة حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

الصفات الجسدية التي كان يتمتع بها زيد بن حارثة:

أيها الأخوة الأكارم، حديثنا عن الصَحابِيُّ زيد بن حارثة حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفَهُ الواصِفون بأنَّهُ كان قصير القامة، شديد السُّمْرة، في أنفِهِ فطَس، وأما نبؤُهُ فَعَظيمٌ جداً جداً، ماذا تدُلُّكم هذه المُفارقة، قصير القامة، شديد السُّمْرة، في أنفِهِ فَطَس، وهو حِبُّ رسول الله؟ وسَأريكم بعد قليل كم هي المكانة التي يتمَتَّع بها عند النبي عليه الصلاة والسلام؟ وسأُخْبِرُكم بعد قليل أنَّ الصحابيُّ الوحيد الذي ذكر الله اسمه في القرآن هو سيِّدُنا زَيْد، وفي ذِكْره قِصَّة، ولماذا ذكر الله اسمه في القرآن الكريم؟.
أوَّلاً: لا قيمة لِشَكْل الإنسان إطْلاقاً عند الله عز وجل، أيَّةُ صِفَةٍ تكون مُتَلَبِّساً بها قصيرُ القامة أو طويلها، أبيض اللون أو أسْمر اللون، أيَّةُ صِحَّةٍ، وأيَّةُ عاهَةٍ، أيُّ جمـالٍ، وأيَّةُ وسامَةٍ، وأيـَّةُ دمامةٍ لا أثر لها عند الله تعالى، قيمة الرجل في إيمانه وأفْعاله وعملــه، إذاً: كلُّ القِيَم المادِيَّــة الأخرى تحت الأقدام نَبِيُّ الرحمة والعدل والقِيَم والأخلاق، كلها اجتمعت فيه، وهاهو عليه الصلاة والسلام، يقول:

إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّم َصالح الأخلاق

[أخرجه أحمد في مسنده]

إنه حِبُّ رسول الله.

قصة سيدنا زيد من عبد إلى ابن:

هذا الصحابيُّ الجليل كان أقرب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قبل أنْ يُبْعَث النبي عليه الصلاة والسلام له قِصَّة، وهي أنَّ زَيْداً كان صغيراً وعُمرهُ لا تزيد على ثماني سنوات، أَتَوْا به إلى سوق عُكاظ وباعوه عَبْداً، لماذاَ؟ لأنَّ أمه سعدى بنت ثعْلبة أرادت أن تزور قومها بني معن، وكانت تصحب معها ابنها زيد بن حارثة الكعبي، فما كادت تحِلُّ في ديار قومها حتى أغارت عليهم خيلٌ لبني القيد، فأخذوا المال واستاقوا الإبل وسبوا الذراري، هكذا كان العرب في الجاهلية.
فكان هذا الطفل الصغير في الثامنة من عمره مع أمه في زيارة بيت جدِّه، جاءت غارةٌ مفاجئة فأخذته وباعته في سوق عُكاظ عبداً، واشترى هذا العبدَ حكيم بن حَزام بن خُوَيلِد بأربعمئة درهم، واشترى معه طائفةً من الغلمان وعاد بهم إلى مكة، فلما عرفت عمَّتُه خديجة بنت خُوَيلد بمقدمه زارته مسَلِّمةً عليه مرَحِّبةً به، فقال:
يا عمَّةُ، لقد ابتعتُ من سوق عُكاظٍ طائفةً من الغلمان فاختاري أيَّا منهم تشائين فهو هديَّةٌ لكِ، فتفرَّست السيدةُ خديجةُ وجوه الغلمان واختارت زيدَ بنَ الحارثة لِما بدا لها من نجابته، ومضتْ به، وما هو إلاَّ وقتٌ قليلٌ حتَّى تزوَّجتْ خديجةُ بنتُ خويلد من محمد بنِ عبدِ الله صلى الله عليه وسلم فأرادت أن تُطرِفه، أي تتحفه بتُحفة وهدية، فأهدت له غلامها زيد بن حارثة، فأعتقه النبي عليه الصلاة والسلام فورًا.
بقِيَ عند النبي عليه صلاة والسلام، لم يَبْقَ عنده عبداً، إنما بقي عنده ضيفًا، أما أُمُّه وأبوه فقد بَكَيَا عليه كثيرًا وبَحَثاَ عنه كثيرًا، وفي موسمٍ من مواسم الحجِّ قصَدَ البيتَ الحرام نفرٌ من قوم زيدٍ، وفيما كانوا يطوفون بالبيت العتيق، إذْ هم بِزَيدٍ وجهاً لوجهٍ، فعرفوه وعرفهم وسألوه وسألهم، ولما قضَوْا مناسكهم وعادوا إلى دِيارِهم أخبروا حارثةَ، -من حارثةُ؟ أبوه– بِما رأوا وبما سمعوا، وقال زيدٌ لهؤلاء: أخبروا أبي أني مع أكرمِ والد.
هناك معانٍ كثيرةٌ جدًّا تدور في نفسي حول هذه القصة، النبي عليه الصلاة والسلام لم يُبعَثْ بعدُ، اسمه محمدُ بنُ عبدِ الله، وانظر إلى تعامله لزيد حتى تكلم زيد لأبناء قومه أني مع أكرم والد.
وبعد، دعونا قليلاً من أحداثِ هذه السيرةِ وتعالَوْا بنا إلى حياتنا اليومية، أنتَ كمؤمن، إذا كان إنسانٌ تحتَ يَدِكَ، وليكُنْ صانعاً في محلِّكَ التِّجاري، وليكن موظفاً عندك، أنتَ كمؤمنٍ عليك أن تقتديَ بهذا النبي عليه الصلاة والسلام، يجبُ أن تعاملَه كما تُعامل ابنَك إلى أن يقولَ هذا الإنسانُ الذي تحت يدك: أنا مع أكرم والد، الإسلامُ هكذا، الذي تحت يدك يجب أن تُطعِمَه ممَّا تأكلُ، وأن تُلبسَه ممَّا تلبس.
أيُّها الأخوة الأكارم، إن لم تُعاملوا مَنْ تَحْتَ أيديكم كما تُعاملون أبناءكم، فو اللهِ الذي لا إله إلاَّ هو لا قيمةَ لا لصلاتكم ولا لصومكم ولا لحجِّكُم، فالدِّينُ هكذا، هذا الذي يعيش معك ويتعامل معك إن لم يشعرْ برحمتك وبِعَطْفك وبِحِرصِك، فأنتَ لستَ مسلماً، لعلَّك تظنُّ أنَّ الإسلامَ صومٌ وصلاةٌ، لا والله، شيء يُلفتُ النظرَ فهذا كان قبل البعثة، ولو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عامله هذه المعاملة بعد أن بعثه الله وأحبَّه، فلرُبَّما ليستفيد دعاية له، أو مُجاملةً، لكن عامله المعاملة الطيبة قبل البِعثةِ وهو كرجلٍ من رجال مكةَ اسمُه محمَّدُ بنُ عبد الله.
لديك يتيمٌ في بيْتِك إنْ لم تَرْعَهُ الرِّعاية التامة وتُطْعِمه مما تأكل، إنْ لم يشْعُر بالحَنان والإنصاف، فإسلامك صورة وشكل،
سيّدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان عنده ضَيْفٌ وهو أمير المؤمنين فانطفأ السِّراج، فقامَ سيّدنا عمر بِنَفْسِه وأصلح السِّراج، فهذا الضَّيف وقع في حرَجٍ، فقال له: أنت أميرُ المؤمنين، قُل للغُلام أو أكون أنا مُصْلِحه، فقال له:

أما أنت فَضَيْفٌ وَسَخافَةٌ بالمرء أنْ يسْتخدم ضَيْفه، هكذا النبي علَّمَهُ، وأما الغُلام فقد نام وكَرِهْتُ أنْ أوقظه، ذَهَبْتُ وأنا عمر وعُدْتُ وأنا عمر

فيا أيها الأخوة الأكارم، الإسلام دينُ معاملة بِحَيث يجْعلك عند عاملك أو الموظف الذي لديك تزْداد احْتِراماً وحُباً عنده وتَعَلُّقاً بك وكُلُّ هذا من الإحْسان، والله لو عامَلْنا غيرنا بهذه المُعاملة لكُنا مُجْتَمَعاً مُتَماسِكاً وبِحالٍ غير هذه الحال قَوْلاً وعملاً.
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصْحابه، وقال:

وعلّيَّ جمعُ الحطب، فقالوا: نَكْفيكَ ذلك، قال: أعرف، ولكنَّ الله يكرهُ أنْ يرى عبداً مُتَمَيِّزاً عن أقْرانه

في معْركة بدْر، قال:

أنا وعليّ وأبو لُبابة على راحِلَة، فقالوا: ابْقَ راكِباً، فقال: لا، ما أنتما بِأقْوى مني على المَشْي، ولا أغْنى مني عن الأجر

هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلَّم بلا مَيِّزَة، فَحُبُّهم له وتعْظيمُهُم له وتقْديسُهم له شيءٌ آخر، أما هو فقد جعل نفْسه معهم في كفَّةٍ واحدة، سَواءً بِسَواء، حتى أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا جلس مع أصْحابه ودخل أعْرابيّ لم يعْرِفْهُ، قال:

أيُّكُم مُحمّدٌ صلى الله عليه وسلّم، فَيَقول النبي: قد أصَبْتَ

لماذا؟ لأنه لم تكن له ميزَةٌ على أصْحابه الكِرام.
حارثة لما علِمَ أنَّ ابنه فَلِذَةُ كَبِدِه بِمَكَّة عند محمدٍ بن عبد الله، شَدَّ راحِلَتَهُ وهيَّأ المبلغ الكبير لافتدائه، تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مكَّة المُكَرَّمة ومعه أخوه فلما دخلا على محمد بن عبد الله، قالاَ له:
يا بن عبد المُطَّلب أنتم جيران الله تَفُكُّون العاني، وتُطْعِمون الجائِع، وتُغيثون الملْهوف، وقد جِئْنا في ابننا الذي عِندك، وحَمَلْنا إليك من المال ما يفي به، فامْنُنْ علينا وفاده لنا بما تشاء واطْلُب المبلغ الذي تريد،
فقال عليه الصلاة والسلام وهو سيّد الخلق:

ومن ابْنُكُما الذي تَعْنِيان؟

الدِّقَة والتحْقيق
فقالاَ: غُلامك زَيْدُ بن حارِثَة،
فقال:

وهل لكما فيما هو خيرٌ من الفِداء؟

فقالا: وما هو؟
قال عليه الصلاة والسلام:

أدْعوه لكم فَخَيِّروهُ بيني وبينكم فإنْ اخْتاركم فَهُو لكم بِغَيْر مال، وإن اخْتارني فما أنا بالذي يرغب عمن اخْتاره

دَقِّقوا في دِقَّة النبي عليه الصلاة والسلام،
فقال العمّ والأب: والله قد أنْصَفْت وبالغتَ في الإنصاف،
فَدَعا النبي عليه الصلاة والسلام زيْداً، فقال:

من هذان؟

قال:

هذا أبي حارثة ابن شُرَحْبيل، وهذا عمِّي كَعْب

فقال:

يا زيد، قد خَيَّرْتك إنْ شِئتَ مَضَيْتَ معهما، وإن شِئتَ أقَمْتَ معي

فقال زيدٌ من غير تَرَدُّدٍ ولا إبْطاء:

بل أُقيمُ معك، وما أنا بالذي أخْتار عليك أحداً أنت الأب والعمّ

فقال أبوه: وَيْحَكَ يا زيد، أَتخْتارُ العُبودِيَّة على أبيك وأمِّك؟
قال:

إني رأيْتُ من هذا الرجل شيئاً أنْساني كُلَّ إنْسان، ما أنا بالذي يُفارقُه أبداً

هذه هي المُعاملة، هل تسْتطيع أنْ تُعامل إنْساناً مُعامَلَةً يؤْثِرُك على أمِّهِ وأبيه؟ إذا كنت مؤمناً فهكذا تُعامل الناس، المؤمن أيها الأخوة، كيْفما تَحَرَّك مع الذين يعيشون معه من شِدّة إنصافه ورحمته وحنانه وعَطْفِه وكرمِهِ ووفائِه وتواضُعِه يؤثرونه على كُلِّ شيء.
فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام من زَيْدٍ ما رأى أخذ بِيَده وأخْرجه إلى البيت الحرام، ووقف به بِالحِجْر على ملأ من قُرَيش، وقال:

يا معْشَر قُرَيْش، اِشْهدوا أنَّ هذا ابني يَرِثُني وأرِثُهُ

عندئِذٍ طابتْ نفسُ أبيه وعَمِّه وخَلَّفاهُ عند محمّدٍ بن عبد الله وعادا إلى قوْمِهما مُطْمئِنّي النفس و مُرْتاحي البال
ومنذ ذلك الوقت أصبح زيدُ بن حارِثة يُدْعى بِزَيْد بن محمّد والغريب في القصَّة هو أنه مهما كان الإنسان يعيش في رَغَدٍ من الحياة إلا أنه لا يُؤثر أحداً على والدَيْه! لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان بِمَثابة الوالد والأم وهكذا الإسلام، وهكذا ليكن المسلم.
وأنا الآن أحِبُّ أنْ أجري موازنةً، النبي عليه الصلاة والسلام كُتلةُ رحمة، كُتلة إنصاف، كتلة تواضع، كتلة حبٍّ، لذلك لما رأى زيدٌ أباه آثر النبي عليه الصلاة والسلام على أبيه وعمِّه، فكل إنسان عنده شخصٌ تحت يده، قد يكون موظفًا أو صانعا أو خادماً أو آذِناً أو حاجِباً فهذا شَخْصٌ غالٍ عند الله عز وجل، فهذا إنْ اهْتَمَمْتَ به وأكْرَمْته وعاوَنْتَه، وسألْتَ عن أحْواله، ودَقَّقْتَ بِدَخْله وبِأَهْلِهِ، وسألت هل عنده مشروع زواج أو وِلادة أو مُشْكلة؟ فمثلاً: في أوَّل الشِّتاء لا بد له من وَقود، وأوَّلُ العام المدْرسي يحْتاج إلى ملابس لأولاده، فهل أنت تعيشُ لِنَفْسِك أمْ للناس؟.
لكن زيداً اخْتار النبي وآثره وأحَبَّهُ، فماذا نسْتَنبط من هذه الحقيقة؟ نسْتَنْبط أنَّ الأنبياء اصْطفاهُم الله عز وجل من صَفْوَة الخلق، فالنُّبَوَة هِبَة أساسُها اصْطِفاء، والاصْطِفاء أساسه التَفَوُّق، فهو عليه الصلاة والسلام تَفَوَّقَ بِكماله وأخْلاقه وتواضُعِه وإنْسانِيَتِهِ وكَرَمِه وحُبِّه للخلق، فاصْطَفاهُ الله عز وجل، هي نُبَوَّةٌ وهِبَةُ ولكن أساسها اصْطِفاءٌ من بين صَفْوَة الخلق.

الإسلام يحرم التبني:

فلما بُعِثَ النبي عليه الصلاة والسلام، وأبْطَلَ الإسلامُ التَبَني حيث نزل قوله عز وجل:

(ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)

[سورة الأحزاب الآية: 5]

عندَئِذٍ عاد النبي عليه الصلاة والسلام وناداهُ زيد بن حارثة اِمْتِثالاً لأمر الله، فإكْراماً له عندما ردّه إلى أبيه، ذكر الله اسمه في القرآن الكريم تطيباً لخاطره، وهو الوحيد الذي ذكِر في القرآن الكريم، إذْ ليس في القرآن الكريم اسم لصحابي إلا سيّدنا زيد، والآية قوله تعالى:

(فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً)

[سورة الأحزاب الآية: 37]

هل في القرآن اسمُ امرأة؟ نعم مريم، وهي الوحيدة التي ذُكِرَت في القرآن، وإنما ذُكِرت مريم في القرآن لأنَّ سيّدنا عيسى عليه السلام قالوا عنه: إنَّهُ إله، وهو ابن الله، فَرَبُّنا عز وجل، قال: عيسى بن مريم وهو الاسم الوحيد.

المكانة التي احتلها زيد عند رسول الله عليه الصلاة والسلام :

كُنْتُ أذكر لكم هذه الفِكْرة وأكررها كثيراً، لما بُعَث النبي عليه الصلاة والسلام وجاء الوَحْيُ وزَيْدٌ عنده، وقد آثَرَهُ على أمِّهِ وأبيه، فاحْتَلَّ زيْدٌ عند النبي صلى الله عليه وسلَّم مكانة كبيرة، فِالمَرْتبة الاجْتِماعِيَّة والتصْنيف الطَبَقي سيّدنا زيد عَبْدٌ لكنه كان خليفة رسول الله على المدينة، وكان أمين سِرِّه، وقائِدَ غزواته، هذا هو الإسلام الذي نطْمَحُ إليه.
دائِماً أيها الأخوة، لا يوجد حُبٌّ من طرفٍ واحدٍ، عظمة النبي عليه الصلاة والسلام أنه أحبَّ أصْحابه كما أحبُّوه، أو أنهم أحَبُّوه كما أنه أحَبَّهُم، أَحَبوهُ لأنه أحَبَّهُم، مُجْتمع المؤمنين مُتماسِك،
قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:

(وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ)

[أخرجه أحمد في مسنده]

إذا لم تُحبّ أخوانك، ولم ترْحَمْهُم، ولم تعْطِف عليهم، ولم تنصِفْهم، ولم تزرهم وتتفَقَّدْهم بِمُناسبات مُعَيَّنة، وتبْذل لهم شيئاً من مالك حتى يصير الأخ لِأخيه كالبُنْيان المَرْصوص، إنْ لم نكُن كذلك فَلَسْنا من المؤمنين.
الشيءُ الذي لفتَ نظري في سيرة هذا الصحابي أنه أحَبَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم وآثره على أمِّه وأبيه فقد أحَبَّهُ النبي عليه الصلاة والسلام وخلطه بِأهله وبنيه فكان يشْتاقُ إليه.
فالنبي صلى الله عليه وسلّم إنْسانٌ عظيمٌ جداً ووقورٌ جداً وهو سيِّدُ الأنبياء، ومع ذلك يشْتاقُ لزيد إذا غاب عنه، وهذا هو مُجْتمع المؤمنين، على عكس مُجْتمع الدنيا، إذ يضْحك لك أحدهم ويبتسمُ لك ابْتِسامة صفراء وهو يكيد لك، الذي لفتَ نظري أنَّ النبي يشْتاقُ إليه، هذا المُتَّصِل بالله عز و جل والذي يأتيه الوَحْي وأسْعد الخلق يشْتاقُ لِسَيِّدِنا زيْد قصير القامة، شديد السُّمْرة، في أنفِهِ فَطس، وهو حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فقد كان يشْتاقُ إليه إذا غاب عنه، ويفْرَحُ بِقُدومه إذا عاد إليه، ويلْقاهُ لِقاءً لا يَحظى بِمِثْله أحد، هذا هو الوفاء، وكأنَّ لِسانَ حالِ النبي عليه الصلاة والسلام: أنت يا زيد آثرْتني على والِدَيْك وبقيتَ عندي أفلا أُحِبُّك أشَدَّ من حُبِّك لي؟.
السَيِّدة عائِشَة رضي الله عنها تَرْوي مشْهداً، تقول:

قَدِمَ زيد بن حارِثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلَّم في بيتي فقَرَعَ الباب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مُتَخَفِّفاً من ثِيابه، فلما علِمَ أنَّ زيْداً قد جاء فَمِن شِدَّة شَوْق النبي لِزَيْدٍ واهْتِمامه به نَسِيَ أنْ يرْتَدي ثِيابه الخارِجِيَّة، فلما قرع الباب قام إليه النبي عليه الصلاة والسلام بِثِيابه الخفيفة، ومضى نحو الباب يَجُرُّ ثَوْبَهُ فاعْتَنَقَهُ وقبَّلَهُ، ووالله ما رأيْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يسْتقبل أحداً قبله ولا بعده بِهذه الثِّياب

وهو مَشْهَدٌ من مشاهد حُبِّ النبي لِهذا الصحابيِّ الجليل، شاعَ هذا الأمر بين الصحابة حتى إنَّ الصحابة سَمَّوْهُ بِزَيْد الحِبّ أيْ محْبوبهُ، وأطْلقوا عليه لقب حِبَّ رسول الله، ولَقَّبوا ابنه أسامة من بعده بِحِبِّ رسول الله وابن حِبِّه.

استشهاد سيدنا زيد بن حارثه؟

عَيَّنَهُ النبي عليه الصلاة والسلام القائِد الأول في جَيْش مؤتة، وتَعْلمون أنَّ مؤتة موْقِعَةٌ خاضَها المُسلمون، والنبي عليه الصلاة والسلام ليس معهم، كان أصْحابُ النبي ثلاثة آلاف، ما قَوْلُكم بأنهم واجَهوا أكثر من مئتي ألف من الروم؟ ووقف أصْحاب النبي أمام هذا الجيش الكبير بِعُدَّتِه وسيّدنا جعْفر تسلم القيادة بعد استشهاد زيد، فلما قطعت يده اليُمنى، حَمَل الراية بِيَدِهِ اليُسرى فلما قُطِعَت اليُسْرى حَمَلها بِعَضُدَيْه، وقاتل حتى قُتِل، وخَرَّ صريعاً من علا فرَسِه غارِقاً في بحْر دِمائِهِ واسْتُشْهِد، بعدها تقدَّم سيّدنا ابن رواحة، رأى صاحِبَيْه قد اسْتُشْهِدا في وقْتٍ قصيرٍ جداً، ورأى مصيرهُ المحْتوم، بعضُهم قال: تَرَدَّد مِقدار ثلاثين ثانية، بمِقْدار بيْتَيْن من الشِّعر:

يا نفْسُ إلا تُقْتلي تموتي***هذا حِمامُ الموت قد صليتِ
إنْ تفْعلي فِعْلهما رضيتِ***وإنْ تَوَلَّيْتِ فقـد شَـقيـتِ

وقاتل حتى قُتِل، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يخبر أصحابه وهو في المدينه عما يجري في المعركة في مؤته وتُعتبر من معجزات النبي حيث قال:
أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قُتِل، وإني لأرى مقامه في الجنَّة، وقبله سيّدنا زيد بن حارثة قاتل حتى قُتِل واسْتُشهد، ومن شِدَّة وفائِه ذهب بِنَفْسِه لِيُبَلِّغَ أهل سيِّدنا جَعْفر نبأ اسْتِشْهاده لأنَّ مكانته الكبيرة عند الله لعلَّها تُخَفِّفُ وطْأةَ خبرِ اسْتِشْهاده، وذهب بِنَفْسِهِ أيضاً إلى بيتِ سيّدنا زيدٍ بن حارِثة لِيُبَلِّغ نبأ اسْتِشهاده، وقد حَزِنَ عليهم حُزْناً لم يحْزن مثله قطُّ، فلما بلغ بيتَ زيْدٍ لاذَتْ به ابنته أيْ أقْبلت على النبي عليه الصلاة والسلام وتعلَّقَت به، وهي مُجْهِشَةٌ بالبُكاء، شيءٌ غريب فقد كان النبي يبْكي ولكن بدون صَوْتٍ إلا مرَّةً واحدة فقد بكى صلى الله عليه وسلَّم حتى انتَحَب، ومعنى انْتَحَب اِرْتفع صوْته بالبُكاء، فقال له سعدُ بن عُبادة: ما هذا يا رسول الله؟‍ فقال عليه الصلاة والسلام: هذا بُكاءُ الحبيب على حبيبه

كيف كان الرسول يعامل أصحابه ؟

الذي لفَتَ نظري في سيرة هذا الصحابي، كيفَ أنَّ النبي الكريم يشْتاقُ لأصْحابه، ويُحِبُّهم، ويرْعى شأنهم، ويَفِي بِعَهْدهم، ويذْكرهم وينْتَحِبُ حين فقْدِهم؟ هذا هو الإسلام بِأبهى صُوَرِه، ومن المُمْكن أن نسْتفيد من سلوكهم فالذي يملك محلاً أو متْجَراً أو معْمَلاً يُمْكِنُ أنْ يُقْنع من حوله بِدِينه وهو ساكِت، فأنت يمكن أنْ تكون داعِيَة كبيراً وأنت ساكِت، وهذا يتم بِإنْصافِك وإحْسانك وتواضُعِك وحُبِّك وعطْفِك وحنانك.
فالنبي الكريم عامل سيّدنا زيداً مُعاملة جَعَلَتْهُ يؤثِرُهُ على أمِّه وأبيه وهذه المُعاملة قبل البِعْثة، ومعنى ذلك أنَّ النبي معْصومٌ قبل البِعْثة وبعْدها، وهو في أعْلى درجات الكمال قبل البِعْثة وبعْدها، والشيءُ الثاني: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بادل أصْحابه حُباًّ بِحُبٍّ، وشَوْقاً بِشَوْقٍ، ووفاءً بِوَفاء.
وإذا أردْتم أن تكونوا مؤمنين صادِقين اتِّبِعوا سُنَّة النبي، واعْتَذِروا من بعضِكم، وراعوا مشاعر بعضكم، واصْدُقوا أخوانكم، وتعاونوا فيما بينكم، واحْتَرِموا بعضكم، وإياكم والمزاح، تواصَلوا وتبادلوا وتزاوروا وضَحوا من أجل بعضكم حتى يُحِبَّنا الله جميعاً ونسْتحقّ أنْ نكون مؤمنين.
أعرفُ رجُلاً ساكِناً بِبَيْت، وله أخٌ مُتَزَوِّج ليس له بيت، فقال له: تعال، وخُذ هذا البيت، ثم إن الله تعالى أكْرمه الله بِبَيْتٍ خيرٍ منه، فَبَذْلُ الخير يورثك الِسَعادَة، ويعود عليك بالعوض، فالإسلام دينُ معاملة ومواقف وبذْلٌ وعدالة ورحمة وإنْصاف وحبّ وتماسك وصِدْق وأمانة.

الخلاصة:

فَدَرْسُنا اليوم، يتلخص بأن لِكُلِّ واحدٍ منا من هو دونه، بالوظيفة أو المتْجر أو المصنع أو المزرعة، وأقلّ شيء أنه قد يكون عندك مُوَظَّف فإن رأى منك العطف والحنان والحبّ والإنصاف والإكْرام، فالأب مع أوْلاده، والضابط مع جُنودِه، والمُعَلِّم مع تلاميذه، والطبيب مع مُمَرِّضيه، والمُحامي مع مُوَكِّليه، ألا تُحِبُّ أنْ يكون هذا الذي جعله الله دونك طريقاً لك إلى الله، وزاداً لك إلى الآخرة، ورأس مالك إلى الجَنَّة، اِفْعَل.
أعرفُ أخاً له مصنع عُمالُهُ كأولاده، فإذا رأى في وجْههم ضيْقاً سارِعَ لِحَلِّ مُشْكِلاتهم، تجد بعدها أنَّ العامل يَفْدي ربَّ العمل بِنَفْسِه وروحه، الحِقْدُ الطبقي مُسْتَوْرَد، فنحن عندنا حُبَّ طبقي، وليس عندنا حقد طبقي.
أرجو الله سبحانه وتعالى ضارعاً أنْ يُلْهِمنا الخير والحق، وتطبيق هذه السيرة السمحة في مجتمعنا، وفيما بيننا، لأننا إذا طبَّقْناها كُنا مسْلمين حقاً.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – رجال حول الرسول – الدرس (09-50) : سيدنا زيد بن حارثة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-12-07 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس