عطاء بن أبي رباح الحر العبد العالم

بسم الله الرحمن الرحيم

الخليفة سُلَيمان بن عبد الملك يسأل عنه:

هذا التابعِيّ الجليل كان مُعاصِرًا لِلخليفة الأمَوِيّ سُلَيمان بن عبد الملك، الذي يقول عنه المؤرِّخون: إنّهُ خليفة المسلمين، وأعْظمُ مُلوك الأرض.
سُليمان بن عبد الملِك يُؤدِّي فريضة الحجّ، وهو في بيت الله الحرام حاسِرَ الرأس، حافِيَ القدَمَيْن، ليس عليه إلا إزارُهُ، ورداء، شأنُهُ كَشَأن أيّ حاجٍّ من المسلمين، ومن خلْفِهِ ولداهُ، وهما غلامان كَطَلْعَة البدْر بهاءً، وكأكْمام الورْد نظارةً وطيبًا، وما إن انتهى خليفة المسلمين، وأعظمُ مُلوك الأرض من الطَّواف حول البيت العتيق، حتى مالَ على رجلٍ من خاصَّتِهِ،
وقال: أيْن صاحبكم؟ الآن الملِكُ يسْأل أحدَ خاصَّتِهِ، أيْن صاحبكم؟
فقال: إنَّهُ هناك قائمٌ يُصَلِّي،
نحن الآن في البيت العتيق، في بيت الله الحرام والخليفة يسأل أحد المقرَّبين إليه، أين صاحبكم؟ وأشار إلى ناحيةٍ غربيَّة من المسجد الحرام، فاتَّجَهَ الخليفة، ومن ورائهِ ولداهُ إلى حيثُ أُشير إليه، وهمَّ رِجال الحاشِيَة
كما هي الحال دائمًا
أنْ يتْبعوا الخليفةَ لِيَفْتحوا له الطريق، ويدْفَعُوا عنه أذى الزِّحام، فثنّاهم،
وقال: هذا مقامٌ يسْتوي فيه الملوك والسُّوقَةُ ‍! يسْتوي فيه الحاكمُ والمحكوم، والقويّ والضعيف، والفقير والغنيّ، والآن الإنسان إذا ذهَبَ إلى الحجّ، وكان من أغنى أغنياء الأرض، وجلسَ في أفْخَر فندقٍ هناك، فلا يستطيعُ إلا أن يطوفَ مع عامَّة المسلمين، ولا يستطيع إلا أن يسْعى في المسْعى، وإلا أن يقف في عرفات، ويسير إلى مزدلفة، شأْنُ الحجّ وخصائصُهُ تقتضي أن يكون الحُجَّاج سَواسِيَةً مهما علا بعضهم على بعض.
ويقول هذا الخليفة: ولا يفْضُل فيه أحدٌ على أحد إلا بالقَبُول والتَّقوى، ورُبّ أشْعَثَ أغبر قَبِلَ على الله فتقبَّلَهُ بِمَا لمْ يتقبَّل به المُلوك، ورُبَّ أشْعثَ أغبر قدم على الله في بيته الحرام، فقَبِلَهُ اللهُ بما لمْ يتقبّل به الملوك.
ثمَّ مضى هذا الخليفة نحو هذا الرجل، فوجدَهُ لا يزال في صلاته، غارقًا في ركوعِهِ وسُجودهِ، والناس جُلوسٌ وراءهُ، وعن يمينه وشمالهِ، فجلسَ الخليفة حيث انتهى به المجلس، وجلس معه ولداهُ، وطفِقَ الفتيان القرشِيَّان يتأمَّلان ذلك الرجل الذي قصَدَهُ أمير المؤمنين، وجلسَ مع عامَّة الناس ينتظرُ فراغهُ من صلاتهِ ‍!
مَن هو هذا الرَّجل؟!
قال: فإذا به شَيْخٌ حبَشِيّ، أسْوَدُ البشَرَة، مُفَلْفَلُ الشَّعْر، أفْطَسُ الأنف، إذا جلسَ بدا كالغُراب الأسْوَد !!
مَن هذا الرجل الذي سأل عنه الخليفة؟ وتوجَّهَ إليه مع ولِيَّيْ العَهْد؟ رآهُ يُصَلِّي، فجلَسَ ينتظرُ مع عامَّة الناس، ولمَّا انتهى الرجل من صلاتهِ مال بِشِقِّه على الجِهَةِ التي فيها الخليفة، فحيَّاهُ سليمان بن عبد الملِك، فرَدَّ التَّحِيَّة بِمِثلها،
وهنا أقْبَلَ عليه الخليفة، وجعلَ يسْألهُ عن مناسِك الحجّ، مَنْسَكًا منْسكًا، وهو يفيضُ بالإجابة عن كلّ مسْألة، ويُفصِّلُ القَوْل فيها تفْصيلاً، لا يدَعُ سبيلاً لِمُسْتزيد، ويُسْنِدُ كلَّ قَوْلٍ يقولهُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ولمّا انتهى الخليفة من مُساءلَتِهِ جزَّاهُ خَيْرًا، أيْ قال له: جزاكَ الله خَيْرًا،
وقال لِوَلدَيْه: قومَا ‍فَقامَا، وقام الثلاثة نحوَ المسْعى، وفيما هم في طريقهم إلى المسْعى بين الصَّفا والمروَة سمِعَ الفتَيان من يقول:
يا معْشَرَ المسْلمين لا يُفْتِي الناسَ في هذا المقام إلا عطاء بن أبي رباح، فإن لمْ يوجَد فَعَبْدُ الله بن أبي نجِيح، فالْتَفَتَ أحدُ الغلامَيْن إلى أبيهِ، وقال: كيف يأْمُر عامِلُ أمير المؤمنين الناس بِأَن لا يسْتفْتُوا أحدًا إلا عطاء بن أبي رباح وصاحِبِهِ، ثمَّ جئنَا نحن نسْتفتي هذا الرجل الذي لم يأْبَه للخليفة، ولمْ يُوَفِّهِ حقَّهُ من التَّعظيم؟‍!!
الآن اسْتمعوا ما قاله سليمان: فقال سليمان لِوَلدِهِ: هذا الذي رأيْتَهُ يا بنيّ، ورأيْتَ ذُلَّنا بين يدَيْه هو عَطاء بن أبي رباح، هو نفسهُ ! صاحبُ الفتيا في المسجد الحرام ووارِث عبد الله بن عبَّاس،
يعني خليفة عبد الله بن عبَّاس، الصحابيّ الجليل الذي أوتِيَ فهْمًا في القرآن الكريم، وكان مَوْسوعةً في كلّ العُلوم،
ثمَّ أرْدَفَ يقول: يا بنيّ، تَعَلّم العِلْم، فَبِالعِلْم يشْرُفُ الوضيع،
سأُذكِّرُكم بِعَطاء بن رباح، شيْخٌ حبشي، أسْودُ البشَرة، مُفَلْفلُ الشَّعر، أفْطسُ الأنف، إذا جلسَ بدا كالغُراب الأسْود ‍!!
قال له: يا بنيّ هل رأيْتَ ذُلَّنا بين يدَيْه؟
المُتَكَلِّم خليفة المسلمين، الذي يَحْكمُ ثلث الدنيا،
هل رأيْت ذلَّنا بين يديه؟ يا بنيّ تَعَلّم العِلْم، فَبِالعِلْم يشْرُفُ الوضيع، وينْبُهُ الخامِل، ويَعْلو الأرِقَّاء على مراتب المُلوك،
ولذلك حينما قِيل:

رُتْبةُ العِلْم أعلى الرُّتَب، فرُتْبةُ العِلْم أعلى الرُّتَب،
تعلَّموا العِلم، فإنْ كنتُم سادةً فُقْتُم، أيْ تَفَوَّقْتُم، وإن كنتم وسطًا سُدْتُم، أيْ أصبحْتُم سادةً، وإن كنتم سُوقةً عِشْتُم، أيْ عِشْتُم ‍بالعلم

التعريف بالعطاء بن رباح:

مَن هذا التابعيّ الجليل،
عطاء بن رباح؟ قال: كان عَبْدًا ممْلوكًا لامرأةٍ من أهل مكّة،
وهذه حِكمة، فقد تكون أنت في أدْنى سلّم المجتمع، في الطبقة الدنيا، فقيرًا، لا يعرفك أحد، الأب مُتَوَفَّى، والأم فقيرة، جاهلة، وأنت في هذا البيت، فإذا تعلَّمْتَ العِلْم، وصَلْتَ إلى العَلْياء،

محبته للعلم منذ صغره:

كان عطاء بن رباح عبْدًا ممْلوكًا لامرأةٍ من أهْل مكَّة، غير أنَّ الله عزّ وجل أكْرمَ الغُلام الحبشيّ بِأَنْ وضَعَ قدَمَيْه مُنْذ نُعومة أظفارهِ في طريق العِلْم،
وَواللهِ الذي لا إله إلا هو لا أغْبِطُ أحدًا إلا شابًّا صغيرًا نشأ في طاعة الله ‍! شيءٌ ثمينٌ جدًّا أن تكون في مقْتَبَل العُمر، تتلقَّى العلْم، وتُغذِّي عقْلَكَ بالعلم، وتُغذِّي قلْبكَ بالحبّ، وتتَّبِعُ منْهجَ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فإذا كنتَ شابًّا، وهذه هي حالُك، فكيف إذا صِرْتَ شيْخًا؟

من لمْ تكُن لهُ بِدايةٌ مُحْرقَةٌ، لمْ تكن لهُ نِهايةٌ مُشْرقة

والأمر بين أيديكم، الإله هو الإله، ربّ محمَّدٍ وأصحاب محمّد هو ربُّنا، وإلههُم إلهُنا، فالحقائق واحدة، والظروف واحدة، والمعطيات واحدة، والفرَصُ واحدة، وبإمكانك أن تكون بطَلاً في أيّ عَصْر، لا تَكُن خامِلاً، ولا تكن غير طموحٍ في أمْر الآخرة، كُنْ طَموحًا بالآخرة،
حبَشِيّ مملوك لامرأة من قريش، يقفُ أمامهُ خليفة المسلمين، ويقول له: يا بنيّ، هل رأيتَ ذلَّنَا بيْن يدَيْك؟ عبْدٌ حبشي، أسْودُ البشَرة، مُفَلْفَلُ الشَّعر، أفْطسُ الأنف، إذا جلسَ بدا كالغُراب الأسْود ‍! قال له هل: رأيتَ ذلَّنَا بين يديك؟ هذا هو العلم.

تقسيمه لوقته:

هذا العَبْدُ الأسْود الممْلوك لامرأة من قريش، قسَّمَ وقْتَهُ ثلاثة أقْسام،
وهذا يهمُّنا كثيرًا، وأنا أتمنَّى عليكم أنْ تُنظِّموا أوقاتكم، وقْتٌ للعمل مِن أجل أن تأكل، ووقْتٌ من أجل أن تعبدَ الله عز وجل، ووقْتٌ من أجل أن تطلبَ العِلم، ولا تسْمَح لِجانِبٍ من حياتِكَ أن يطْغى على جانبٍ آخر، وإلا ندمتَ أشَدّ النَّدَم، ولا تسْمح لِعَمَلِكَ أن يأخذ جلَّ وقْتك، إذًا أنت لا تعيش، ولم تعرف حقيقة الحياة، ولا تسْمح لِعَمَلِك أن يحْتَوِيَ كلّ وقْتك، ولا تسْمح لِعِبادتِكَ أن تُنْسيكَ عملكَ الذي ترْتَزِقُ منه، وازِنْ بين عبادتك، وبين عملكَ، وبين طلبِ العلم، فيجب أن نُنَظِّمَ أوْقاتنا،
عبْدٌ حبشيّ، أسْودُ البشَرة، مُفَلْفَلُ الشَّعر، أفْطسُ الأنف، إذا جلسَ بدا كالغُراب الأسْود، ممْلوك لامرأة من قريش نظَّمَ وقْتَهُ، جعَلَ قِسْمًا من وقْتِهِ لِسَيِّدَتِهِ، يخْدمها أحسنَ ما تكون الخدمة، ويؤدِّي لها حُقوقها عليه أكْمَلَ ما تؤدَّى الحقوق، وجَعَلَ قِسْمًا من وقْتِهِ لِرَبِّه، يفْرُغُ فيه لِعِبادتِهِ، أصْفى ما تكون العبادة، وأخلصَها لله عز وجل، وجعلَ قِسْمًا ثالثًا لِطَلب العلم، حيث أقْبلَ على منْ بقِيَ حيًّا من أصْحاب رسول الله، وطفِقَ ينْهَلُ من مناهلِهم الثَّريّة الصافيَة، فأخذ عن كبار الصحابة كأبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم رِضْوان الله تعالى عنهم، حتى امتلأَ صدره علمًا وفقْهًا وروايةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
مرَّةً ثانيَة، نظِّموا أوْقاتكم، وقتٌ للعمل، لا تُلْقوا هُموم العمل إلى البيت، ووقْتٌ لِعِبادة الله، لا تُشَوِّش هذه العبادة بِهُموم البيت، ولا بِهُموم العمل، ووقْتٌ لِطَلب العلم، وكأنَّك طالبٌ صغير، اِنْسَ كلّ شيءٍ، اُدْخل إلى بيت الله، واطْلب العلم، نظِّم وقْتَكَ، عَبْدٌ وقفَ أمامهُ ملِكٌ ذليلاً،

إعتاق سيدته له:

ولمَّا رأتْ السيّدة المكيّة أنّ غلامها قد باعَ نفسهُ لله، ووقفَ حياتهُ على طلب العلم، تخلَّتْ عن حقِّها فيه، وأعْتَقَتْ رقبَتَهُ تقَرُّبًا لله عز وجل،
وهذه الحقيقة أيّها الإخوة، واللهِ الذي لا إله إلا هو لا تتخلّف أبدًا، ما معنى هذه الحقيقة؟ إنَّهُ من طلبَ العِلْم تكفَّلَ الله له بِرِزْقِهِ، وهذه الحقيقة جعلَتْ من أبي حنيفة أبَا حنيفة العالم الكبير ! أنا لا أقول لكم: إنَّك إذا طلبْتَ العِلْم تجِدُ المال تحت الوِسادة !! ولكنَّ الله عز وجل يُيَسِّر لك عملاً وقْتُهُ معقول، ودخْلهُ معقول، ويسْمحُ لك هذا العمل أن تطلب العلم، ويستحيل أن تطلب العلم، ويجعلك الله تحت عملٍ يمتصّ كلّ وقتك ! فمن طلبَ العِلْم تكفَّلَ الله له بِرِزْقِهِ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ

[رواه البخاري]

وقال أيضا:

إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ

[رواه الدارمي]

لمَّا يقوم الإنسان وهو بين أهله ويرتدي ثيابهُ، ويتَّجِهُ إلى بيت الله لِيَطلب العلم، لا يدري وهو بهذه الحركة أنّه يتحرّك نحو الجنَّة، وقد سهَّلَ الله له طريقًا إلى الجنَّة.

مقامه بعد أن اعتقته سيدته:

حينما أعْتَقَتْهُ سيّدتَهُ اتّخذ عطاءٌ من بيت الله الحرام مُقامًا له، فجعلَهُ دارهُ التي يأْوي إليها، ومدرستَهُ التي يتعلَّمُ فيها، ومُصلاّهُ الذي يتقرَّب إلى الله تعالى فيه، حتى قال بعض المؤرِّخين: كان المسجد الحرام فِراشَ عطاءِ بن أبي رباح نحْوًا من عشرين عامًا !
أنتَ انظُر أيَّ مكانٍ ترتاح فيه؟ المؤمن في المسجد كالسَّمَك في الماء، والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص!! أين ترتاح؟ المؤمن يرتاح في المسجد، بيتُ الله تعالى، العلم القُرْب من الله، التَّزكِيَة.

تقدير الصحابه له:

وقد بلغَ هذا التابعيّ الجليل منْزلةً من العِلْم فاقَتْ كلَّ تَقْدير، وسمَا إلى منزلةٍ لمْ يَنَلْها إلا نفرٌ قليل، فقد رُوِيَ
أنَّ عبْد الله بن عمر رضي الله عنهما أمَّ مكَّة معْتَمِرًا، فأَقْبَلَ الناس عليه يسألونهُ ويسْتفْتونَهُ، هذا منْ؟ عبد الله بن عمر، هذا صحابيّ، وهو ابن عمر بن الخطاب، فقال:

إنِّي لأعْجبُ لكم يا أهْل مكَّةَ، أتَجْتمِعون عليّ لِتَسْألوني عن أسئلةٍ كثيرة، وفيكم عطاء بن أبي رباح، صحابيّ يرى أنَّ عطاء بن أبي رباح أشدُّ علْمًا منه

الخصال التي أوصلته إلى مقامه:

وصَلَ هذا التابعيّ الجليل إلى ما وصَلَ إليه مِن عُلُوّ في مقامه، ومن رُتبةٍ عاليَةٍ في علْمِه، بِخَصْلَتَيْن اثْنَتَيْن،

الخصْلة الأولى: أنَّهُ أحْكَمَ سلْطانهُ على نفْسِهِ:

فلَمْ يدَعْ لها سبيلاً في أنْ ترْتَعَ فيما لا نفْعَ له:
وأنا أعْتقدُ أنَّ إخواننا الكرام، ورُوَّاد هذا المسجد، وطُلاَّب العلم الشريف، يسْتحيلُ أن يُفكِّر الواحد بِعَمَلٍ فيه معْصِيَة، وهذا حُسْن ظنِّي بكم، ولكن بَقِيَ كيف تتفاوَتون الآن؟ في ألاَّ يدعَ أحدُكم وقْتًا يمْضي بلا فائدة، فَنَحْن نتفاوَت في الاستفادة من كلّ دقيقةٍ من حياتنا،
أحيانًا سهْرة لا طائِلَ منها، وجلْسة غير مُجْدِيَة، حديث فارغ، وموضوع سخيف، إنَّ الله يُحِبّ مَعالِيَ الأُمور، ويكْرهُ سَفْسافَها ودَنِيَّها، طبْعًا جميعُ المؤمنين في الأعمّ الأغلب لا يعْصون الله عز وجل، بلغُوا مرْتبةً أعلى من أنْ يعْصُوا ربَّهم، تجاوَزُوا هذه المرحلة، فكيف يتفاوتون الآن؟ وكيف يتمايَزون؟ وكيف يتسابقون؟ في اسْتغلال أوقات الفراغ، طلبُ علْمٍ، وقراءة القرآن، ودعوةٌ إلى الله تعالى، أمْرٌ بالمعروف، نهْيٌ عن المنكر، إصْلاحُ ذات البيْن.

الخصْلة الثانِيَة: أنَّهُ أحْكمَ سُلطانهُ على وقْتِهِ:

فلمْ يهْدرهُ في فضول الكلام والعمل، أحْكمَ سلطانه على نفسِهِ، فلمْ يسْمح لها أن تركعَ في المُباح، وأحكمَ سُلطانهُ على وقتِهِ، فلمْ يسْمح لِنَفْسِهِ أن يُمضِيَ وقتًا في ما لا طائِلَ منه.
حدّثَ محمَّدُ بنُ سُوقَة جماعةً من زُوَّارِهِ،
قال: ألا سْمِعُكم حديثًا لعلَّهُ ينفعكم كما نفعَني؟
فقالوا: بلى، قال: نصَحَني عطاء بن أبي رباح ذاتَ يومٍ،
وقال:

يا ابْنَ أخي، إنَّ الذين من قبلنا كانوا يكرهون فُضول الكلام

قلْتُ: وما فُضول الكلام عندهم؟
قال:

كانوا يَعُدُّون كلّ كلامٍ فُضولاً ما عدا كتاب الله عز وجل أن يُقرأ، وأن يُفْهم،

قال تعالى:

(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)

[سورة المؤمنون]

قال المفسِّرون:

كلّ ما سِوى الله تعالى لَغْوٌ

فأنت إن جَلسْتَ جلسةً فانْتَبِه، لأنّ المؤمن الصادق لا يتكلَّم كلمةً إلا إذا كان لها معنى عميق، لا يوجد عندهُ كلام فارغ، الكلام اللَّغو، والموضوعات السَّخيفة، والمبتذلة والمسْتهلكة، واسْتِماعٌ إلى قصَّة لا طائل منها، وغيبة، مسْتحيل،
وهذا من صفات المؤمن الصادق، يضْبطُ لِسانَهُ في أعلى درجات الضَّبْط، قال:

كانوا يَعُدُّون كلّ كلامٍ فُضولاً ما عدا كتاب الله عز وجل أن يُقرأ، وأن يُفْهم، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يُرْوى أو يُدْرى، أو أمْرًا بِمَعْروف، أو نهْيًا عن منكرٍ، أو علْمًا يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى، أو أن تتكلَّم بِحاجتِكَ ومعيشتِكَ التي لا بدّ منها

تبْحث عن زوجة، هذا عمل مشروع، تبحثُ عن عملٍ، تؤمِّنُ طعامَ أولادك، تُزَوِّجُ أولادك، هذه حاجة أساسيَّة ومشْروعة، ولك فيها حاجة، وفيها امْتِثال لِقَول الله عز وجل:

(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)

[سورة المائدة]

ثمَّ حدَّق إلى وجهي، وقال:

أَتُنْكِرون قوله تعالى:

(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ)

[سورة الانفطار]

الإنسان أحيانًا يَغْفل أنَّ له ملكان يكْتُبان عنه كلّ شيءٍ

أَتُنْكِرون قوله تعالى:

(عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)

[سورة ق]

ثمَّ قال:

أما يسْتحي أحدُنا لو نُشِرَتْ عليه صحيفَتُهُ التي أمْلاها صَدْر نهارِهِ، ووجدَ أكْثرَ ما فيها ليس من أمْرِ دينه، ولا مِن أمْر دُنياه، أما يسْتحي؟!

المتنفعون منه:

من هؤلاء الذين انتفَعُوا بِعَطاء بن أبي رباح؟ قال:
انْتَفَعَ به أهل العِلم المتخَصِّصون، وأربابُ الصِّناعة المحترفون، وأقوامٌ كثيرون غير هؤلاء.
حدَّث الإمام أبو حنيفة النعمان عن نفسهِ فقال:
طبْعًا هذه قصَّة قد تسْتغرِبونها، وأنا أسْتغْربُها معكم، إلا أنَّها ليْسَت مستحيلة الوُقوع، لأنَّ الإنسان أحيانًا قد يُتقنُ المعلومات النَّظريَّة، ولكن في حيِّز التطبيق قد يضْطرب
أخْطأْتُ في خمسة أبواب من المناسك بِمكَّة، فَعَلَّمَنيها حجَّام،
أي حلاَّق، والإنسان إذا حجَّ أوَّل مرَّة تجدُه قد قرأ كُتُبًا كثيرة، واسْتمعَ إلى دروس علْم كثيرة في مناسك الحجّ، يضطرب وينْسى أن يُهَرْوِل، ينْسى أن يضطبِع، يبدأُ من اليسار، وقد يقعُ في أخطاءٍ كثيرة، وهذه لا تقدحُ في مكانتِهِ، لأنَّ النَّظري شيء، والعملي شيءٌ آخر،
قال أبو حنيفة بن النعمان: أخْطأْتُ في خمسة أبواب من المناسك بِمكَّة، فَعَلَّمَنيها حجَّام، وذلك أنَّني أردْتُ أن أحْلِقَ لأَخْرجَ من الإحرام، فأتَيْتُ حلاَّقًا، وقلتُ: بِكَم تحْلق لي رأسي، فقال الحجَّامُ: هداكَ الله، النُّسُك لا يُشارطُ عليه، اِجْلس ثمَّ ادْفع ما تريد، وكانت هذه مخالفة، لأنّ النُّسُك لا يُشارط عليه، ولا يُساوَم، قال: فَخَجِلْتُ وجلسْتُ، غير أنَّنِي جلسْتُ منحرفًا عن القِبْلة، فأَوْمَأ إليّ بِأنْ اسْتقبِلِ القِبْلة، ففعلْتُ وازْدَدْتُ خجلاً على خجلي، ثمّ أعْطيتُهُ رأسي من جانبي الأيْسَر لِيَحْلقهُ، فقال: أدِرْ شِقَّك الأيْمن، فأَدَرْتُهُ، وجعَلَ يحْلِقُ رأسي، وأنا ساكتٌ أنظر إليه، وأعْجبُ منه، فقال لي: ما لي أراك ساكتًا؟! كَبِّرْ، فجَعَلْتُ أُكبِّر حتى قُمْتُ لأَذْهب، فقال: أين تريد؟ فقلتُ: أريد أن أمضي إلى رحلي، فقال: صلِّ ركْعتين ثمَّ امْضِ إلى حيثُ تشاء.
قال: فصلَّيْتُ ركْعتين، وقلتُ في نفسي: ما ينبغي أن يقعَ مثلُ هذا مِن حجَّام، ما هذا الحجَّام؟ خمسة أخطاءٍ صحَّحَها لأبي حنيفة ! شيخُ الفقهاء !! قال: لا يقعُ هذا مِن حجَّامٍ إلا إذا كان ذا علْمٍ، فقلْتُ له: مِن أيْنَ لك ما أمرْتني به من المناسك؟ دقَّة بالغة، فقال: لله أنت، لقد رأيْت عطاء بن أبي رباح يفعلُهُ، فأخذْتُ عنه، ووجَّهْتُ الناس إليه، فكان الحجّام تلميذَ عطاء بن أبي رباح.
الحقيقة أنَّ شيئًا في الإسلام عجيبًا، الحياة تقتضي العمل، فهذا يعمل في الطعام، خضري، أو سمَّان مثلاً، وهذا بنَّاء، وذاك قصَّاب، إلخ.. لكنَّ رَوعة الإسلام أنَّ أصْحاب الحِرَف إن كان لهم مجْلسُ علْمٍ فهم علماء، تجد كلامًا دقيقًا، وحكمًا صحيحًا، وإدراكًا، وهذا شيءٌ يُلفِتُ النَّظر، وهو إنسانٌ عادي له عمل،

زهده:

أقْبلَت الدنيا على عطاء بن أبي رباح، فأعْرض عنها أشدّ الإعراض، وأباها أشدّ الإباء، وعاش عمرهُ كلَّه يلبسُ قميصًا لا يزيدُ ثمنهُ عن خمسة دراهم، ولقد دعاهُ الخلفاء إلى مصاحبتهم، فلم يَجِب دعوتهم لِخَشْيَتِهِ على دينِهِ من دُنياهم، لكنَّهُ مع ذلك كان يَثِبُ عليهم إذا وجدَ في ذلك فائدةً للمسلمين، أو خيرًا للإسلام،
فإذا اتَّصَل عالمٌ بإنسان له قيمة، وشأنهُ لِصَالِحِ المسلمين، فهذا عملٌ صالح، واللهُ تعالى يتولَّى السرائر،
قال عثمان بنُ عطاء الخرساني: انْطلقْتُ مع أبي نريدُ هِشام بن عبد الملك، فلمَّا غدونا قريبًا من دمشق، إذا نحن بِشَيخٍ على حِمار أسْوَد، عليه قميص صفيق، وجبَّة، وقلنْسُوة لاصقة بِرَأسه، وركابه من خشب، فضَحِكْتُ منه،
وقلتُ لأبي: مَن هذا؟!
قال: اُسْكُتْ ! هذا سيّد فقهاء الحجاز عطاء بن أبي رباح، فلمَّا قرُبَ مِنَّا نزلَ أبي عن بغْلتِهِ، ونزلَ هو عن حِمارِهِ، فاعْتنقَا، وتساءلاَ، ثمَّ عادا فَرَكِبَا، وانْطلقَا حتَّى وقفَا على باب قصْر هِشام بن عبد الملك، فلمَّا اسْتقرَّ بهما الجلوس حتى أُذِنَ لهما، فلمَّا خرج أبي
قلتُ له: حدِّثْني بما كان منكما؟ فقال:
الآن عطاء بن أبي رباح سيّد فقهاء الحجاز، والإنسان المتقشّف، وصاحب الثِّياب الرخيصة يركب الدابة الرخيصة، فالبغل غير الحصان !
بادرَ فأذِنَ له، وواللهِ ما دخلْت إلا بِسَبَبِهِ، فلمَّا رآهُ هشام رحَّبَ به،
وقال: مرْحبًا مرْحبًا، ها هُنا ها هُنا، أي تعال إلى جنبي، ولا زال يقول له ها هُنا هَا هُنا حتَّى أجْلسَهُ معهُ على سريرهِ ! وإلى جانبِهِ تمامًا، ومسَّتْ ركْبتَهُ ركْبته، وكان في المجْلس أشراف الناس، وكانوا يتحدَّثون فسَكَتُوا،
ثمّ أقْبلَ عليه هشام فقال: ما حاجتُكَ يا أبا محمَّد؟ اُطْلُبْ؟!
قال له: يا أبا محمد ما حاجتك؟
قال:

يا أمير المؤمنين، أهل الحرمين، أهل الله، وجيران رسول الله صلى الله عليه وسلّم تُقسِّم عليهم أرزاقهم، وأُعْطِياتهم

قال: نعم، يا غلام، اُكْتُب لأهل مكَّة والمدينة بِعَطاياهِم وأرزاقِهِم إلى سنة،
ثمّ قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟
فقال:

نعم يا أمير المؤمنين، أهل الحجاز، وأهل مجْدٍ أصْلُ العَرَب، وقادة الإسلام ترُدّ فيهم فُضول صدقاتهم، أيْ إذا جنَيت الصدقات منهم، الفضول أَبْقِها في بلادهم

فقال: نعم، يا غلام اُكْتُبْ بِأنْ تُردَّ فيهم فُضول صدقاتهم،
قال: هل من حاجة غير ذلك يا أبا محمّد؟
قال:

نعم يا أمير المؤمنين، أهل الثُّغور يقفون في وُجوه عدُوّكم، ويقتلون من رام المسلمين بِشَرّ، تُجْري عليهم أرزاقًا تدرّها عليهم، هم بِحاجة إلى مساعدة، وهم إنْ هلَكوا ضاعت الثّغور

قال: نعم، يا غلام اُكْتب بِحَمْل أرزاقهم إليهم، هل من حاجةٍ غيرها يا أبا محمد؟
قال:

نعم، يا أمير المؤمنين أهل ذِمَّتكم لا يُكلَّفون ما لا يُطيقون، فإنَّما تَجْبون منهم مَعونةٌ لكم على عدوّكم، أيْ لا تُكلِّفوا أهل الذمَّة ما لا يُطيقون

قال: يا غلام، اُكتبْ لأهْل الذمَّة ألاَّ يُكلَّفوا ما لا يطيقون، قال: هل من حاجةٍ غيرها يا أبا محمّد؟
قال:

نعم، اتَّقِ الله في نفْسِكَ يا أمير المؤمنين، واعْلَم أنَّكَ خُلِقْت وحْدك، وسوف تموت وحْدك، وتُحْشرُ وحدك، وتُحاسَبُ وحْدك، ولا واللهِ ما معك أحدٌ مِمَّن ترى أمامك، حينما تموت، وحينما تُحشَر، وحينما تُحاسب

فأكَبَّ هِشامٌ ينْكت في الأرض وهو يبْكي !
فقام عطاءٌ فَقُمْتُ معه، فلمَّا صِرْنا عند الباب إذا رجُلٌ قدْ تَبِعَهُ بِكِيسٍ لا أدري ما فيه،
وقال له: إنَّ أمير المؤمنين بعَثَ لك بِهذا،
فقال:

هيْهات، وتلى قول الله تعالى:

(وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)

[سورة الشعراء]

فوالله إنَّهُ دخل على الخليفة، وخرج من عنده، ولم يشْرب قطْرةَ ماءٍ،
يمْكن أن تدخل على الخليفة، اُدْخل على الملك، فإذا كانت لك مكانةٌ عندهُ، واطْلُب منه تَلْبِيَة حاجات المسلمين من دون طلب حاجات شخْصِيَّة.

وفاته:

عُمِّرَ عطاء بن أبي رباح حتى بلغَ مائة عامٍ،
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ
قَالَ:

مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ

[رواه الترمذي]

لا يوجد أجْمل من عمْرٍ طويل في طاعة الله، ولا يوجد أصْعب من عمْرٍ طويل في معصِيَة الله، قال تعالى:

(وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)

[سورة النحل]

عاش عطاء بن أبي رباح حتى بلغ مائة عام، ملأها بالعلم والعمل، وأتْرعها بالبرّ والتقوى، وزكَّاها بالزُّهْد بما في أيدي الناس، والرغبة بما عند الله، وللهِ درُّ القائل حين قال:

لا تسْألنَّ بُنَيّ آدم حاجــةً وسَل الذي أبوابهُ لا تُغلــقُ
الله يغضبُ إن تركْت سؤالهُ وبنيّ آدم حينما يُسأل يغضبُ

الخلاصة:

هذا تابعي من التابعين، عَبْدٌ أسْود، وحبشي، ورأسهُ مفلفل، وأنفه أفطس وقف أمامه أمير المؤمنين ذليلاً، قال له: يا بنيّ، هل رأيْت ذلَّنا بين يديه؟! تعلَّموا العلمَ، فإنْ كنتم سادةً فُقْتُم، وإن كنتم وسطًا سُدْتم، وإن كنتم سوقةً عِشْتم، ورتبة العلم أعلى الرتب، والعلم لا يُعْطيك بعضَهُ إلا إذا أعْطيتهُ كلَّكَ، فإذا أعْطيتهُ بعْضكَ لم يعْطِكَ شيئًا،
عطاء بن أبي رباح نظَّمَ وقْتهُ حينما كان عبْدًا ممْلوكًا لامرأةٍ من قريش، فكان ثلث وقتهِ لخِدْمةِ سيِّدته، والثلُث الثاني لأداء عباداته، والثلث الثالث لطلب العلم.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – سير التابعين الأجلاء – الدرس 01-20 : التابعي عطاء بن أبي رباح
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-04-25 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس