زيد بن ثابت حَبرُ هذه الأمة

بسم الله الرحمن الرحيم

النبي يمنعه من الجهاد لصغر سنه:

أيها الأخوة، مع سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابي اليوم سيدنا زيد بن ثابت.
لهذا الصحابي قصة، لعلنا في أمس الحاجة إليها، ذلك أنه في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله يموجون فيها موجاً استعداداً لمعركة بدر، والمؤمن دائماً صاحب همةٍ عاليةٍ، المؤمن دائماً ينشط لطاعة الله عز وجل، المؤمن دائماً يسخر كل طاقاته الفكرية والمادية وخبراته في سبيل الله، فحق للصحابة أن يرضى الله عنهم لأن أمر الله عندهم عظيم، ودعوة النبي عليه الصلاة والسلام إلى الجهاد ملأت قلوبهم، لذلك كانت المدينة تموج موجاً استعداداً لمعركة بدر.
هذا يقودنا إلى أن الناس إذا تواطؤوا في عصر على تعظيم شيء فكل الناس يتجهون إليه، حتى الصغار يقلدون الكبار، فلو تنافس الناس في الزخرفة والزينة، لرأيت حديث الناس كله عن زخرفة بيوتهم وزينتها، ولو تنافس الناس كلهم في جمع الأموال لرأيت حديثهم كله عن جمع الأموال، ولو تنافس الناس في طلب رضوان الله عز وجل لرأيت الناس جميعاً يتحدثون في هذا المجال، ففي كل عصر بحسب اتجاه الناس موضوع يهمهم جميعاً.
فيبدو أن الصحابة الكرام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شيء يشغلهم إلا الإقبال على الله، وطاعة الله، وخدمة الخلق، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، لذلك ترى المجتمع المؤمن في المناسبات الدينية يموج موجاً.
أقول: قل لي: ما الذي يشغلك؟ أقل لك: من أنت؟ ساحة نفسك ما الذي يملؤها؟ تملؤها الدنيا، فأنت من أهل الدنيا، تملؤها البطولات، فأنت من أهل البطولات، تملأها الدعوة إلى الله، فأنت من هؤلاء، فالنقطة دقيقة جداً وواضحة، راقب نفسك، تأمل نفسك، ما الذي يشغل ساحة النفس؟ قال تعالى:

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)

[سورة المؤمنون الآية: 1-3]

النبي عليه الصلاة والسلام كان يلقي النظرات الأخيرة على أول جيش، يتحرك تحت قيادته للجهاد في سبيل الله، وتثبيت كلمته في الأرض، بعد أن أسس النبي دولة الإسلام، وبعد أن تجهز أصحابه لمواجهة ألد أعدائهم، قريش المشركة الكافرة، والنبي عليه الصلاة والسلام شأنه شأن كل القادة، كان يستعرض جيشه قبل أن يعطي أمراً بالتقدم، وهنا أقبل على الصفوف غلامٌ صغير، وهذا الكلام للصغار، الصغار عند الله كالكبار، والنساء عند الله كالرجال، أما عند الجهلة، الصغير صغير والمرأة امرأة، هذا عند الجهلة، أما عند الله الصغير كالكبير، والمرأة كالرجل، مخلوق أراد الله أن يكرمه في الدنيا والآخرة، فبحسب إخلاصه، وبحسب إقباله، وبحسب تضحيته يرقى عند الله عز وجل.
أقبل غلام صغير لم يتم الثالثة عشرة من عمره، يتوهج ذكاءً وفطنة ويتألق نجابة وحمية، وفي يده سيف يساويه في الطول تماماً، أو يزيد عنه قليلاً، ودنا من النبي صلى الله عليه وسلم،
وقال:

جُعلت فداك يا رسول الله، ائذن لي أن أكون معك، وأجاهد أعداء الله تحت رايتك

فنظر النبي عليه الصلاة والسلام إليه نظرة سرور وإعجاب، وربَّت على كتفه بلطف وود، وطيَّب خاطره، وصرفه لصغر سنه.
بالمناسبة، الإنسان كلما ارتقى عند الله يتلطف مع الصغار، والصغار أحباب الله.
ذاتَ مرة سيدنا عمر رضي الله عنه، دخل عليه ابنُه الصغير فقبَّله، وعنده أحد الأشخاص الذين رشَّحهم للولاية، فقال: يا أمير المؤمنين، أتقَبِّل ابنك؟ واللهِ أنا لا أقبِّل أحداً من أبنائي،
فأخذ الكتاب منه ومزِّقه، وقال: انصرف، إن لم يكن بك رحمة على صغارك فلن يكون بك رحمة على أمتك))، وصرفه ولم يُوَلِّه.
عاد الغلام الصغير يجرجر سيفه على الأرض حزيناً أسوان، لأنه حرم شرف صحبة رسول الله وعادت من ورائه أمه النوار بنت مالك، وهي لا تقل عنه أسىً وحزناً
والنساء كن بطلات، كانت المرأة ترجو أن يكون ابنها في عداد المجاهدين، كانت المرأة تزهو إذا قيل لها: إن ابنها استشهد في سبيل الله.
كانت هذه الأم تتمنى أن تكتحل عيناها برؤية غلامها، وهو يمضي مع الرجال مجاهداً تحت راية رسول الله، وكانت تأمل أن يحتل المكانة التي كان من المنتظر أن يحظى بها أبوه لدى النبي صلى الله عليه وسلم لو أنه ظل على قيد الحياة.

الشاب الصغير يعوض عن ذلك بطلب العلم:

أيها الأخوة، لكن الغلام الأنصاري حين وجد أنه قد أخفق في أن يحظى بالتقرب من رسول الله في هذا المجال لصغر سنه، تفتقت فطنته عن مجال آخر، هنا موطن الشاهد.
إذا لم يُتح لك أن تجاهد في عصر من العصور، فهناك جهاد آخر، ربنا عز وجل قال:

(فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً)

[سورة الفرقان الآية: 52]

الصادق لا يعدم حيلة، الصادق إذا سُدَّ بابٌ فَتَحَ أبوابًا، إذا كان الجهاد لا يُتاح للمسلم في بعض العصور والظروف، لملابسات كثيرة هناك جهاد النفس والهوى، هناك جهاد التعلم والتعليم، هناك جهاد الدعوة إلى الله، هناك جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هناك جهاد تهذيب النفس، هناك جهاد البذل، بذل المال وهو شقيق الروح، هناك أنواع منوعة من الجهاد.
فهذا الغلام الأنصاري تفتقت فطنته عن مجال آخر لا علاقة له بالسن، يقربه من النبي صلى الله عليه وسلم ويدنيه إليه، فما المجال إذًا؟ هو مجال العلم والحفظ، هذا المجال متاح لكم جميعاً، شيء لا يُقدر بثمن، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

خيركم من تعلم القرآن وعلمه

خيركم على الإطلاق، هذه الجلسة التي في المسجد، وهذا الانتظار، وذاك الاستماع، وهذا الاستيعاب، وتلك المراجعة، ثم هذا الحفظ، أو التدوين، ثم الإلقاء والتوجيه، فهذا جهاد لا يقلُّ عن أيّ جهاد، والله سبحانه وتعالى أكّده بالقرآن الكريم، قال:

(فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً)

[سورة الفرقان الآية: 52]

انظر إلى هذا الغلام الصغير، حينما لم يسمح له النبي عليه الصلاة والسلام، أن يجاهد بجسمه، تفتق ذهنه عن جهاد آخر، عن العلم وعن الحفظ، فذكر الغلام الفكرة لأمه، فهشت لها وبشت، ونشطت لتحقيقها.

مرتبته العلمية:

حدثت النوار أم الغلام رجالاً من قومهم برغبة الغلام، وذكرت لهم فكرته، فمضوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا نبي الله، هذا ابننا زيد بن ثابت، يحفظ سبع عشرة سورة من كتاب الله، ويتلوها صحيحة كما أنزلت على قلبك، وهو فوق ذلك حاذق يجيد الكتابة والقراءة، وهو يريد أن يتقرب إليك، وأن يلزمك، فاسمع منه إذا شئت.
يا أيها الأخوة الكرام، أقول لكم هذا الكلام: لو أن أحدكم اعتنى بابنه عناية بالغة حتى تعلم القرآن، أو حتى تعلم حديث رسول الله، أو تعلم أحكام الفقه، وحمله على طاعة الله، وعلى أداء الصلوات، وعلى التقرب إلى الله بالطاعات، فالأب إذا رأى ابنه على هذا الحال، واللهِ يدخل على قلبه سعادة لا أستطيع وصفها، ولو كانت هذه الأسرة متقشفة، حياتها خشنة، طعامها خشن، بيتها صغير، دخلها قليل، لكانت في غاية السعادة.
قبل أسبوع، وفي يوم الجمعة جرى احتفال بمناسبـة تخريج دفعة عند نهاية دورة صيفية لمعهد تحفيظ القرآن، وسمعت كلمات من الصغار، وتلاوات، أثلجتْ قلبي من شدة الفرح، فكيف بالأب الذي رَّبى هذا الابن هذه التربية؟ فالأب الذي علم ابنه القرآن له عند الله يوم القيامة شأن خاص.
سمع النبي الكريم من الغلام زيد بن ثابت بعضاً مما يحفظ، فإذا هو مشرق الأداء مبين النطق، تتلألأ الكلمات على شفتيه كما تتلألأ الكواكب على صفحة السماء، ثم إن تلاوته تَنُمُّ عن تأثر بما يتلو، واسيتعاب، وحسن أداء.
سُرَّ به النبي عليه الصلاة والسلام، إذ وجده فوق ما وصفوا

سيدنا زيد يتقن اللغة العبرية ليكون ترجمان النبي:

فعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ:

أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتَعَلَّمَ لَهُ كَلِمَاتٍ مِنْ كِتَابِ يَهُودَ، قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي، قَالَ: فَمَا مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ لَهُ، قَالَ: فَلَمَّا تَعَلَّمْتُهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ، وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ

[أخرجه الترمذي عَنْ زيد بن ثابت في سننه]

من تعلم لغة قوم أمن شرهم

[ورد في الأثر]

مجتمع المسلمين، مجتمع راق، مجتمع حصيف، فلا بد من إنسان يتقن اللغة الأجنبية حتى يكون وسيطًا، أحياناً يأتي شخص أجنبي يريد أن يسلم، فما أروع أن يكون بين الأخوة المؤمنين، إنسان يتقن اللغة الأجنبية.
قد تكون هناك وثائق رسمية، فلا بد من ترجمتها، أو مصحف مترجم، أو نسخة مترجمة للمصحف مُنع إدخالها، فأنا ظننت أن الذي منع إدخاله من باب التعنت، فدفعته إلى أحد الأخوة المختصين باللغة الأجنبية، تبيّن له أن فيه دسائس، وفيه تزويرًا للحقائق، وفيه تحريف لمعاني آيات تحمل تشويهًا للإسلام، فمَن تعلم لغة قوم أمن مكرهم.
أكب زيد على العبرية حتى حذقها في وقت يسير، وجعل يكتبها للنبي عليه الصلاة والسلام كلها إذا أراد أن يكتب لليهود، ويقرأها له إذا هم كتبوا إليه، فصارتْ له قيمة عند رسول الله، وصار مستشارًا في اللغة العبرية.
ماذا تتقن؟ قيمة الرجل ما يحسن، تتقن المحاسبة، فهذا جيد، ومكانتك جيدة، تتقن اللغة الأجنبية، نعم يتقنها، تتقن الاختصاص الفلاني؟ لا، إذًا فأَتقِنه، فقيمة المرء ما يحسنه، لكن لا يحسن شيئًا فهذا لا ينبغي، ماذا تحسن؟ لا شيء، ما هذا؟ يجب أن تتقن شيئاً، يجب أن تتقن اختصاصاً، تعلَّمْ كل شيء عن شيء ما، وشيئاً ما عن كل شيء، وهذا الذي تتقنه يجب أن يوظَّف في الحق، تتقن اللغة العربية أنْعمْ بها وأكرم، وكذلك اللغة الأجنبية التي تعلَّمتها، الرياضيات والفيزياء، والكيمياء، لتتقِنْ التجارة مثلاً، لتتقن الضرب على الآلة الكاتبة، لتتقن المحاسبة، فلا بد من اختصاص، ومن حرفة تتقنها، والنبي عليه الصلاة والسلام أمسك بيد عبد الله بن مسعود فرآها خشنة، فقال عليه الصلاة والسلام:

إن الله يحب هذه اليد

بالمناسبة لديّ كلام سأوجهه لأخواننا المختصين في اللغة الأجنبية، الآن ملايين إن صح التعبير في العالم الغربي يتشوقون إلى معرفة الإسلام، ولكن لا تستطيع أن تخاطبهم إلا بعقليتهم وبلغتهم فمَن مكَّنه الله مِن لغة أجنبية، واستطاع أن يؤلف كتباً باللغة الإنجليزية بطريقة يفهمها الأجانب، فقد حقّق إنجازاً لا يوصف إطلاقاً، ولا يقدر بثمن.
أتمنى على كل أخ يتقن اللغة الإنكليزية أن يوظف اختصاصه في ترجمة بعض الكتب الإسلامية، أو في تأليف بعض الكتب، يعني في العالم الغربي يقال لك: هذا الكتاب مطبوع منه ثمانية ملايين نسخة، وآخر عشرة ملايين، وثالث عشرين مليون نسخة، هناك إقبال على القراءة كبير، وهناك شغف لمعرفة الإسلام شديد، لا سيما بعد أن أفلست كل النظم الوضعية، هناك رغبة ملحة للاطِّلاع على الإسلام، فكل إنسان يحمل لسانس باللغة الأجنبية أتمنى عليه، وأرجو منه أن يوظف اختصاصه في خدمة هذا الدين والدعوة له.

سيدنا زيد كاتب للوحي:

أصبح سيدنا زيد بن ثابت ترجمان النبي عليه الصلاة والسلام، ولما استوثق النبي صلوات الله وسلامه عليه من رصانة زيد، وأمانته، ودقته، وفهمه، ائتمنه على رسالة السماء، وجعله كاتباً للوحي، شرف عظيم، فكان إذا نزل شيء من كتاب الله على قلب النبي عليه الصلاة والسلام، بعث إليه يدعوه.
فإذا أتيح لشخص أن يشتغل بالعلم، أن يقرأ، أن يترجم، أن يؤلف، ولا سيما العلم الشرعي، فهذه رتبة سامية، لأنّ كل علم ممتع، وهناك علم ممتع ونافع في اختصاص نادر، يدر عليك مئات الألوف، أما العلم الشرعي فهو علم ممتع نافع مسعد في الدنيا والآخرة.
تسمع عن عالم جليل آخر، ماذا كان يعلم؟ كان نجاراً، فإن يُذكر اسمه مليون مرة لا يخطر في بال واحد أنه كان نجاراً، لذلك رتبة العلم أعلى الرتب، وعلمياً رؤساء الدول العظمى، كيف يتخذون قراراتهم؟ بناءً على توصية العلماء.
سيدنا زيد بن ثابت أصبح المرجع الأول لكتاب الله، ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فكان رضي الله عنه رأس من جمعوا كتاب الله في عهد الصديق، وطليعة من وحدوا مصاحفه في زمن عثمان
أفبَعدَ هذه المنزلة منزلة تسمو إليها الهمم، وهل فوق هذا المجد مجد تطمح إليه النفوس؟

موقفه يوم السقيفة :

لهذا الصحابي الجليل موقف لا يُنسى، والمؤمن بحكمته وفهمه وكياسته قد يوفق، وقد يحقن الدماء، بموقفه الحكيم.
ففي يوم السقيفة اختلف المسلمون فيمن يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المهاجرون: فينا خلافة رسول الله ونحن بها أولى، وقال بعض الأنصار: بل تكون الخلافة فينا ونحن بها أجدر، وقال بعضهم الآخر: بل تكون الخلافة فينا وفيكم معاً، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا استعمل واحدًا منكم على عملٍ قرن معه واحداً منا، وكادت تحدث فتنة ونبي الله صلى الله عليه وسلم ما زال مسجى بين ظهرانيهم،
وكان لا بد من كلمة حاسمة حازمة رشيدة مشرقة بهدي القرآن الكريم تئد الفتنة في مهدها، فانطلقت هذه الكلمات من فم زيد بن ثابت، اسمعوا ماذا قال؟ التفت إلى قومه، وقال:

يا معشر الأنصار، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين فينبغي أن يكون خليفته من المهاجرين، وإنا كنا أنصار رسول الله فنكون أنصاراً لخليفته من بعده، وأعواناً له علـى الحق، ثم بسط يده إلى أبي بكر الصديق، وقال: هذا خليفتكم فبايعوه

وأنهى الموقف.
ما أروع المؤمن إذا حسم الفتنة، ما أروع المؤمن يألف ولا يفرِّق، وما أروع المؤمن إذا وفق، ما أروع المؤمن الذي تهمّه مصلحة المؤمنين، صار همزة وصل، وأداة جمع وتوفيق، وأداة تأليف، لا أداة فرقة، ولا أداة بعد، ولا أداة عداوة.

تقدير الصحابه له:

أيها الأخوة، صار سيدنا زيد مع فقهه وعلمه وطول ملازمته للنبي عليه الصلاة والسلام منارة للمسلمين، يستشيره خلفاؤه في المعضلات، ويستفتيه عامتهم في المشكلات، ويرجعون إليه في المواريث خاصة، إذ لم يكن بين المسلمين إذ ذاك من هو أعلم منه بأحكامها، ولا أحذق منه في قسمتها، فقد خطب عمر رضوان الله عليه في المسلمين يوم الجابية، فقال:

أيها الناس من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسألَ عنِ المال فليأت إليَّ، فإن الله عز وجل جعلني عليه والياً، ولها قاسماً

وطلاب العلم من الصحابة والتابعين عرفوا قدر زيد فأجلوه وعظموه لما وقر في صدره من العلم.
استمعوا لهذه الوقفة: بحر العلم سيدنا عبد الله بن عباس، يرى زيد بن ثابت قد هم لركوب دابته، فيقف بين يديه ويمسك له بركابه، ويأخذ بزمام دابته، فيقول له زيد بن ثابت:

دع عنك يا ابن عم رسول الله، فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقال له زيد: أرني يدك، فخرج ابن عباس يده، فمال عليها زيد وقبَّلها، وقال: وهكذا أمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا

أدب ما بعده أدب، تقدير ما بعده تقدير، حب ما بعده حب، إخلاص ما بعده إخلاص، وفاق ما بعده وفاق، علامة إخلاص أحدنا أن يحب أخاه، علامة إخلاص علمائنا أن يحبوا بعضهم بعضاً، علامة إخلاص المؤمنين أن يجتمعوا يداً واحدة، علامة إخلاص الدعوات إلى الله أن تتعاون لا أن تتناقض، علامة إخلاصك أن تؤثر مصلحة المؤمنين على مصلحتك الشخصية، علامة إخلاصك أن تجعل انتماءك وانتماء أخوانك لمجموع المؤمنين، علامة إخلاصك أن تدعو إلى أن يكون المؤمنون يدًا واحدة.

وفاته:

لما لحق زيد بن ثابت بجوار ربه، بكى المسلمون بموت العلم الذي ووريَ معه، فقال أبو هريرة:

اليوم مات حَبرُ هذه الأمة، وعسى أن يجعل الله في ابن عباس خلفًا له

ورثاه شاعر النبي عليه الصلاة والسلام ورثا نفسه معه، فقال:

فمَن للقوافي بعد حسانَ وابنه***ومَن للمثاني بعد زيد بن ثابت

وكلنا على هذا الطريق سنموت، ولكن البطولة أن تخلف أثراً طيباً، فالبطولة أن تترك عملاً طيباً، والبطولة أن تجعل ذكرك عطراً بعد موتك، صدق القائل:

دقات قلب المرء قائلة لـــه***إن الحياة دقائق وثــــوان
فاجعل لنفسك بعد موتك ذكرها***فالذكر للإنسان عمر ثـــان

خلاصة القول :

أيها الأخوة، سيدنا زيد ما أتيح له أن يجاهد مع النبي، كان صغيراً، كان طوله بطول السيف، رده النبي بلطف، طلب العلم، حفظ القرآن، تلاه أمام النبي، النبي كلفه أن يحذق العبرية، حذقها، كلفه أن يكتب الوحي كتبه، تعلم الفرائض صار حبر هذه الأمة، صار مرجعَ الأمة في القرآن الكريم، لذلك لا يقلُّ مداد العلماء عن دماء الشهداء، ولا يقلُّ الجهاد بالقرآن الكريم عن الجهاد بالسيف، لقوله تعالى:

(فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً)

[سورة الفرقان الآية: 52]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – رجال حول الرسول – الدرس (45-50) : سيدنا زيد بن ثابت
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-08-30 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس