ربيعة بن كعب شاب عرف ما يطلب

بسم الله الرحمن الرحيم

حب ربيعة بن كعب رسول الله

أيها الأخوة الكرام، مع سيرة صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابي اليوم سيدنا ربيعة بن كعب.
قال ربيعة بن كعب:

كنت فتى حديث السن، لما أشرقت نفسي بنور الإيمان

وأنا أعلق أهمية كبرى على الأخوة الأكارم الشباب، لأن هؤلاء لهم مستقبل كبير،

ومن لم تكن له بداية محرقة، لم تكن له نهاية مشرقة

وريح الجنة في الشباب

وما من شيء أحب إلى الله من شاب تائب

وإن الله يباهي الملائكة بالشاب التائب،
يقول:

انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي

قال:

كنت فتىً حديث السن لما أشرقت نفسي بالإيمان، وامتلأ فؤادي بمعاني الإسلام، ولما اكتحلت عيناي بمرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مرة أحببته حباً ملأ علي كل جارحة من جوارحي

أيها الأخوة، إسلام بلا حب جسد بلا روح، لا إيمان لمن لا محبة له، لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له، فالحب أحد أركان الإسلام، ليس بالمعنى الاصطلاحي

وأولعت به ولعاً صرفني عن كل ما عداه، فقلت في نفسي ذات يوم: ما قيمة الحب من غير عمل تقدمه؟

ما قيمة الحب من غير ترجمة تترجم له؟ ما قيمة الحب من دون شيء يؤكده؟ لما كثر مُدَّعوا المحبة طولبوا بالدليل، ادعاء المحبة سهل جداً، وكل إنسان بإمكانه أن يدعي أنه يحب رسول الله، أو يحب الله، ولما كثرت هذه الدعوى طولب هؤلاء المُدَّعون بالدليل، قال تعالى:

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

[سورة آل عمران الآية: 31]

فقلت في نفسي ذات يوم: ويحك يا ربيعة، لِمَ لا تجرد نفسك لخدمة رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم؟ اعرض نفسك عليه، فإن رضي بك سعدت بقربه، وفزت بحبه، وحظيت بخَيْرَي الدنيا والآخرة

والخدمة من أجل الأعمال التي يقدمها الإنسان تعبيراً عن حبه وإخلاصه لمن يحب، وهي برهان صادق، لأن المؤمن الموصول بالله سعيد، وكل من خالطه يسعد بقربه، ويسعد بصحبته، فكيف برسول الله؟ كل واحد منا إذا التقى أخًا بالله مؤمنًا خالص الإيمان، صادقاً في إيمانه، له عمله الطيب، يأنس بقربه، ويسعد بصحبته، ويسعد برفقته، هذا مع مؤمن، فكيف إذا التقيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكيف إذا كنت من أقرب الناس إليه؟ إنه شيء مسعد جداً أن تكون مع رسول الله قريبًا منه-.
قال:

ثم ما لبثت أن عرضت نفسي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجوت أن يقبلني في خدمته فلم يخيب رجائي

وصدق الشاعر حين قال:

ما قال لا قطّ إلا في تشهده***لولا التشهد كانت لاؤه نَعَمُ

إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحب أن يرفض طلب إنسان، لذلك هذه أخلاق الله عز وجل، وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتخلق بأخلاق الله،
قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،:

إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا أَوْ قَالَ خَائِبَتَيْنِ

[أخرجه الترمذي في سننه عن سلمان]

خدمة ربيعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام :

قال:

منذ ذلك اليوم ألزمَ للنبي الكريم من ظله

صار خادمًا، وكلمة خادم للعظماء وسامُ شرف، أما لغير العظماء فهي وصمة عار، أما إذا خدمت غنياً ابتغاء ماله، كما قال عليه الصلاة والسلام:

من دخل إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه

[أخرجه البيهقي عن ابن مسعود في سننه]

أسير معه أينما سار، وأدور في فلكه كيفما دار، فما رام بطَرْفه مرةً نحوي إلا مثلت واقفاً بين يديه

كان ذكيًّا لا حاجة أن ينادي له، من نظرة يفهم، الفطِنُ يفهم بالإشارة،

وما تَشَوَّف لحاجة من حاجاته إلا وجدني مسرعاً في قضائها

الحُبُّ إذا نما بين شخصين فهِمَ المحب عندئذٍ على المحبوب خواطرَه قبل أن ينطق بها
قال:

وكنت أخدمه نهاره كله، فإذا انقضى النهار وصلى العشاء الآخرة، وأوى إلى بيته، أهم بالانصراف، لكني ما ألبث أن أقول في نفسي: إلى أين تمضي يا ربيعة؟ هل لك مكان أجمل من هذا المكان؟ فلعل تعرض للنبي عليه الصلاة والسلام حاجة في الليل فأجلس على بابه، ولا أتحول عن عتبة بيته

إذا أحب الإنسانُ رسولَ الله سعِدَ في الدنيا والآخرة، لأن النبي شفّاف، إن أحببته فحبك له عين حب الله، فليس بينهما انفصال، قال تعالى:

(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ)

[سورة التوبة الآية: 62]

حُبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عينُ حب الله، وحبُّ الله عزوجل عينُ حبِّ رسول الله،
قال الله تعالى:

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً)

[سورة النساء الآية: 64]

سيدنا ربيعة يجلس على عتبة باب النبي، فربما اضطجع على عتبة الباب، والأذن تسمع ماذا يفعل النبي في الليل؟
وقد كان عليه الصلاة والسلام يقطّع ليله قائماً يصلي، فربما سمعته يقرأ بفاتحة الكتاب فما يزال يكررها هزيعاً من الليل،
فهذه إشارة إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ بفاتحة الكتاب،
وما يزال يكررها هزيعاً من الليل حتى أمل فأتركه، أو تغلبني عيناي فأنام، قال تعالى:

(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً)

[سورة المزمل الآية: 20]

وربما سمعته، يقول:

سمع الله لمن حمده، ثم يحمده، فما يزال يرددها أطول من ترديد فاتحة الكتاب

وذات مرة رابعة العدوية ناجت ربها في الليل، وقالت:

يا رب أغلقت الملوكُ أبوابَها، وخلا كلُّ حبيب بحبيبه

ثم توجهتْ إلى الله في صلاتها، فإذا انعقدت صلة المسلم بالله عزوجل في جزء من الليل فهو في سعادة ما بعدها سعادة.

مكافأة النبي لربيعة على خدمته:

أيها الأخوة، وقد كان من عادة رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه ما صنع أحد له معروفاً إلا أحبَّ أن يجازيه عليه بما هو أجلُّ منه، وليس في الأمر ضريبة الخدمات التي تقدم للنبي، فيعدها النبي ديًن عليه، دققوا في هذه الناحية، النبي وما أدراكم ما النبي؟ سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم، المعصوم الذي يوحى إليه، قمة البشر إذا قدمت له خدمةً، هل يراها فرضاً عليه؟ هل يراها ضريبة يجب أن يؤديها؟ أما النبي كان يرى خدمة ربيعة له ديناً عليه.
يا أيها الأخوة الأكارم، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني لتوضيح هذه الحقيقة، لن يرضى الله عنك إلا إن قُدِّمتْ لك خدمة يجب أن تراها دينً عليك، ويجب ألاَّ تنساها حتى الموت، وإن قدمتَ خدمة لأحدٍ فينبغي أن ترى أن تقديم هذه الخدمة من فضل الله عليك، ويجب أن تنساها فورا، وإن قدمتَ خدمة ينبغي أن تراها فضلاً من الله ساقها إليك، لأنه سمح لك أن تفعل هذا، فهل هناك من دليل يؤكد هذه الحقيقة؟ الدليل: عندما سيدنا موسى سقى للمرأتين تولى إلى الظل، قال تعالى:

(فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)

[سورة القصص الآية: 24]

قال ربيعة:

وقد أحبَّ النبي أن يجازيني على خدمتي له، فأقبل عليَّ ذات يوم، وقال:

يا ربيعة بن كعب

قلت:

لبيك يا رسول الله، وسعديك

قال:

سلني شيئًا أعطِه لك

أنت خدمتنا، اطلب مني حاجة،
تروّيتُ قليلاً، ثم قلت:

أمهلني يا رسول الله، لأنظر فيما أطلبه منك، ثم أعلمك

كان ذكيًّا جداً، فأَحبَّ أن يستغل هذا الطلب إلى أبعد الحدود، وأحب أن يفكر، والأذكياء دائماً، والناجحون في حياتهم لا يتخذون قراراً سريعاً، هل تقبلون هذه النصيحة؟ إنْ أغضبك أحدٌ فلا تتخذ أي قرار وأنت غاضب، قل: سأتخذ قراري بعد أسبوع، فتجد نفسك بعد أسبوع إنسانًا هادئًا، ونفسك سمحت وعفت، فأي قرار تتخذه وأنت غاضب فهو قرار فيه خطأ، أو فيه تسرع، أو فيه حمق، أو فيه عدم نضج، وأي طلبٍ طُلِبَ منك فخذ مهلة بالمقابل، وإذا أردت إنفاذ أمر فتدبَّرْ عاقبته، وكلما زدت الأمرَ فكراً زدت رؤية صحيحةً، وأصحُّ قرارٍ تتخذه هو القرار الذي تتخذه وأنت هادئ النفس، وقد جمعت المعلومات الضرورية حوله.
فقال عليه الصلاة والسلام:

لا بأس عليك

وكنت يومئذ شاباً فقيراً لا أهل لي ولا مال ولا سكن، وإنما كنت آوي إلى صفة المسجد،
فإذا أكرمَ الله أحدَنا بزيارة الروضة الشريفة فلينظرْ خلف الروضة، ففي الحرم النبوي الشريف منصة مرتفعة، وهذا المكان كان مكان أهل الصُّفة، وهم فقراء المسلمين، هناك يجلسون وهناك ينامون.
وإنما كنت آوي إلى صفة المسجد مع أمثالي من فقراء المسلمين، وكان الناس يدعوننا بضيوف الإسلام، فإذا أتى أحد المسلمين بصدقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعث بها كلها إلينا،
ولي تعليق لطيف، فبعض الأشخاص يظنون أن صلة الرحم أن تكتفي بزيارة أقاربك، الأقارب الفقراء ليس معنى صلتهم أن تزورهم، معنى صلتهم أن تهديهم، وتقدم لهم هديةً، أن تدخل عليهم ويدُك ملأى ببعض الحاجات، هذه هي الصلة
فكان المسلمون يأتون بالصدقات إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان عليه الصلاة والسلام يدفعها كلها إلى صُفّة المجلس
وكان النبي بأعلى درجات الورع، ولقد قرأت مرةً أن الوحي انقطع عنه قليلاً، فحار في هذا الانقطاع، فقال للسيدة عائشة:

لعلها يا عائشة تمرة أكلتها من تمر الصدقة

لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام لا يأكل الصدقة أبداً، أما الهدية فيأكل منها، ويهدي بعضها،
وإذا أهدى له أحد هدية أخذ منها شيئاً، وجعل باقيها لنا،
أخذ حاجته، والباقي أعطاه لفقراء المسلمين
فحدثتني نفسي أن أطلب من النبي عليه الصلاة والسلام من خير الدنيا، يزوجني، وأطلب بيتًا، وأغتني به من فقر، وأغدو كالآخرين ذا مال وزوج وولد، لكني ما لبثت أن قلت: تباً لك يا ربيعة بن كعب، إنّ الدنيا زائلة فانية، وإنّ لك فيها رزقاً كفله الله عزوجل، فلا بد أن يأتيك، والنبي عليه الصلاة والسلام له منزلة عند ربه، فلا يرد معها طلب، فاطلب منه أن يسأل الله لك من فضل الآخرة،
انظروا إلى العقل الراجح
ثم جئت النبي عليه الصلاة والسلام،
فقال لي:

ما تقول يا ربيعة؟

قلت يا رسول الله:

أسألك أن تدعو لي الله سبحانه وتعالى أن يجعلني رفيقاً لك في الجنة

فقال عليه الصلاة والسلام:

من أوصاك بذلك؟

قلت:

لا، والله ما أوصاني به أحد، ولكنك حينما قلت لي: سلني أعطك، حدثتني نفسي أن أسألك شيئاً من خير الدنيا، ثم ما لبثت أن هديت إلى إيثار الباقية على الفانية، فسألتك أن تدعو الله لي أن أكون رفيقك في الجنة

فصمتَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام طويلاً، ثم قال:

أَوَ غيرَ ذلك يا ربيعة؟

أحيانا يقدم لك شخصٌ خدمة كبيرة جداً، تقول له: ماذا تطلب؟ فيقول لك: ادعُ لنا، فتقول: وفّقك الله، لا تقل له ذلك، فالدعاء وارد، ونريد شيئًا آخر، لا تقبل بخدمة ثمينة إلاّ غاية ثمينة، أمّا دعاؤك فلعله وارد منه بصورة عفوية.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ فَأَجِيرُوهُ، وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ

[أخرجه النسائي في سننه عن ابن عمر]

علَّمنا النبيُّ أن نقدِّم مقابلَ كل خدمة خدمة، ومقابل كل هدية هدية، وكل معروف معروفاً، لئلا نمنع الماعون، هؤلاء الذين لا يردون على الهدية بمثلها يمنعون الماعون، ولنَعُدْ إلى ربيعة
قلت:

لا يا رسول الله، فما أعدل بما سألتك شيئاً، ما أريد إلا الذي سألتك

فبماذا أجاب النبي؟

عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ،
فَقَالَ لِي: سَلْ،
فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ،
قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ،
قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ،
قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ

[أخرجه مسلم في الصحيح عن ربيعة بن كعب الأسلمي]

طلبتَ شيئاً عظيماً، وقد كنتُ أوضِّحُ هذا بمثل:
ملِك له ابن، قال له: اطلب يا بني، فإذا قال له: أريد قصرًا، فالقصر شيء سهل، فقال له ذات مرة: أرغب أن أكون أستاذ جامعة، قال له: هذه عليك، وليست عليّ، فكل شيء ممكن إلا هذه، إذا أردت هذا المنصب العلمي فادرس إذاً، الفكرة دقيقة.
فَكِّرْ في الكون كثيراً، عمِّق إيمانك، تعرَّف إلى الله عز وجل، استقِمْ على أمره، ابذلْ من مالك، ومن وقتك، ارتقِ في معرفة الله حتى تستحق هذا المقام-.
قال ربيعةُ:

فجعلت أدأب بالعبادة حتى أحظى بمرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، كما حظيت بخدمته وصحبته في الدنيا

إنه طمِعٌ، قال تعالى:

(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)

[سورة المطففين الآية: 26]

(لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ)

[سورة الصافات الآية: 61]

المكافأة المادية التي عرضها رسول الله على ربيعة:

قال: ثم إنه لم يمض على ذلك وقت طويل حتى ناداني رسول الله عليه وسلم
إذْ لم يقبل مقابل خدمة مادية إلا أن يكافئه عليها بخدمة مادية،
استنباط آخر، غِناه في قلبه، من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً-
قال له النبي عليه الصلاة والسلام:

يا ربيعة، ألا تتزوج؟

قلت:

لا أحب أن يشغلني شيء عن خدمتك يا رسول الله، ثم إنه ليس لي ما أمهر به الزوجة، فسكت عليه الصلاة والسلام، ثم رآني ثانية

فقال:

يا ربيعة ألا تتزوج

فأجبته بمثل ما قلت له في المرة السابقة، لكني ما إن خلوت إلى نفسي حتى ندمت على ما كان مني، وقلت: ويحك يا ربيعة، فو اللهِ إنّ النبي لأعلمُ منك يا ربيعة بما هو أصلح لك في دينك ودنياك، وأَعْرَفُ منك بما عندك، واللهِ لأن دعاني النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعد هذه المرة للزواج لأجيبنَّهُ، ثم لم يمض على ذلك طويل وقت حتى قال لي النبي صلى الله عليه وسلم:

يا ربيعة، ألا تتزوج، للمرة الثالثة

انظر إلى حرص النبي على أصحابه، وعلى استقرارهم، وعلى سعادتهم، وعلى طمأنينتهم، هو أب وأرقى من أب، أرحم الخلق بالخلق.
قلت:

بلى يا رسول الله، أريد أن أتزوج، ولكن من يزوجني وأنا كما تعلم؟

فقال:

انطلق إلى آل فلان، وقل لهم: إن رسول الله يأمركم أن تزوجوني فتاتكم فلانة

فأتيتهم على استحياء، فهل من المعقول أن يزوِّجوني وأنا لا أملك شيئًا؟ وقلت لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليكم لتزوجوني فتاتكم فلانة، قالوا: فلانة،
ويبدو أنها على مستوى رفيع جداً
قلت: نعم على استحياء، ولم يرتفع صوته، قالوا: مرحباً برسول الله، ومرحباً برسول رسول الله، والله لا يرجع رسولُ رسولِ الله إلا بحاجته، وعقدوا لي عليها، فأتيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، قلت له: يا رسول الله، لقد جئت من عند خير بيت، وزوجوني.
قال العلماء: سعيد بن المسيب من كبار التابعين، خطب ابنتَه عبدُ الملك بن مروان لابنه الوليد بن عبد الملك الذي أنشأ مسجد بني أمية، فرفض سعيد الخطيب، وعنده تلميذٌ فقيراً جداً، غاب درسين، فلما تفقده أخبره قائلاً: زوجتي توفيت يا سيدي، فقال له: لمَ لمْ تعلمنا فنعزيك؟ أفتريد زوجة؟ قال له: نعم، ولكني فقير، فقال سعيد: أزوَّجك ابنتي، فهذا التلميذ الفقير لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، طبعاً وافق، ولكن دخل في همٍّ كبير، ولكن في الليلة نفسها قرع الباب، فقلت: من الطارق؟ قال: سعيد، فقال: خطر في بالي أربعون سعيداً إلا سعيد بن المسيب، لأنه من أربعين عاماً ما خرج عن خط واحد، من البيت إلى مجلس القضاء، فلما فتحت الباب رأيت شيخي سعيد بن المسيب، ووراءه ابنته، فدفعها إليَّ، في يوم واحد تمَّ العقد ثم الزواج،
وكلما عقَّدْنا الزواج في زماننا يكثر السفاح، وكلما سهَّلنا الزواج قلَّ السفاح، النكاح يرضي الله، والسفاح يغضبه، ليس الآن مِن عمل عظيم كأن تسهِّل إجراءات الزواج، غرفة تكفي مبدئياً، ولا داعي للحلي الثمينة، فقد سمعت بقريةٍ في الريف، واللهِ أنا أكبرتُ عملهم، اجتمع وجهاؤها، وقرروا أنَّ أيَّ شاب يخطب امرأة يقدم خاتم سحب، وساعة فقط، هذا هو المصاغ الذي يقدم فقط، وهذا تسهيل كامل وأعظم النساء بركةً أقلهن مؤونةً، وأعظم النساء بركة أقلهن مهرا، إنّ عقود القِران التي يبالغ بالبذخ فيها لا يسعد بعدها الزوجان في أغلب الأحيان، والعقود المتواضعة ترى بعدها الزواج قطعة من الجنة-
قال ربيعة:

صدَّقوني، ورحَّبوا بي، وعقدوا لي على ابنتهم، فمِن أين آتيهم بالمهر يا رسول الله؟

فاستدعى النبي بريدة بن الحصيب، وكان سيداً من سادات بني أسلم، وقال له:

يا بريدة، اجمع لربيعة وزن نواة ذهباً

فجمعوها لي،
فقال لي عليه الصلاة والسلام:

اذهب بهذا إليهم، وقل لهم: هذا صداق ابنتكم

وهكذا التعاون، فإذا كانت مجموعة المؤمنين في ولاء وفي محبة أمكن ذلك، هذا ابن أخيك، وأنت ميسور، ادفع له المهر لزواجه، وهكذا مجتمع المؤمنين، قال تعالى:

(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)

[سورة المائدة الآية: 2]

فأتيتهم ودفعته لهم، فقبلوه، ورضوا به، وقالوا: كثير طيب،
هذه العادة سيِّئة، أنّ كل شيء قدِّم لك تسأل عن سعره، فأنت إنسان مادي، فمن جاءك ورضيت دينه وخلقه ففيه الخير فارض به.
فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقلت:

ما رأيت قوماً قط أكرم منهم، فلقد رضوا ما أعطيتهم على قلته، وقالوا: كثير طيب، فمن أين ما أولم به؟

والوليمة من السنة
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لبريدة:

اجمعوا لربيعة ثمن كبش

فابتاعوا لي كبشاً عظيماً سميناً،
فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم:

اذهب إلى عائشة، وقل لها: أن تدفع لك ما عندها من الشعير

فأتيتها، فقالت:

إليك المكتل، ففيه سبعة آصع، لا، والله ما عندنا طعام غيره

فمن عند رسول الله الشعير، ومِن بريدة الكبش والمهر.
فانطلقتُ بالكبش والشعير إلى أهل زوجتي، فقالوا: أما الشعير فنحن نعدُّه، وأما الكبش فأْمُرْ أصحابك أن يعدُّوه لك، فأخذتُ الكبشَ أنا وأناسٌ من أسلم وذبحناه، وسلخناه، وطبخناه، فأصبح عندنا خبز ولحم، فأولمت، ودعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجاب دعوتي
قال:
ثم عليه الصلاة والسلام منحني أرضاً إلى جانب أرض أبي بكر، فدخلتْ عليَّ الدنيا، حتى إني ذات مرةٍ اختلفت مع أبي بكر رضي الله عنه على نخلة، فقلت: هي في أرضي، فقال: بل هي في أرضي، فنازعته، فأسمعني كلمة، فلما بدرت منه الكلمة ندم، وقال: يا ربيعة رُدَّ عليَّ بمثلها، حتى يكون قصاصاً، فقلت: لا والله، لا أفعل، فقال: إذاً آتي رسول الله، وأشكو له امتناعك عن القصاص مني، وانطلق إلى النبي فمضيتُ في إثره، فتبعني قومي بنو أسلم، وقالوا: هو الذي بدأ بك، ثم يسبقك إلى رسول الله فيشكوك، فالتفتُّ إليهم، وقلت لهم: ويحكم أتدرون من هذا؟ هذا الصديق، وذو شيبة المسلمين، ارجعوا قبل أن يلتفت فيراكم، فيظن إنما جئتم لتعينوني عليه، فيأتي رسولَ الله فيغضب النبيُّ لغضبه، ويغضب اللهُ لغضبهما فيهلك ربيعة،
يعرفون مقام بعضهم
ثم أتى الصديقُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وحدثه الحديث كما كان، فرفع النبي رأسه إلي، وقال: يا ربيعة، مالَك وللصديق؟ فقلت له: يا رسول الله، أراد مني أن أقول له كما قال لي، فلم أفعل، فقال: نعم، لا تقل له كما قال لك.

لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل

و لكن قل: غفر الله لأبي بكر،
فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر، فمضى وعيناه تفيضان من الدمع، وهو يقول: جزاك الله عني خيراً يا ربيعة بن كعب، جزاك الله عني خيراً يا ربيعة بن كعب

خلاصة القصة :

هذا سيدنا ربيعة بن كعب، صحابي جليل من أصحاب رسول الله، كان فقيراً، وقد أكدتْ هذه القصةُ أشياءَ كثيرة، يمكن أن نلخصها بسرعة:
1. إذا قُدِّمتْ لك خدمة فينبغي أن تراها قرضاً أو دينًا، ينبغي ألاَّ تنساها، وإذا قدَّمتَ خدمة فهي من فضل الله عليك، وينبغي أن تنساها.
2. إذا لم يتمكن الإنسانُ أن ينفق من ماله ولا من قوته يمكنه أن يقدم خدمات.
3. هذا الخيرُ لا يأتيك إلا بجهدك، قال تعالى:

(وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)

[سورة النجم الآية: 39]

4. التأدب مع الأولياء.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن نستفيد من هذه القصص، وأن تنعكس على حياتنا سلوكاً وسعادةً، لأن هذه المعلومات لا قيمة لها كمعلومات إلا أن تترجم إلى وقائع.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – رجال حول الرسول – الدرس (22-50) : سيدنا ربيعه بن كعب رضي الله عنه
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-03-08 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس