سعد بن أبي وقاص الأسد في براثِنِه

بسم الله الرحمن الرحيم

سعد بن أبي وقاص رجل الأزمات:

أيها الأخوة الأكارم، الصحابي سعْد بن أبي وقاص، وأوَّلُ نقطة في شَخْصِيَّة هذا الصحابي الجليل أنه شَخْصِيَّةٌ فذَّة، بِمَعْنى أنه يُمْكن أنْ يُعْتمد عليه في أشَدِّ الأزْمات، ويُمْكن أنْ يُدَّخَر لِحَلِّ مُشْكِلَاتٍ كبيرة.
فَسَيِّدُنا عمر رضي الله عنه كان أمير المؤمنين، وقد تلقى أنْباءً مُؤْسِفَةً جداً من بلاد الفُتوحات في فارس، فقد قُتِل في يومٍ واحدٍ أربعة آلاف شهيد من أصْحاب رسول الله، ولم يعُدْ يمْلك خِياراً، فأراد هذا الخليفة العظيم أن يقود جَيْشَ إنْقاذٍ بِنَفْسِه، وجَهَّزَ هذا الجَيْش ممن بَقِيَ من أصْحاب رسول الله وقادهم وخرج من المدينة، لكنّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم رأوا أنَّ حياة هذا الخليفة العظيم ليْسَتْ مِلْكَهُ، إنما هي مِلْكُ المُسْلِمين.
أتوقَّفُ قليلاً عند هذه الكلِمَة، أنت كَمُؤْمِنٍ لك رِسالة تعْرف لماذا جِئتَ إلى الدنيا، وتعرف عِظَم المُهِمّة التي ألْقاها الله على عاتِقِك؟ تؤمن وتوقِنُ أنَّ حياتك لَيْسَتْ مِلْكك، وهي قبل كُلّ شيءٍ مِلْكُ أُسرتك، ومِلْكُ المؤمنين، ومن هنا كانت العِنايةُ بِصِحَّة الإنسان واجِبًا دينيًا، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام:

من ركب ناقةً حرونًا فلا يقربنّ مجْلِسَنا…

[ورد في الأثر]

الناقة الحرون هي الناقة الخَطِيرة، يُقاسُ على هذا أنَّك إذا ركِبْتَ مرْكَبَةً ليْسَتْ جاهِزِيَّتُها كاملة فقد عَصَيْتَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، إنْ ركِبْتَ مرْكَبَةً مكابِحُها ليْسَتْ مُحْكَمة، وعجلاتها ليْسَتْ مضْبوطة فقد عصيت رسول الله عليه الصلاة والسلام.
النبي عليه الصلاة والسلام نهى أنْ ينام الإنسان على سَطْحٍ ليس له سور لئلا يقع،
هـذه التَّوْجيهات يُحْمَلُ عليها أنَّ أيَّةَ مُخاطَرَةٍ يُخاطِرُ بها الإنسان بِحَياته فإنّه يموت عاصِياً، وهــل تُصَدِّقون أنَّ أحد أصْحاب النبي وهو في الجِهاد عصى رسول الله وركِبَ ناقَةً حروناً، فَدَقَّتْ عُنُقَه، فأبى النبي أنْ يُصَلي عليه؟ لمعصيته رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وركوبِه ناقَةً حروناً، فَحَياةُ المؤمن ليْسَتْ مِلْكه، إنما هي مِلْكُ المسْلمينَ جميعاً، ولا سِيَما إذا كان له عملٌ صالحٌ، وباعٌ طويلٌ في خِدْمة الخَلْق والدعوة إلى الله عز وجل، فعِنايَتُكَ بِصِحَّتِكَ ليْسَتْ أنانِيـَّةً أو أَثَرَة، ولكنَّها مؤاثرة
قد يسأل سائل: ألَيْسَت الأعْمارُ بِيَد الله؟ نعم الأعمار بِيَد الله، ولك عُمُرٌ لا يزيد ولا ينْقص، ولكن إما أنْ تُمْضي العُمُر الذي كتبه الله لك هكذا صحيحًا، وإما أنْ تمْضيه هكذا طريح الفِراش، وذلك بسبب مُخالفتك سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك دقِّقوا في قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم:

(الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)

[سورة الشعراء الآية: 78-80]

فما قال: والذي إذا أمْرضني فهُو يشْفين، قال:

(الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)

فالمرض في هذه الآية عُزِيَ إلى الإنسان، أما الخلق فعُزِيَ إلى الله، فأصْلُ المرض مُخالفَةٌ لِمَنْهج الله عز وجل، وبالمُناسَبَة قد تقْتني أحْدث وأرْقى وأغْلى سيارة، ومع ذلك مصانع السيارات الآن ليس بِإِمْكانها أن تصنع سيارة لترْكَبَها أرْبعين عاماً من دون أنْ تُغَيِّر لها بعض القِطَع، بل لا بد أنْ تُغَيِّر لها المكابِح والزيت وقطعًا كثيرة، فالتغيير لا بدَّ منه، لكن الإنسان لما خلقه الله عز وجل صَمَّمَهُ بِطَريقة يمكن معها للأجهزة والأعْضاء أنْ تقوم بِعَمَلها حتى آخر لحْظة في حياتك في أعلى درجة، كالمفاصِل والكُلْيَتَين، والقلب والشرايين، والأوْردة والأعْصاب والعضلات، ولقد سمِعْتُ مرةً أنَّ الإنْسان إذا لَبِسَ حذاءً قاسِياً وسار على أرضٍ صلبة وهَرْوَل يسْتَهْلكُ مفاصِلَهُ عن طريق تضاد الصَّدْمة، فلا بد من حِذاءٍ مرِنٍ وأرضٍ مرِنة، أما إذا كان الحِذاءُ صَلْباً والأرض صلبةً فإنَّ المفاصل تُسْتَهْلك قبل أوانِها.
المُلَخَّص أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لما نهى أن تشْرب مِن فم الإناء، وأمر أنْ تشرب الماء ثلاثاً، وأنْ تشْربه قاعداً،
ونهى كذلك أنْ تأكل أكثر من حَدِّك الطبيعي،
ونهى عليه الصلاة والسلام أنْ تأكل فاكِهَةً ليْستْ مغْسولةً، فمن أكل التراب فقد أعان على قتْل نفْسه، وأيضًا النبي أنْ تترك صحاف الطِّعام وقُدور الماء مكْشوفةً، فهذا كُلُّه من أجل الحِفاظ على حياتك.
أيها الأخوة، أصْحاب رسول الله حينما رأوا خليفتهم وهو في وقْتٍ عصيبٍ جداً، وقد علِموا أنَّ أثْمن شيءٍ يمْلِكُهُ المُسْلمون حياةُ أميرهم، فلِذلك اجْتمع أصْحاب رسول الله ولَحِقوا بِعُمَر، وثَنوهُ عن أنْ يقود جَيْشاً بِنَفْسه، وأنَّ حياته الآن في هذا الوقْت العصيب وقْتِ الرِّدة والفِتَن والحُروب والفتوحات هي أثمُن شيءٍ عند المؤمنين، فنزل سيّدنا عمر عند رأْيِهِم، وقال: من تَرَوْن أنْ نبْعث إلى العِراق؟ فصَمَتَ أصْحابُهُ، وراحوا يُفَكِّرون، ثمَّ صاح عبد الرحمن بن عَوْفٍ لقد وَجَدْتُهُ
بالمُناسبة أصْعَبُ شيءٍ في القِيادة أنْ يخْتار القائِدُ أعْوانه، لأنَّ القائِدَ أجَلُّ مُهِماتِهِ أنْ يخْتار من حَوْله، فإذا كانوا صالِحين صلُحَ بِهِم المُجْتمع، وإذا كانوا فاسِدين فَسَد بهم المُجْتمع، والنبيّ عليه الصلاة والسلام كان يدْعو اللهَ أنْ يهيِّئ له بِطانةَ خيرٍ، تنْصَحُهُ وتأمُرَهُ وتُخْلِصَ له،
سيّدنا عمر أرْسل مرةً والِياً، وقال:

خُذْ عَهْدك، وانْطَلِق إلى عَمَلِك، واعْلم أنَّك مصْروفٌ رأسَ سَنَتِك، وأنَّك تصير إلى أرْبع خِلال، فاخْتر لِنَفْسك، إنْ وَجَدْناك أميناً ضعيفاً اسْتَبْدَلْناك لِضَعْفِك، وسَلَّمَتْك من مَعَرَّتِنا أمانتُك، وإنْ وَجَدْناك خائِناً قوِياً اسْتَهنا بِقُوَّتِك، وأوْجَعْنا ظَهْرك، وأحْسَنا أدَبَك، وإنْ جَمَعْتَ الجُرْمَيْن – الضَّعْفُ والخِيانة – جَمَعْنا عليك المَضَرَّتَين، وإن وجدناك أميناً قَوِياً زِدْناك في عمَلِك، ورَفَعْنا لك ذِكْرك، وأَوْطأْنا لك عَقِبَك

قال تعالى:

(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)

[سورة القصص الآية: 26]

قال عمرُ: من هو؟ قال: الأسد في براثِنِه سعْدُ بن مالك الزهري
أيْ سعْدُ بن أبي وقاص، هذا الصحابيّ الجليل يتيهُ على أصْحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، يتيهُ ليس بِمَعْناها اللغوي وإنما بِمَعْناها المَجازي، فالنبي لما قال:

لا حسد إلا في اثْنتين…

العُلَماء لما فسَّروا هذا الحَسَد، قالوا: الغِبْطة، فإذا كان لك أخٌ يُعْطي عطاء من لا يخْشى الفقْر فأنت تَغْبِطُهُ، أو لك أخٌ يُلْقي على الناسِ عِلْماً يُؤَثِّرُ فيهم، فأنت تغبطه كذلك،
وكان النبي عليه الصلاة والسلام كلما دخل عليه سعْدُ بن أبي وقاص يُداعِبُهُ، ويقول:

هذا خالي، أروني خالاً مِثْل خالي

ومُداعَبَةُ النبي شيءٌ ثمينٌ، فَمُداعَبَةُ النبي لأصْحابه تعْني أنَّهُ راضٍ عنهم، ورِضاءُ النبي عليه الصلاة والسلام هو عَيْنُ رِضاء الله عز وجل، لأنَّ النبي شفاف، وليس له ذات إطْلاقاً، بل يَشِفٌّ عن الحقيقة الإلهِيَّة، فإذا رضي الله عنك رَضِيَ عنك رسوله وإذا رضِيَ عنك رسوله رضي عنك الله عز وجل،

ترتيبته في الإسلام:

يبدو أن سعدًا أسلم وكان ترتيبه في الإسلام الرجل الثالث، فقال رضي الله عنه: لقد أتى عليَّ يومٌ وأنا ثُلُثُ الإسلام، لذلك فالسابقون السابقون لهم أجرٌ عظيم.
النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا كان في الطَّائف، من منّا يمشي ثمانين كيلومترًا على قدميه؟ والطريق وعْرٌ صعبٌ، وما تمكنوا حديثًا أنْ يشقُّوه بالجبال إلا بالآلات الضخمة، والمهندسون الكبار عجزوا عن شقِّ هذه الطرق، إلاّ بعد أنْ قام أصحاب الخبرة في شقِّ الطرق، وفكَّكُوا الآلات قطعة قطعة حتى استطاعوا أن يشقُّوا الجبال، فكيف صعد النبي عليه الصلاة والسلام إلى الطَّائف؟ هل صعد للتَّنَزُّه؟ صعد لِيَلْقى المُعارضة والتكذيب والسُّخْرِيَة والضَّرْب، هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام،
أسْلم على يد أبي بكرٍ،
فأنت قد تكون فرْداً، وقد تكونُ أُمَّةً، فإذا بذَلْتَ من ذات نفْسك، من عِلْمك وخِبْرتك، ومن وقْتك ومالك وجُهْدك للآخرين، وصَبَرْتَ عليهم إلى أنْ أخَذْتَ بِأيْديهم إلى الله عز وجل فاسْتقاموا على أمر الله، كلما ألْقَيْتَ عليه نظرةً يدخل إلى قلْبك سرور لا يعْلمه إلا الله، هذا قُرَّةٌ عَيْنٍ لك.
لذلك أهْلُكَ الحقيقيُّون هم الذين اهْتَدَوا على يَدَيْك، وآباؤك الحقيقيُّون هم الذين أسْدَوا إليك الهُدى، مرةً قال أحدُهم: آباؤُك ثلاثٌة:

أبٌ أنْجَبَكَ، وأبٌ زَوَّجَك، وأبٌ هداك إلى الله

فالذي أنْجَبَكَ كان له فضْلٌ كبير عليك، لأنه سبب وُجودك، ولكن هذا الوُجود ينْتهي عند المَوْت، فإذا انْتهى الوُجود انْتهى فضْل الأب، والذي زوَّجَك أبٌ آخر له فضْلٌ عليك، ولكن حينما ينْتهي الزواج بالموت ينْتهي فَضْلُهُ، أما الذي هداك إلى الله فالخَيْر الذي جاءَكَ من قِبَلِه يسْتمرّ معك إلى أبد الآباد، سَألني أحدهم فقال: أيُّهم أعظم؟ فقُلْتُ: حسب المُدَّة، فعلى قَدْر المُدَّة التي تنْتفع بها منه، لكن أكْملُ شيءٍ أنْ يقول المرءُ: تَعَلَّمْتُ على يد والِدي، فإذا كان الأب الذي أنْجَبَك هو الذي هداك فهذا من أرْوَعِ ما يكون، أو أنَّ الأب الذي زوَّجك هو الذي هداك كذلك من أرْوَعِ ما يكون، فأنْ تَجْتَمِعَ أُبُوَّتان في أبٍ فشيءٌ رائِعٌ.

الشهادة العليا التي حازها سعد بن أبي وقاص من رسول الله:

أيها الأخوة، لا يوجد صحابي جليل فداهُ النبي عليه الصلاة والسلام بِأُمِّهِ وأبيه إلا سعْد بن أبي وقاص،
فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:
مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ، يَقُولُ يَوْمَ أُحُد:ٍ

يَا سَعْد، ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي

[أخرجه البخاري في الصحيح عن علي]

أيها الأخوة، لو سألتُم كلَّ الناس العُقلاء وخاصَّتهم عن أعْلى شيءٍ يُمْكن أن تصِل إليه لَقالوا: هو أنْ يرْضى الله عنك، لأنه إذا رضي عنك أرْضى عنك كُلّ شيء، وإذا أَحبَّك الله ألْقى حُبَّك عند كُلِّ الناس:

يُنادى له في الكَون أنَّا نحبُّه***فَيَسْمع من في الكَون أمر مُحِبِّنا

فإذا هِبْتَ الله هابك كُلُّ شيء، وإذا خِفْتَ الله خافك كُلّ شيءٍ، وإذا أحَبَّك الله أحَبَّكَ كُلّ شيء، وإذا أطَعْتَ الله أطاعَكَ كُلّ شيء، وإذا أقْبَلْتَ على الله أقْبل عليك كُلّ شيء،
ليس هناك شيء أشقى من أن تعيش في سَخَط الله، وأنْ يكون عملك ومِهْنَتُك وكَسْبك في سَخَط الله، وقْتُ فراغه في سَخَط الله، ولَهْوُهُ في سَخَط الله، وجِدُّهُ في سَخَط الله، وسَفَرُه في سَخَط الله، فهذا هو الشقيّ، الذي يرى المَعْصِيَة حلالاً.
إذاً: لمَّا قال له النبي صلى الله عليه وسلّم: اِرْمِ سَعْدُ فِداك أبي وأُمِّي، فهذه أكبر شهادة، ومرَّة ثانية أقول: إذا أَحَبَّكَ المؤمنون فهذا وِسامُ شَرَفٍ،

ما هي الأسلحة التي كانت في جعبة سعد بن أبي وقاص؟

سيّدنا سعْد بن أبي وقاص كان يقول:

والله إني لأوَّلُ رجُلٍ من العَرَب رمى بِسَهْمٍ في سبيل الله

هذا الصحابي الجليل معه سِلاحان قويَّان: رُمْحُهُ ودُعاؤُهُ، فقد كان مُسْتجاب الدعوة، لماذا كان مُسْتجاب الدعوة؟ لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام دعا له أنْ يكون مُسْتجاب الدعوة، فقال:

اللهم سدِّدْ رَمْيَتَهُ، وأجِبْ دَعْوَتَهُ

خرجت من أعماق قلبه، أُحِبّ أن أربط الماضي بالحاضِر، والسيرة منهج في حَياتِنا، أحْياناً تخْدُمُ إنْساناً خِدْمة، فَيَقول لك: وفَّقَك الله وأحسَن إليك، وجزاك الله عنا كُلّ خير، تَشعُر أنها خرجت من أعمق أعْماقه، فهذه الدّعْوة أيها الأخوة، والله خيرٌ لك من الدنيا وما فيها.
إنّ الدعاءُ أكبر سِلاحٍ، خالقُ الكَوْن معك، ولذلك قال العلماء: إذا الْتقى الإنْسان بِشابٍ بارٍّ لِوالِدَيْه لِيَسْأَلْهُ الدعاء، لأنَّ دعاءهُ مُسْتجابٌ، فَمَن كانَ باراً بِوالِدَيْهِ فقد أكْرَمَهُ الله بأنْ جعَلَهُ مُسْتجاب الدعوة.
بِالمُناسبة، أنْ تُسْتَجابَ دعْوَتُك هذه من إكرام الله لك، وإحدى كرامات المؤمن أنْ يجْعَلَهُ اللهُ مُسْتجاب الدَّعْوة.

غيرته على أصحاب رسول الله:

يُرْوى أنَّ سيّدنا سَعْد رأى رَجُلاً يسُبُّ علِياً كرَّم الله وجْهه وطلْحة والزبير فنهاهُ فلم ينْتهِ، فقال له: أدْعو عليك، فقال الرجل: أراك تهددني كأنَّك نبِيّ، فانْصَرَفَ سعْدُ وتوضَّأ وصلى ركْعَتَين، ثمّ رفع يديه، وقال: اللهم إنْ كنت تعلم أنَّ هذا الرجل قد سَبَّ أقْواماً قد سَبَقَتْ منك لهم الحُسنى، وأنه قد أسْخَطَك سَبُّهُ إياهم فاجْعَلْهُ آيةً وعِبْرة، ولم يمْضِ إلا الوقتُ اليسير حتى خَرَجَت من إحْدى الدور ناقَةٌ شاردة لا يَرُدُّها شيء، فدخلَتْ في زِحام الناس كأنها تبْحثُ عن شيء، ثمَّ اقْتَحَمَت الرجل، وأخَذَتْهُ بين قوائِمِها، وما زالتْ تَخْبِطُهُ حتى مات.
فإذا ظلَمْتَ أحداً وكانَ ضعيفاً، وقال لك: شَكوتُك إلى الله فإذا كنت تعْرف الله فلا بد أنْ ترْجف مفاصِلك، قالوا لك: فإنّ القانون إلى جانبك، وخصمك ضعيف، ومعه وثيقة، وأقام دعوى عليك، وتخلَّصٍت منها عن طريق القاضي، وقُلتَ له: هذا الحاضر واشْرب البحر الآن، فقال لك: شكوتُك إلى الله، فاحذَرْ.
يَرْوون قِصَّة قد تكون رمْزِيَّة ولكنَّها مُؤثِّرة، أنَّ رجُلاً كان يأكل مع زوْجَتِه الدجاج، فإذا بالباب يُطْرق، فقامَتْ لِتَرى من الطارق، فإذا بالباب سائِل، فالزوجة أرادت أنْ تُطْعم ذاك السائل، ولِبُخل الزوج صار يسبّها ويعَنَّفُها، وقال: اطْرُديه، فَطَرَدَتْهُ، وعادت، ولا زالت العلاقة تسوء بينه وبيْنها إلى أنْ طلَّقها، وبعد تطْليقها تَزَوَّجَها إنْسانٌ آخر فقير، وهذا الإنسان أخذ اللهُ بِيَدِهِ حتى أصْبح غَنِيّاً، ومرَّةً كانت تَجْلِسُ معه يأكلان الدجاج، وإذا بالباب يُطْرق، وعادَتْ مُضْطَربة فقال لها: ما بك؟ فقالت: لا شيء، سائِلٌ، فقال: من هذا السائِل؟! قالَتْ: إنه زوْجي الأول، قال: أَتَعْلمين من أنا؟ أنا السائِلُ الأول، الله أكبر.
أحْياناً يتوفى الرجل، فإذا بالابن الأكبر يأخذ كلّ ثروة أخوته الصِّغار، والأم معه، ويسْتولي على البيت والمزرعة، ويُكَلِّف أخوته البنات بأنْ يوكِّلْنَه وكالة عامَّة، فيحتال عن طريق تلك الوكالة، ويَحْرُمُهُنّ ميراثهن، ويظنّ أنه قد فاز، ونسي أنّ الله عز وجل قادرٌ على أنْ يجعله يشتغل بعد حين أجيراً عند أخْوته الصِّغار، وقد وقع الكثير من هذا، والله يمْتَحِنُك، وبعْد حين يأتي الردّ، فما معنى قوله تعالى:

(وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً)

[سورة الفجر الآية: 22]

لقد فَسَّرَها العلماء: جاء أمر ربِّك، واللهُ يُرْخي لك الحَبْل، فإذا به تجِدُه يتعالى، ويغْتصب وينْتهك أعْراضًا، ويقْهر الضعيف، إلى أنْ يأتي أمرُ الله، عندئذٍ يأتي وقتُ الحساب، فتأتي الأمور على خِلاف ما يريد، وعندها يُدمِّره الله عز وجل جزاءً وفاقًا.

وصيته المالية:

سيدنا سعد، هذا الصحابي الجليل كذلك قِصَّته غريبة، فقد كان غَنِياً، ولكن قيل: قَلَّما يجْتمعُ المالُ الوفيرُ مع الحلال، أما هذا الصحابي كانت أمْواله كثيرة من وَجْهٍ حلال، فالمال الوفير إذا لم تكُن لصاحبه اسْتِقامة فإنّه يُظَنّ أنه مال حرام، أقول: يُظَنُّ، لا على اليقين، فسيّدنا سعد اجتمع عنده الحلال الطَيِّب الكثير، لكن هناك من تجده أسْتاذاً في فنِّ الكَسْب، وأُسْتاذاً في العطاء، فماذا قال سيّدنا ابن عَوْف: يا رب، وماذا أصْنع إذا كنتُ أُنْفقُ مئةً في الصباح فَيُؤْتيني الله ألْفاً في المساء؟
عَنْ سَعْدَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ:

عَادَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي امْرَأَتِكَ

[أخرجه البخاري في الصحيح]

لذلك في السنة لك الحق في التصرُّف في الأعمال الصالحة كبِناء المساجد، والنفقة على طلاب العِلْم، ونشْرُ الكُتُب، وإطْعامُ الفُقَراء، وأبواب الخير كثيرة، ولكن كل هذه الأموال التي اجْتمعت لا تزيد عن رُبُع المال، لأنّ الثُّلُثُ كثير، ثمَّ قال عليه الصلاة والسلام:

إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ

[أخرجه البخاري في الصحيح]

كنتُ أردِّد كلمة دائمًا: الفقير أنت له، وغيرك له، ولكن ابْنك مَنْ له غيرك، فلذلك:

إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ

[أخرجه البخاري في الصحيح]

هل تعْرفون أنَّ هناك وَصِيَّة محرَّمة؟ هي الوَصِيَّة لِوارِث، هذا لدَيْه امرأة وخمْسة أوْلاد، فيوصي بِثُلُث مالِه للفقراء، ولا يمْلك إلا بيْتاً تِسْعين متْراً، أين يذهب أولادك؟ فالضَّرر بالوَرَثَة من أجل الوَصِيَّة، هذه الوَصِيَّةُ حرام،

إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي امْرَأَتِكَ

[أخرجه البخاري في الصحيح]

فإذا أطعم الإنسانُ أهْله وكساهم وأشْبَعَهُم وأضْحَكَهُم، أنت بهذا تبْتغي وجْه الله،

سعد رجل من أهل الجنة كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام:

ذات يوْمٍ كان النبي عليه الصلاة والسلام جالِساً مع أصْحابه فَنَظَر إلى الأُفُق بإصْغاء، ثمّ قال:

يطْلع عليكم الآن رجُلٌ من أهل الجنَّة، فأخذ الأصْحابُ يلْتَفِتون صَوْبَ كُلِّ اتِّجاهٍ، يسْتَشْرِفون هذا السعيد المُوَفَّقُ المَحْظوظ، ثمَّ أطلَّ سيّدنا سعْد عليهم، فلاذَ به أحدُ الصحابة، وقال له: قُل لي: ماذا تفْعل؟ وكيف اسْتَحْقَقْتَ هذه البِشارة من رسول الله؟ وبعد إلْحاحٍ، قال له: لا أعمل إلا ما تعْملونه جميعاً من العِبادة، أصوم وأُصلي وأغضّ بصري، غير أني لا أحمل لِأحدٍ من المُسلمين ضِغْناً ولا حقدًا ولا أبغيهم سوءًا

فالذي جعله من أهلِ الجنّة أنّه لا يحْمل في قلبه ضِغْناً ولا سوءًا.
هذا الصحابي، إنه الفارسُ يوم بدْر وأحد، وفي كلِّ مَشْهَد شهِدَهُ النبي عليه الصلاة والسلام.

سعد لم يمنعه بره لوالدته ترك دينه كما أمرت:

آخر قِصَّة لِهذا الصحابي، كانت مع أُمِّه، أنا أدْعو ليلاً نهاراً لِبِرِّ الوالِدَيْن، لكن يُؤْلِمُني أشدّ الألم حينما أرى مؤمناً يسْتَجيبُ لأبٍ فاسِقٍ ويُطيعُهُ، ويعصي الله عز وجل، هذا ليس بِراً إنما هو معْصِيَةٌ وضَعْف، فَسَيِّدُنا سعْد حاوَلَتْ أُمُّهُ كثيراً أنْ تصْرِفَهُ عن هذا الدِّين فلم تُفْلِح وكان باراً بها، فاسْتَخْدَمَتْ آخر ورقَةٍ رابِحَة بِيَدِها، وهي حياتها، فقالت له: يا سعْد، إني سأصوم عن الطعام، ولن أُفْطر حتى تكْفر بِمُحَمَّد أو أنْ أموت، سيّدنا سَعْد إيمانه كالجِبال، قال: تعْلَمين واللهِ يا أُمي، أنه لو كانت لك مئةُ نفْسٍ فخَرَجَتْ نفْساً نفْساً، ما تَرَكْتُ دينَ مُحَمَّدٍ، فَكُلي إن شِئت أو لا تأكلي، ثمَّ تلا قوله تعالى:

(وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)

[سورة لقمان الآية: 15]

أنا أدْعوكم ليلاً ونهاراً، صُبْحاً ومساءً، في كُلِّ درْسٍ إلى بِرِّ الوالِدَيْن، أما أنْ أرى مؤمناً يُؤْمرُ بالمَعْصِيَة ككسْب المال عن طريق الرِّبا، لأن والده أمره بهذا، هذا ليس هو البر، والله تعالى يقول:

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً)

[سورة الإسْراء الآية: 23]

فمن عبد والِدَيْه بأن أطاعَهُما، وعصى ربَّهُ فقد ضلَّ سواء السبيل.

بيان الوصية التي كتبها عمر لسعد حينما أرسله إلى العراق:

لما أرسله سيّدنا عمر إلى العراق أعْطاهُ وَصِيَّةً، وأُحِبَّ أنْ أُلْقيها على مسامِعِكم لأنها حاسِمَة، قال له:

يا سعْدُ بن وهيب، لا يَغُرَنَّك من الله أنْ قيل: خالُ رسول وصاحِبُهُ، فإنَّ الله ليس بينه وبين أحدٍ نسَبٌ الناسُ شريفهم ووضيعُهُم في ذات الله سواء، فالله ربهم، وهم عِبادُهُ، يتفاضلون بالعافِيَة، ويُدْركون ما عند الله بالطاعة

سواءٌ كنت من نسبٍ رفيع أو وضيع، وسيم الهَيْئة أو ذميماً، ذَكِياً أو بليداً، هذا كله لا قيمة له، بِطاعة الله وحده تسْتطيع أنْ تصل إلى ما تريد، التعاوُنُ مع الله سهلٌ، ولا يوجد عند الله مُقَرَّبون ومُبْعَدون إلاّ بالتقوى، وهؤلاء من جماعَتِه، وهؤلاء ليسوا من جماعَتِه، فكلُّنا عباد الله، وطريقُ رِضْوانه، وما عنده من إكْرام يُنال بطاعته.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – رجال حول الرسول – الدرس (05-50) : سيدنا سعد بن أبي وقاص
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-11-09 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس