إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا

بسم الله الرحمن الرحيم

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

أَيُّهَا النَّاسُ ؛ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ،
فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
وَقَالَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ،
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، يَا رَبِّ ، يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ

[مسلم ، الترمذي ، أحمد ، الدارمي]

هذا الحديث من ألصق الأحاديث بأصول الدين ، وليس أحد وأنا معكم بمنجاة من عذاب الله إن لم يتبع نص هذا الحديث ، وحقيقة الدين شيء خطير جداً ، الدين له مظاهر ، يمكن أن تصلي ، يمكن أن ترتدي ثوباً إسلامياً، يمكن أن تحمل سبحة ، يمكن أن تضع على محلك التجاري آيات قرآنية ، يمكن أن تصلي يوم الجمعة ، هناك آلاف من المظاهر الإسلامية ، ولكن جوهر الدين لو وضعت يدك عليه لقطفت ثماره كلها ، لو وضعت يدك على جوهر الدين لكنت أسعد الناس ، لو عرفت حقيقة الدين لصحت بأعلى صوتك : ليس في الأرض من هو أسعد مني، لكنك إذا وضعت يدك على جوهر الدين يجب أن تكون في مستوى هذا الجوهر ، لا أن تكون أنت في واد، والدين في واد آخر،
هذا الحديث يذكرنا بحديث آخر،

إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ

[الترمذي]

أتحب أن يحبك الله ؟ كن سخياً ، أتحب أن يحبك الله ؟ كن نظيفاً ، أتحب أن يحبك الله ؟ كن طاهراً طيباً .
إذا قلنا فلان طيب ، يعني طاهر ، أما إذا قلنا : الله طيب ، أي منزه عن كل نقص لا يليق به ، إذا وصفنا ربنا بأنه طيب ، أي أنه منزه عن كل نقص،
والطريق واضح ، أتحب أن يحبك الله ؟ كن طاهراً من العيوب ، من الغل ، من الحسد ، من الغيبة ، من النميمة ، من قول الزور ، من الكبر ، من الاستعلاء ، من الأنانية ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ ، يعني منزهًا عن كل نقص ، يُحِبُّ الطَّيِّبَ، يحب العبد المنزه عن كل نقص ، الكامل ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ
إذا قلنا : إنسان طيب أي طاهر ، طاهر في جسمه ، طاهر في أخلاقه ، طاهر في سلوكه ، طاهر في كسبه ، طاهر في إنفاقه ، أما إذا قلنا : إن الله طيب ، معنى ذلك أنه منزه عن النقائص والعيوب كلها،
قال تعالى :

(وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)

[سورة النور : 26]

المؤمنة الطيبة سُمعتها ، نظيفة ، عفيفة ، ودودة ، مطيعة لزوجها ، ستيرة،

إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ

أي منزه عن كل نقص لا يليق به ، منزه عن الظلم ، منزه عن أن يشبه أحداً ، عزيز في ملكه ، حكيم في أفعاله،

لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا

إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ ، هو طيب ، عرفت أم لم تعرف ، أقررت أم لم تقر ، هو طيب ، يعني أنه منزه عن كل نقص، لكن الذي يتعلق بك لا يقبل إلا طيباً ، لا تغلب نفسك ، مهما فعلت ، مهما أخذت من مظاهر الدين ، مهما تعلقت بمظاهر الدين ، مهما كنت مع المقربين ، مهما فعلت أفعالا ترضي الناس ، مهما أثنى عليك الناس ، مهما علوت في نظر الناس ،

إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ،

هذا الحديث معناه واسع جداً ، و النبي عليه الصلاة والسلام فسر هذه الكلمة
قال صلى الله عليه وسلم :

لا يتصدق أحدكم بصدقة إلا من كسب طيب

يعني لا يقبل الله الصدقة إلا إذا كانت من كسب طيب حلال .المال إذا كان حراماً ، أو إذا كان مغتصباً، أو إذا كان ربحاً فاحشاً ، أو إذا كان ربحاً مدلساً ، أو إذا كان مالاً أخذ بالحياء ، أو بالخداع ، أو بالتلاعب ، هذا المال كله مال خبيث ، فالله سبحانه وتعالى لا يقبله ، هذا المعنى الأول ، لا يقبل من مالك الذي تتصدق به إلا إذا كان حلالاً طيباً .
والمعنى الثاني ما قال : لا يقبل إلا مالاً طيباً ، قال : لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ، يعني حتى الأعمال إذا كان فيها شرك لا يقبلها ، إذا كان فيها افتخار لا يقبلها ، إذا كان فيها عجب لا يقبلها ، إذا كان فيها استعلاء على الناس لا يقبلها ، إذا كان فيها أهداف أرضية لا يقبلها ، أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ، هذا حديث خطير جداً ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا .
هو منزه عن كل نقص ، لا يقبل إلا طيباً ، لا يقبل من المال إلا ما كان حلالاً ، لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً ، لا يقبل من الاعتقاد إلا ما كان صحيحاً ، لا يقبل من الكلام إلا ما كان حسن ، لا يقبل كلامك ، ولا أفعالك ، ولا مالك ، ولا اعتقادك إلا إذا كان طيباً ، ومعنى أنه طيب هنا أنه منزه عن النقص ، عقيدة زائغة لا يقبلها الله عز وجل ، أخطر ما في الإنسان عقيدته ، لماذا ؟ لأنه لو اعتقد عقيدة زائغةً فلا بد من أن تترجم إلى سلوك منحرف أبداً ، إن اعتقد اعتقاداً زائغاً ظهر في سلوكك ، أخطر شيء في الإنسان عقيدته ؟ إذا زاغت زاغ عمله، إذا زاغ عمله استحق العقاب .
قال تعالى :

(قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ)

[سورة المائدة : 100]

تجد وظيفة دخلها كبير جداً ؟ هذا الدخل يتيح لك حياةً ناعمةً فارهةً ، وبيتاً واسعاً ، ومركبةً كبيرةً ، ومكانةً مرموقةً ، ولكن أصل هذا العمل مبني على إيذاء الناس ، أو على أكل أموالهم بالباطل ، أو على خداعهم ، هذا خبيث ما الذي يقابل الطيب ؟ الخبيث،
يا أخي الناس كلهم هكذا ، من أين جئتنا أنت بالدين الذي لك ، أي دين ؟ هذا هو الشرع ، أخي الناس كلهم يفعلون هذا،

(قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ)

المؤمن لا يُؤخذ بالكثرة،
قال تعالى :

(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)

[سورة النعام : 116]

(إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)

[سورة النجم : 28]

إذاً صار في حياتنا شيئان ، طيب وخبيث ، عقيدة طيبة عقيدة خبيثة ، كلام طيب كلام خبيث ، مال طيب مال خبيث ، سلوك طيب سلوك خبيث ، السلوك الطيب ، والعقيدة الطيبة ، والكلام الطيب ، والمال الطيب أساسه طاعة الله عز وجل ، فإذا عصيت الله عز وجل أصبحت العقيدة خبيثةً ، والمال خبيثاً ، والمواقف خبيثة ، والآمال خبيثة،
قال تعالى :

(كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)

[سورة إبراهيم : 24]

أحياناً إنسان يزور شخصاً يقول له : هذا البيت كيف وسعك ، كان واسعًا ، ورضي به ، فكرّهه فيه ، يزور أخته ، ماذا قدم لك زوجكِ في العيد ؟ يزهدها بزوجها ، يظهر لها زوجها أنه إنسان فقير ، لا يحبها ، أفسد العلاقة بين شخصين ، أنت قبل أن تقول كلمة فكِّر في عاقبتها ، هناك كلمة فيها استعلاء ، يقول : كسرت خاطره ، أو كسر خاطري ، هناك كلمة فيها كبر ، وكلمة فيها فخر ، وكلمة فيها شرك ، وكلمة فيها اعتداد ، وكلمة فيها استعلاء ، فكل هذه الكلمات كلمات خبيثة ، أما الكلمة الطيبة ففيها تواضع ، فيها إرضاء للإنسان ، ترضيه عن حياته ، ترضيه عن ربه ، تسورة المائدة : 32رضيه عن دينه ، دقق في
قوله تعالى :

(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ)

[سورة النحل : 32]

آيات كثيرة جداً ، أحاديث كثيرة جداً وردت فيها كلمة طيب،
قال تعالى :

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ)

[سورة إبراهيم : 24-25]

أنت تعرف أنك يمكن أن تتكلم بكلمة في مجلس ، في عقد قران ، في احتفال ، في زيارة ، في عيادة مريض، في مناسبة حزن ، تتكلم كلمة صادقة من قلبك ، تحرك بها مشاعر الناس ، ترشدهم إلى ربهم ، تعيدهم إليه، تحملهم على التوبة ، تحببهم في الآخرة ، تدعوهم إلى الاستقامة ، فإذا استقام أحدهم ، ودعا أهله إلى الاستقامة، ومن حوله فهذه الكلمة الطيبة أصبحت شجرة طيبة ، أصلها ثابت ، وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين، لا أحب أن أشبه هذا بهذا ، ولكن كمثال توضيحي أحيانا الإنسان يكون وكيل شركة ، جالسًا مرتاحًا ، تأتيه رسالة : أن فلانًا جاءنا من البلد الفلاني ، واشترى بمبلغ كذا ، لك منه مبلغ ثلاثين ألفًا مثلاً ، قيدناها في حسابك ، بعد ثلاثة أيام رسالة ثانية في الجهة الفلانية ، اشترت ، قيدنا في حسابك كذا ، وهو مرتاح تأتيه الأموال من كل جانب، كذلك المؤمن تكلم كلمة طيبة،
قال تعالى :

(وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)

[سورة المائدة : 32]

أحييت أسرة ، أنت اعتنيت بها ، أكرمتها ، أعنتها ، وجهتها ، أصبحت هذه الأسرة ناجحة ، الآن الجيران أخذوا عنها ، زملاء العمل ، الأولاد ، الأقارب ، الأصهار ، من هذه الكلمة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء،

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ)

[سورة إبراهيم : 24-25]

(وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ)

[سورة إبراهيم : 26]

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا

[مسلم ، الترمذي ، ابن ماجه ، النسائي ، احمد ، الدارمي]

قال تعالى :

(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)

[سورة فاطر : 10]

لأن العمل الصالح يرفعه ، كلام طيب مدعوم بعمل صالح ، العمل الصالح والكلام الطيب رُفع إلى الله عز وجل ، آية أخرى ، النبي عليه الصلاة والسلام في القرآن الكريم وُصِف بأنه :

(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)

[سورة الأعراف : 157]

دقق ، ما حرم النبي عليه الصلاة والسلام إلا بوحي عن ربه ، ماذا حرم ؟ الخبائث ، حرم القاذورات ، حرم الزنا ، حرم الخمر ، لحم الخنزير ، الغيبة ، الغيبة تفتت المجتمع ، النميمة تقطع الناس ، تقطع الأوصال ، حرم قول الزور ، حرم شهادة الزور ، حرم عقوق الوالدين ، حرم أكل الربا ، حرم إساءة الجوار ، ماذا حرم ؟ حرم الخبائث ، ما أحل ؟ أحل الطيبات ، هذا هو الدين .
المؤمنون بماذا وصفوا إذا جاءهم ملك الموت ؟

(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ)

[سورة النحل : 32]

طيب ، طاهر ، دخله حلال ، إنفاقه حلال ، عباداته صحيحة ، أحواله طيبة ، ثقته بالله كبيرة ، استقامته تامة ، مات طيباً ، الملائكة إذا خاطبوا أهل الجنة ماذا يقولون ؟

(سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ)

[سورة الزمر : 73]

المؤمن إذا زار أخاه ماذا تقول له الملائكة ؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

مَنْ عَادَ مَرِيضًا ، أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ : أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ ، وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا

[الترمذي ، ابن ماجه ]

الكلام دقيق ، إذا زرت أخاك المؤمن ، وصلته ، أكرمته بزيارة ، تفقدت أحواله ، عدته إذا مرض ، أعنته إذا افتقر ، سألت عنه إذا غاب ، أنت إذا زرته تقول الملائكة لهذا المؤمن : طِبْتَ ، وَطَابَ مَمْشَاكَ ، وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا ، عمل عظيم ، أما الذي يأمر بالقطيعة بين المؤمنين فهذا مخالف لما أمر الله به .
المؤمن في النهاية كله طيب ، لسانه طيب ، قلبه طيب ، جسده طيب ، الإيمان طهر قلبه ، وذكر الله طهر لسانه ، اجلس مع مؤمن خمس ساعات ، اسمع منه كلاماً طيباً ، مزاح بريء لطيف ، حديث في أمر الدنيا، ضمن عمله ، كلامه طيب ، اجلس مع فاسق ، كل مزحة فيها غش ، يمزح مزاح الوقح ، يحمر وجهه خجلاً، مزاحه ساقط ، حديثه عن النساء ، كلماته في العورات ، له موقف معلن ، وموقف مبطن ، منافق ، مزدوج ، يقيس الناس بمقياسين ، خبيث ، نجس ، وليته نجس ، بل نَجَسْ ، لو قلنا نجس يطهر ، ليته نجس ، إنه نجَس ، والدليل
قال تعالى :

(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)

[سورة التوبة : 28]

عين النجاسة ، إن شاركته يحرجك ، إن سهرت معه يحرجك،

وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ

إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ، بعض الناس أول كلمة يقولونها إذا أمرتهم بالطاعة : أنا لست نبيًّا ، من قال لك : إنك نبي ؟ أنت لست نبياً ، وأنت مأمور بما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام .
توضيح ذلك ، أعلى طبيب في العالم ، جراح قلب ، إذا أراد أن يعطي مريضًا حقنة فلابد من تعقيمها، وتعقيم الزجاجة ، وتعقيم الإبرة ، وتعقيم مكان ضرب الإبرة ، لو كلفنا أقل ممرض في الأرض أن يعطي حقنة لمريض يجب أن يفعل ما فعله أعلى طبيب ، هذه قواعد أساسية ، أنت أودع الله فيك الشهوات ، فإذا عصيت الله عز وجل فقد زلت قدمك ،
مستودع له قعر ، إذا بالقعر هناك ثقب ، بأي مكان ، بأي زمان ، عند أي إنسان هذه المادة الثمينة تتسرب من هذا الثقب ، مستودع الوقود السائل ، الوقود غال جداً ، أخي أنا شخص جئت في زمان متأخر ، يمكن أن يكون عندي بالقعر عدد من الثقوب ، لن يبقى عندك في المستودع شيء ، مستودع لوقود سائل لابد من أن يكون محكماً عند غني ، عند فقير ، عند عالم ، عند جاهل ، عند إنسان قديم ، حديث ، بقرية ، بمدينة ، أينما كان ، حتى يبقى هذا الوقود السائل طوال السنة في المستودع تستخدمه ، دفعت ثمنه مبلغاً باهظاً ، لابد من أن يكون المستودع محكماً ، هذا المستودع لو كان عند طبيب لا بأس ، ولو وجد ثقباً لا بأس ؟ كلا ، عند طبيب ، وعند ممرض، وعند عالم ، وعند عالم ، وعند جاهل ، وعند غني ، وعند فقير ، وعند قروي ، وعند مدني ، قديماً وحديثاً ، المواد السائلة لا تبقى في مستودع مثقوب ، انتهى الأمر ، ليس لها علاقة بنبي أو غير نبي ، أمور الشرع لا يوجد بها حل وسط ، أمور حدية : إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين .
سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام قال :

(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ)

[سورة يوسف : الآية 33]

أنت تغض البصر ، والنبي يغض البصر عليه الصلاة والسلام ، لما جاءت بنت سيدنا شعيب تروي كتب التاريخ أن سيدنا موسى أطرق رأسه في الأرض ، لماذا قالت :

(يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)

[سورة القصص : الآية 26]

رأته أميناً على عرضها ، لم ينظر إليها .
لا يضع نفسه في موضع فيه شبه ، هذا شأن المؤمن مع النساء ، طيب ، عفيف ، طاهر ، نظيف ، نقي،
قال : يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال :يا داود أحب العباد إلي تقي القلب ، نقي اليدين
دخله حلال ، حياته واضحة ، ليس عنده احتيال ، مواقف معلنة ، ومواقف مبطنة ، شيء يقال ، شيء لا يقال ، يعمل تحت ضوء الشمس ، ليس عنده سر ، ما في قلبه على لسانة ، ما يقوله في قلبه
قال عليه الصلاة والسلام

قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ ….

[أحمد ، الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجه ، الدارمي]

المؤمن نظيف ، دخله نظيف ، مزاحه نظيف ، عمله نظيف ، مخّه نظيف ، أخلاقه نظيفة ، علاقاته نظيفة، ليس عنده علاقات مشبوهة ، الحلال حلال ، والحرام حرام ، ليس عنده شيء معلن وشيء مبطن، الأخت أخت، الأم أم ، الزوجة زوجة ، الحلال حلال ، والحرام حرام .
وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ، كل من يقول : أنا لست نبيًّا ، من قال لك : إنك نبي ، وهل ترقى إلى مستوى لا يعدل واحدًا بالمليار من نبي ؟ لا ترقى إلى ذلك ، ومع ذلك حفاظاً على سلامة دينك ، حفاظاً على سعادتك ، حفاظاً على طهرك لابد أن تفعل ما أمر به النبي ، والدليل : هل عندنا دليل من القرآن الكريم أن المؤمنين مأمورون أن يفعلوا ما أمر به المرسلون ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ
هل هناك دليل قرآني ؟ قال تعالى :

(قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)

[سورة الأنعام : الآية 15]

دليل آخر ، قال تعالى :

(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ)

[سورة هود : الآية 112]

أنت أيها النبي مأمور أن تستقيم ومن تاب معك ، المؤمنون مأمورون مثلك ، أن تستقيم .
مثل للتوضيح ليس غير ، في علم الهندسة من أجل أن تشيد بناء في عشرة طوابق لابد من دعائم بحجم معين ، وحديد بكميات معينة ، وبسماكات معينة ، وبأشكال معينة ، وبطبيعة معينة ، لو فرضنا أنك قلت له : أنا عوض ثمانية ميليمترات ضع أربعة ، لا يقبل ، يقع البناء ، قضية علم ، ليس هنا مجاملات ، ولا تقل : أنا ليس معي مال ، لا تعمر بناء ، البناء يحتاج بالمتر مكعب سبعة أكياس إسمنت ، يحتاج ثمانية ملم حديد بكل متر مكعب ، عشر قضبان ، فقير ، غني ، معك مال ، ليس معك ، تترجاه ، ابن عمك ، قريب ، هنا قضية علم ، إن لم تفهم أوامر الدين كأنها كقواعد البناء فأنت لست فقيهاً في الدين .
كنت أضرب مثلا ، واحد مشى في حقل ، إذا بلوحة كتب عليها : انتبه ، حقل ألغام ، يشعر بامتنان من الدولة التي نبهت المواطنين ، أم يشعر أن حريته قد كبتت بهذا الإعلان ؟ إذا شعر أن حريته قد كبتت بهذا الإعلان فهو جاهل ، أما إذا شعر بامتنان لمن وضع هذه اللوحة التي تحفظ له حياته ، وتنبهه أن هذا الحقل حقل ألغام فهو ذو فهم وذكاء ، دع حقل الألغام ، إذا كان ثمة خط توتر عال يقول لك : خطر الموت ، لا تقترب ، ألا تشعر بامتنان لمن وضع هذه اللوحة ؟ هكذا الدين ، الدين ليس قيوداً لحريتك ، بل هو ضمان لسلامتك ، هذه حقيقة الدين ، ليس قيداً لحريتك ، بل هو ضمان لسلامتك .
فالمؤمن مطالب أن يستقيم كما يستقيم النبي عليه الصلاة والسلام ، هذه حدود ، وليست قيود .

قام سعد بن أبي وقاص مرةً وقال : يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة ،

فقال النبي عليه الصلاة والسلام :

يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة. والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عمل أربعين يوماً ، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به

[الطبراني في الأوسط عن سعد]

السحت هو المال الحرام ، اجعل دخلك حلالاً ، أتقن العمل ، أنت تناولت أجرًا عن هذا العمل ، أجرًا بمستوى الجيد ، قدمت مستوى سيئا ، بعته بضاعة على أنها من الطبقة الأولى ، هي من الطبقة الثالثة ، هو دفع ثمن درجة أولى ، قبض ثمن درجة ثالثة ، صار الدخل حرامًا بالتدليس ، صار حرامًا بالكذب ، صار حرامًا بالغش ، صار حرامًا بتأخير التسليم، صار حرامًا ، عطلته بالإيهام ، صار حرامًا بالاحتكار ، صار حرامًا ، ليس معنى هذا أن الحرام سرقة مالٍ ، هذا شيء نادر جداً ، السرقة لما الإنسان يبتز أموال الناس يأكل أموالهم بالباطل ، يأكل أموال الناس بالباطل ، فهذا الدخل حرام ، وإذا كان الدخل حراماً فالاستجابة لا تكون ، ما من إنسان إلا وهو محتاج إلى الله عز وجل ، أحيانا يشعر بنغزة في قلبه ، يقول لك : البول قلّ ، تكون الكلية متراجعة ، هناك مليون خطر يهدد حياة الإنسان ، والله أكثر من مليون ، في الأعصاب ، في الأوردة ، في الرئة ، في الكليتين ، بالعظام ، بالغدد الصماء ، شيء كثير ، مليون خطر يهدد حياة الإنسان ، يهدد صحته ، مليون خطر يهدد صحة زوجته ، مليون خطر صحة أولاده ، ممكن لطفل أن يمرض مرضًا تدفع له مليوني ليرة ، ويموت بعد هذا ، ما مات رأساً ، أخذ منك كل مالك قبل أن يموت ، مليون خطر ينتظر الإنسان ، هو يحتاج أن يدعو ، يا رب اشف لي ابني .
أتحب أن تكون مستجاب الدعوة ؟ إذاً أطب مطعمك ، أتقن عملك ، اجعل دخلك حلالاً ، تقصَّ أن تأكل مالاً حلالاً ، وأن يدخل في بطنك طعام حلال،
ملخص الملخص أقول : هان الله عليهم حينما عصوه ، فهانوا على الله حين ضيق عليهم .
قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم :

مَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَفِيهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً مَادَامَ عَلَيْهِ

[أحمد]

صلاته مرفوضة ما كان عليه هذا الثوب،
قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم :

إذا خرج الرجل حاجاً بنفقة طيبة ، ووضع رجله في الغرز فنادى : لبيك اللهم لبيك ، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك ، وزادك حلال ، وراحلتك حلال ، وحجك مبرور ، وسعيك مشكور ، وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة ، فوضع رجله في الغرز فنادى : لبيك اللهم لبيك ، ناداه مناد في السماء : لا لبيك ، ولا سعديك، زادك حرام ، ونفقتك حرام ، وحجك غير مبرور .

قضية هذا الدين ، الدين استقامة ، الدين طاعة لله عز وجل ، الدين طهر ، الدين نظافة ، الدين طيب، الدين حلال ، هذا هو الدين.
أيضاً لا تقبل صلاة المرأة التي زوجها ساخط عليها ، يقول لك : عشت معها ثلاثين سنة ، ما نمت يومًا واحدًا مسرورًا منها ، وتصلي ، أي صلاة هذه ؟ هذه أوراد شيطانية .
لا تقبل صلاة من أتى كاهناً فصدقه ، ولا من شرب خمراً ، لا تقبل لهؤلاء أربعين يوماً .
لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)

[سورة المائدة : الآية 27]

قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ

[مسلم ، الترمذي ، أحمد ، ابن ماجه]

المال الذي أكلته حرامًا اسمه غلول ، هذا المال لا يقبل إذا تصدقت به .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ

[متفق عليه]

إذا تصدقت بمال حلال أخذها الرحمن بيمينه،
لهذا قال عليه الصلاة والسلام :

إن الصدقة لتقع في يد الرب قبل أن تقع في يد المسكين

[تفسير القرطبي (8/251)]

الآن ، لا يكتسب عبد مالاً من حرام ، إذا أنفقه على نفسه غير مقبول ، تصدق به غير مقبول ، تركه بلا صدقة كان زاده إلى النار .
لأن الله لا يمحو السيئة بالسيئ ، ولكن يمحو السيئة بالحسنة ، إن الخبيث لا يمحو السيئ .
من أصاب مالاً من مأثم ، فوصل به رحمه ، وتصدق به ، أو أنفقه في سبيل الله جمع ذلك جميعاً ، ثم قذف به في نار جهنم .
كل الأعمال الصالحة إن كان مالها حراماً فهذا غير مقبول .
الآن التفتوا إلى أعمالكم ، فحرروا الدخل ، مواعيد العمل ، نوع البضاعة ، إخفاء العيوب ، لا تخفِ عيب البضاعة ، ليكن دخلك حلالاً ، لا تدلس ، لا توهم ، لا تحتكر ، لا تعلن عن نوع وتبيع نوعًا أقل جودة ، لا تعلن عن مصدر وتبيع مصدرًا أقل جودة ، لا تعلن عن عدد وتبيع أقل عدد ، هذا كله يدخل في الكسب الحرام ، ومن كانت لقمته من حرام لم يستجب له .
هذا هو الدين ، الدين أن تكون صادقاً في عملك ، متقناً له ، ليكون دخلك حلالاً ، لتأكل حلالاً ، لتدعو الله عز وجل فيستجيب لك .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: شرح الحديث الشريف – أحاديث متفرقة – الدرس (039 – 127 ) : إن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-10-06| المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس