التاجر الأمين الصدوق

بسم الله الرحمن الرحيم

التاجر الأمين الصدوق :

قال صلى الله عليه وسلم:

التَّاجِرُ الأمينُ الصَّدُوقُ مع النَّبيِّينَ والصِّدِّيقين والشُّهداء

[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري]

هذا لأنَّه داعِيَة من نوعٍ معيَّن، داعِيَة بِعَمَلِهِ، بعض التجار حلَّلوا كلمة تاجر فقالوا: التاء تعني تقوى، والألف أمين، والجيم جسور، والراء رحيم، تقيّ أمين جسور رحيم، فالنبي الكريم قال : التاجر الأمين، الصَّدوق المسلم يمكن أن يكون غير مسلم، وهدفه من ترخيص الأسعار، ومن معاملته الطّيّبة كسْب زبائن أكثر، هدفه مادّي بحت، وليس له هدف إظهار الإسلام على حقيقته، فإندونيسيا بلد فيه مئات الملايين، اهْتدَى عن طريق التُّجار، إذا باعك التاجر بضاعة ممتازة، مع لُطف، ومودَّة ثمّ ندمْت عليها فأرْجعها لك، دون أي مشاكل، تحسّ أنَّك مدين له بالفضل، وتحسُّه إنساناً عظيماً، فالتاجر الصدوق مع النَّبيِّين يوم القيامة، التاجر الأمين الصدوق المسلم، أقول لكم هذه الكلمة وأنا أعْني ما أقول : إذا أنت ابْتغَيْت من تجارتك إرْضاء الله عز وجل، وكانت عندك ضوابط شَخصيَّة، أنَّ هذه غالِيَة، وأنا إذا بعت هذا المشتري بهذا السِّعر كان هذا نوعًا من أنواع الغدْر، إذا كنت تخاف الله في تجارتك، فلن يُخيفَكَ أحد من خلقه، أي هناك مصادر الخوف والقلق بالتجارة كبيرة جدًّا، أدنى غلطة فيها سِجْن، إن كنت تخاف الله في تجارتك فالله سبحانه وتعالى أكرمُ من أن يُخيفك أحد من خلقه، مَنْ أصْلحَ فيما بينه وبين الله أصْلحَ الله فيما بينه وبين الناس، من أصْلحَ سريرتهُ أصْلح الله علانِيَّتَهُ، إنّ أطْيَب الكسْب كسْب التُّجار الذين إذا حدَّثوا لم يكذبوا، وإذا وعدُوا لمْ يخلِفوا، وإذا ائْتمِنُوا لمْ يخونوا، وإذا باعوا لمْ يطروا، وإذا اشْتروا لمْ يذمُّوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يُعسِّروا، إذا ابْتغَيْتَ رضاء الله في تجارتك فلن يُخيفك من أحد، لأنّ الأمر كلّه لله، قال تعالى :

(وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ)

[سورة هود: 123]

أما إذا رأيتَ زبونًا غشيمًا وخنتهُ، تقول : عرفْت كيف أبيعه ! ألْبسته البضاعة !! قال عليه الصلاة والسلام :

غَبن المسترسل ربا

[الجامع الصغير عن جابر وعلي]

هذا أخذت منه ثماني عشرة ليرة، وذاك باثنتي عشرة ليرة أخرى، تدفعهم خمسمئة حتى لا تذهب السِّجن ! أما الإنسان الذي يتَّقي الله عز وجل فلن يقع في مشاكل أبداً، لا إله إلا الله، هذا هو التوحيد، هذا الشخص الذي أخاف منه بيَدِ الله تعالى، فالإنسان الذي يغسل يديه جيِّدًا لا يدور الذباب أمامه ! الإنسان عليه أن يُحسنَ صلته بالله عز وجل، والله عز وجل لن يُسْلمَهُ إلى أحد من خلقه، ولن يجعل أحدًا من خلقه يتحكَّم به، القرآن الكريم لا يوجد فيه حلّ وسط ؛ إما أن تصدِّقهُ، أو لا تُسمّ نفسك مؤمنًا، قال تعالى :

(وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)

[سورة النساء: 141]

المؤمن لا يوجد لأحد عليه سبيل أبدًا، علاقته مع الله تعالى مباشرةً، أحيانًا شخص علاقته مباشرة مع رئيس الوزراء، لا يستطيع الوزير أن يكلّمه ولا كلمة، أما المؤمن فَمُرتبِطٌ مباشرةً بالله عز وجل، ولا يستطيع أحدٌ من خلقه أن يوقِع به أذًى إلا بإذن الله، قال تعالى :

(وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً)

[سورة الأنعام: 80]

قال تعالى :

وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ

[سورة الأنعام: 81-82]

لا تشتك، يقول لك : ما دريْتُ ! التسعيرة انقلبَت هكذا وألزموني ضبطًا !! ولكن كم من زبون أخذت منهم زيادة وشعرت أنّهم بحاجة لبِضاعتك فرفعْت السِّعر ؟ قلتُ لكم مرَّةً قصّة وهي طرفة : شوحةٌ سألَت سيّدنا سليمان : سلْ لنا ربّك عجول أم مهول ؟ فقال له : يا رب سألتني أعَجول أنت أم مهول ؟ قال له : قلْ لها إنّي مهول، فاطمأنَّتْ، فوجَدَت أناسًا يشترون لحمًا فخَطَفتْ اللَّحْم، وهربَت، علقت باللحمات نار، وضعتهم بعشّ أولادها فاحترق العشّ كلّه ! اسْتَغربَت ألم يقل إنَّه مهول ؟ إنَّه بهذا عجول ! فعادَت إلى سيّدنا سليمان : ألم تقل إنّه مهول لقد كان عجولاً ! فسأل سليمان ربّه : قال له الله تعالى : هذا حسابٌ قديم !! فالله تعالى عندهُ حسابات قديمة، والله الحساب عنده جارٍ، يمكن أن يكون هذا الإنسان تضايَق ظلمًا، لكن أنت لك مخالفة بالبيت، بالسهرة، فالله تعالى الحساب عنده مشترك، ما تفعلهُ من آثام في البيت تحاسب عليه في محلّك التّجاري غدًا، فهذه تدفعها هنا، من دون ارتكاب لخطأ، وعند الله كلّ شيء مسجَّل، فالإنسان لا يقلْ أنا لم أفعَل شيئًا، الله سبحانه وتعالى أصْدق :

لو أنّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم

[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري]

والله هذه الكلمات تكتب بماء الذَّهَب، اتركها في بالك ؛ ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه، لا تقل ما هذا الظُّلْم ؟ الله عز جل لا يحتاج إلى أحد لأنَّه عظيم وقويّ وقدير وغنيّ .

التَّاجِرُ الأمينُ الصَّدُوقُ مع النَّبيِّينَ والصِّدِّيقين والشُّهداء

[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري]

و :

التاجر الصدوق لا يُحْجَب من أبواب الجنَّة

[ابن النجار عن ابن عباس]

و :

التاجر الصدوق تحت ظلّ العرش يوم القيامة

[الديلمي عن أنس]

هذه كلّها أحاديث تؤكِّد أنَّك إن ابْتَغَيْت بِتِجارتِكَ قضاء حوائج المسلمين، هم ماذا يفعلون ؟ لمَّا يجد البضاعة موفورة يبيعها بسِعْرها المعقول، لمّا تنفقد حينها يضرب ضربته، أما هذا الشاري فمسكين أو غير مسكين، معه أو ليس معه، أخذه من قوت أولاده أم لا، إذا لم يعجبْك لا تشتري!! انظر السوق وسترى! فإذا به يرجع إليه لأنَّ تلك البضاعة غير موجودة بالسوق، فلمَّا يكون التَّجبّر على الزبائن، حينها يبعث الله تعالى زبائنه كذلك، وهم زبائن الدنيا وليس الآخرة، هنا زبائن الدنيا وهم كُثُر، يبعث لك أحدهم حينها تصبح تترجَّى .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
الفقه الإسلامي – موضوعات متفرقة – الدرس 16 : تتمة صفات المتعلم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-01-27 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس