طلب العلم فريضة

بسم الله الرحمن الرحيم

طلب العلم فريضة:

روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال :

طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ…

[ابن ماجه عن أنس بن مالك]

دائماً افهم المعنى اللغوي للكلمات. أنا أقول لك : تنفُّس الهواء فريضة. هل فهمت معنى الفريضة ؟ تنفّس الهواء فريضة، شُرب الماء فريضة، أكل الكرز ليس فريضة. فما معنى أكل الكرز ليس بفريضة ؟ تعيش من غيره ولا يحدث شيء، ولا نشتريه إذا كان غالي الثمن، أما تنفس الهواء ففريضة، تناول الطعام فريضة، شُرب الماء فريضة، قال عليه الصلاة والسلام :

طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ…

أي من دون هواء يموت الإنسان، من دون ماء يموت، من دون طعام يموت، من دون علم تموت نفسه، قال تعالى :

(أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ)

[سورة النحل 21]

ميِّت لا يفهم شيئاً، واقع بالحرام، ماله حرام، مُنحرف، بيته مسيَّب، زوجته تقوده إلى جهنم، تجارته تقوده إلى جهنم، يدخل جهنم من أبوابها كلها، فجهنم لها سبعة أبواب، يقول لك : ماذا ينقصني ؟ أنا مؤمن أكثر منك ؟! لأنه لم يحضر مجلس علم.
أحدهم ذكر لي بالغرفة بعد الخطبة قصة من ثماني سنوات وصار يبكي، قال لي موضوعي كبيرة جداً. ما قصتك قل لي خير إن شاء الله ؟ إذا كان الرجل يبكي فليس هذا الشيء سهلاً، أنت تقبل بكاء طفل، قد يكون زعبرة، تقبل بكاء امرأة ؛ المرأة تبكي وتبقى مكانتها هي هي، أما إذا كان الرجل بكى !! طبعاً بكاء العاشقين هذا لوحده، هذا يرقى لأعلى عليين، دعونا من بكاء العاشقين فهذا نادر الآن، أما رجل يبكي لأمور الدنيا، فما القصة ؟
قال لي : عندي زوجة، وأنا لا أعرف، عندنا جار صار يدخل لعندنا أكثر من سنتين، وأنا أحضر من عملي، وآكل الأكل المعد لي، وأغط في النوم، مرة الكأس لم أشربه، ودخل جارنا لعندنا، وعندي منها خمسة أولاد، وهي تخونه من سنتين، كل يوم، كل يوم وهي تسقيه مادة مخدرة.
ـ قلت له : من أين تعرفت على جارك هذا ؟
ـ قال : والله أنا أدخلته إلى البيت، قلت له مرة : تفضل لعندنا، أم فلان هذا مثل أخيك تعالِي.
مثل أخيها، هو أمرها لكي تسهر معهم، هذا لو كان حاضراً مجلس علم هل يفعلها ؟ لا، لا يفعلها، هذه بالعلاقات الاجتماعية.
بالتجارة، كل غلطة يرتكبها التاجر يفلِّس من ورائها، يكون عمله غير شرعي، أحدهم أخذ له كذا مليون، ضرب أخماس بأسداس، يأخذ قرضاً بفائدة، يشتري بضاعة، يأخذ رعبونها، ويبيعها، يربح مليونين أو ثلاثة. لكن الله قال :

(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا)

[سورة البقرة: 276]

وقال :

(فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)

[سورة البقرة: 279]

باع سيارته، وباع أول بيت بالمَيْسات، وباع البيت الثاني، وبقي عليه خمسة ملايين وهو مفلِّس، وباع معمله كذلك، اقترض خمسة عشر مليوناً كي يربحوا خمسة ملايين، فبيعوه المعمل والبيتين والسيارة ومازال عليه خمسة ملايين. هذا لو كان حاضر مجلس علم كان حصل معه ذلك ؟ لا لم يحصل هكذا.
أحدهم أتى من الكويت معه نقود يريد شراء بيت ثمنه مئة ألف، أعطاهم لشخص قال له : دعهم معك. أعطاهم لعمه والد زوجته، هذا عمه لا يوجد عنده دين، أخذهم ووضعهم بالبنك باسمه. أين النقود ؟ ليس لك عندي شيء، هذه ضمانة للمرأة. أنتم أخذتم متأخر ومهر وكل شيء. لا. فهل كتب لك إيصال بذلك ؟

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)

[سورة البقرة: 282]

و هناك شخص آخر اتفق هو و شريكه على صفقة بعشرة آلاف، أخذوها شراكة بينهم، صار ثمنها ستمئة ألف، قال له : ليس لك عندي شيء خذ هذه عشرة آلاف. لم يكتبوها، هذا العقد لم يكتبوه لو كان حاضر مجلس علم هل صار معه ذلك ؟
أنا أسمع فجائع، أسمع مصائب كبرى بسبب الجهل، فطلب العلم سُنّةٌ أم فريضة؟ فريضة. ليس لك خيار، إيَّاك أن تظن أنك صاحب مصلحة لماذا أكون عالماً ؟ هذا العلم فرض عين على الناس، طبيب، مهندس، صاحب مصلحة، نجَّار، لحَّام، هذا فرض عين على كل إنسان.

العلوم بعضها فرض عين و بعضها فرض كفاية :

قال صلى الله عليه وسلم:

طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ

[ابن ماجه عن أنس بن مالك]

اختلف الناس في هذا العلم، بعضهم قال : علم الفقه، إذ به يعرف الحلال والحرام، هذا الكلام فيه شيء من الصحة، وليس فيه الصحة كلها.
وبعضهم قال : علم الكتاب والسنة إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها. وبعضهم قال والصوفية قالت : علم الإخلاص وآفات النفوس.
والفلاسفة قالت : علم الفلسفة.
الفلاسفة قالوا : الفلسفة. الصوفيون : علم الإخلاص. المفسرون : علم الكتاب. الفقهاء : الفقه. المحدثون : علم الحديث. صار هناك اختلافاً، كل هذه الأقوال صحيحة جزئياً، والصحة المطلقة أن تأخذ بها جميعاً لأنها علوم يُكّمِّلُ بعضها بعضاً.
فإذا الإنسان أمضى كل حياته بفهم أوسع كتاب بالفقه، وما عمل عملاً صالحاً، وما تعرف إلى الله عز وجل، وما استقام على أمره، هل أفلح ؟ لا لم يفلح. هذا الكلام فيه جزء من الصحة وليس الصحة كلها.
لكن الإمام الغزالي يقول :

والصحيح أنه علم معاملة العبد لربه. العلم المُجدي زائد مجموعة أعمال تقوم بها كل يوم، زائد مجموعة أعمال تنتهي عنها كل يوم. فإذا فعلت ذلك فقد نجحت وأفلحت

هذه العلوم فرض عين كما أقول لكم، لا أحد يقول : أنا معفى منها، فرض عين. أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام علوم الدنيا، كالطب، الطب فرض كفاية، فإذا لم يتعلم المسلمون الطب أثموا جميعاً، فإذا تعلم الطب بعضهم رفع عنهم الإثم هذا معنى فرض كفاية.
والحساب، فهذه العلوم لو خلا بلدٌ ممن يقوم بها لأثم أهل البلد كلهم، وإذا قام بها واحدٌ كفى وسقط الفرض عن الباقين، أما التعميق في دقائق الحساب ودقائق الطب وغير ذلك فهذا يعد فضلاً لأنه يستغنى عنه.
طبعاً هناك تعليق على هذا الكلام، الآن لا بد من التعمُّق، كان فيما مضى يستغنى عن التعمُّق، الآن الأمور معقدة جداً لا بد من أن تتعمق، صار التعمق بهذا العلوم يجب أن يكون فرض كفاية.
العلم قد يكون مباحاً كالعلم بالأسعار التي لا تخفى فيها، وتواريخ الأخبار، علم التاريخ مباح، علم الجغرافية مباح، الأدب العربي غير السخيف غير الساقط مباح تعلُّمه، وقد يكون بعضها مذموماً كعلم السحر والطلسمات والتلبيسات، أما العلوم الشرعية فمحمودةٌ كلُّها وتنقسم إلى أصولٍ وفروعٍ ومقدِّماتٍ ومتممات، فالأصول كتاب الله تعالى، كتاب الحياة، هذا كتابك المقرر طوال الحياة، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والله الذي لا إله إلا هو، آية تقرأها ألف مرة لا تحس إلا أنها جديدة، وكل مرة الله عز وجل يكشف لك طرفاً من معناها.

العلوم الشرعية كلها محمودة وتنقسم إلى أصولٍ وفروعٍ :

لذلك العلوم الشرعية كلها محمودة، وتنقسم إلى : أصولٍ وفروعٍ، ومقدماتٍ ومتممات. فالأصول كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. والفروع ما فهم من هذه الأصول من معانٍ تنبَّهت لها العقول حتى فهم من اللفظ الملفوظ وغيره، كما فهم من قوله صلى الله عليه وسلم:

لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ

[ابن ماجه عن بكرة عن أبيه]

بعض العلماء استنبط من القول : لا يقضي القاضِ وهو جائع كذلك، لأن أثر الغضب مشابه لأثر الجوع، إذا إنسان جائع ولم يأكل صباحاً، ويريد أن يفصل القضية الساعة الثانية، لم يعد يدقق بالدعوى نرفز من أحد المدعيين، إذاً استنباط.
والمقدمات هي التي تجرى مجرى الآلات، كعلم النحو، والصرف، واللغة، فإنها آلات تعد كالمُقدمات لفهم كتاب الله، ومتممات كعلم القراءات، وتجويد قراءة القرآن، ومخارج الحروف، والعلم بأسماء رجال الحديث وعدالتهم وأحوالهم فهذه علوم متممات.
عندنا أصول؛ كتاب الله وسنة رسوله. عندنا فروع ؛ ما فهم من كتاب الله. عندنا مقدمات؛ كعلم اللغة والنحو والصرف. عندنا متممات؛ كعلم القراءات والتجويد ومخارج الحروف وما شاكل ذلك، هذه علوم شرعية كلها.
قال صلى الله عليه وسلم:

خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ

[البخاري عن عثمان]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
الفقه الإسلامي – موضوعات متفرقة – الدرس 08 : طلب العلم فريضة على كل مسلم.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-10-28 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس