مراتب العلوم

بسم الله الرحمن الرحيم

مراتب العلوم :

الإمام الغزالي رضي الله عنه يُقسِّم العلوم إلى ثلاث مراتب، مثلاً إنسان يريد الذهاب إلى الحج، فإعداد الراحلة والزاد هذه مرحلة من مراحل الحجّ، سلوك طريق الحجّ، وتحمّل المشاق، والصعود والهبوط والسَّفر هذه مرحلة ثانيَة، والوُصول إلى الحرم المكيّ والطَّواف والسَّعي هذه مرحلة ثالثة، فقال :

هناك علوم تُشبهُ الإعداد للزاد والراحلة، وما شاكل ذلك، وهذه علوم المقدّمات

تعلّم اللّغة – نحو، صرف، تجويد – وتعلّم كيف يعتني بصحَّته، العلوم الماديّة لها علاقة بهذا الموضوع، وأما إذا سلكَ إلى الحجّ أيْ بدأ يتعرّف إلى الله عز وجل فإذا جاء ملك الموت وصلَ إلى السعادة الكبرى، أي العلوم على ثلاث مراتب :

علوم إعداد، وعلوم سلوك، وعلوم وصول

معرفة الله عز وجل تقعُ في قمَّة هذه العلوم، وقد تتعرّف إلى بعض القوانين في هذه الحياة عن طريق القوانين المادّيَّة، وقد تتعرَّف إلى قواعد السلوك إلى الله عن طريق العلوم الدِّينيَّة، فإذا عرفْت الله عز وجل، وأقْبلْت عليه وصلْت إلى قمَّة السعادة، على كلٍّ لا يعرف الشوق إلا من يكابده، ولا الصَّبابة إلا من يُعانيها، إذا سافر إنسان إلى مدينة بعيدة بِسَيَّارته، تواجههُ عقبات، ومشكلات، ومناظر جميلة، طرق خطرة، وأماكن وعِرَة، طرق ضيّقة وأخرى واسعة، فأنت إذا سألت واحدًا قد سلك تلك الطريق، تجد عنده أشياء كثيرة جدًّا، وخبرات، يفصِّلها لك بكلّ تفصيل، أما إذا الإنسان غير سالك كيف الطريق من دمشق إلى بيروت ؟ يقول لك : لا يوجد شيء رأسًا إلى بيروت، كيف رأسًا إلى بيروت ؟ ألا يوجد وقوف ؟ يقول لك : لا يوجد وقوف، معنى هذا هو لم يسلك الطريق، لأنَّه لو سلكهُ لقال لك عن الطريق أشياء كثيرة، وقفات على الحدود، وبطاقة حمراء وبطاقة بيضاء، ونقاط مراقبة، ونقاط تفتيش، أشياء كثيرة، وطريق صاعد، وطريق هابط مكان سهل، فالذي سلك يصف لك كلّ شيء، إذا الواحد ما سلك يقول لك: رأسًا تكون ببيْروت، فكذلك إذا كان للإنسان خبرة في طريق الإيمان الحقيقي تجد عنده تفصيلات كثيرة، وخبرات، وعقبات، ووسائل معينة، ويحذرك من أشياء، ويأمرك بأشياء، فالإنسان كما قال سيّدنا عمر يخاطب ابن عمر:

دينَكَ دينَكَ إنَّهُ لحْمكَ ودمك، خُذْ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا

أحدهم أراد أن ينصح تلاميذه فقال : قلِّلوا من المعاصي قدْر الإمكان، هذا كلام كلّه جهل، إذا كان هناك معاص يقيم عليها الإنسان فالطريق مسدود إلى الله تعالى، هنا لا يوجد حلّ وسَط، ممكن بالأوامر الأعمال الصالحة بقدْر الإمكان، ادفَع عشرة، ادْفع مئة، حسب إمكانيَّاتك، اخْدم هذا الإنسان، أعِنْهُ، كلّ هذا بِحَسب الإمكانيَّات، دلّ هذا المريض بِحَسب إمكانيَّاتك، أما إذا كنت داخل كليّة الطب فتعينهُ أكثر، أما المعاصي فيجب أن تدعها كلِّيَةً وإلا الطريق مسدود .
الناس يقولون : الدِّينُ، سبحان الله سهل ! إذا قال هذا فهو لمْ يسْلك الطريق إطلاقًا، إذا كان مقيمًا على معاصي، تقف هذه المعاصي بينه وبين الله حجابًا، فالطريق مسدود لا يحسّ بِسَعادة، قام للصلاة فإذا به يملّ لأنَّه مقطوع عن الله تعالى، يقول لك : أنا أصلي الفرض فقط، وإذا صلَّى الفرْض تجده سريعًا بِصَلاته، وإذا صام لا يهمّه إلا الأكل، همّه الأوَّل الإفطار، أما إذا الإنسان صلى و توجه إلى الله عز وجل يرى لذائذ لا يعلمها إلا من ذاقها، هل يعقل من النبي الكريم سيّد العالمين يكون بيته متواضعاً جدًّا وحياته خشنة ؟ معناه عندهُ سعادة تفوق حدّ التَّصوّر، لو كانت سعادته فقط فيما يتوهّمه الناس ؛ أشياء مادِّيّة، رسول الله ما أعطاه الله شيئًا، فليْنظر ناظرٌ بعقله أنَّ الله أكرم محمّدًا أم أهانهُ حينما زوى عنه الدنيا؟ فإن قال أهانه فقد كذب، وإن قال أكرمه فلقد أهان غيره حينما أعطاه الدنيا .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
الفقه الإسلامي – موضوعات متفرقة – الدرس 16 : تتمة صفات المتعلم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-01-27 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس