3040

آداب النبي العامة.

بسم الله الرحمن الرحيم

1 ـ وقاره العظيم :

من آدابه العامة صلى الله عليه وسلم وقاره العظيم، كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس وقاراً، وأعظمهم أدباً، وأرفعهم فخامةً وكرماً،
روى أبو داود مراسيله قال : أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه .
عن حَفْصَةُ ابْنَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَتْ:

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ قَدْ وَضَعَ ثَوْبَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى هَيْئَتِهِ ثُمَّ عُمَرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ ثُمَّ عَلِيٌّ ثُمَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَيْئَتِهِ ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَتَجَلَّلَهُ فَتَحَدَّثُوا ثُمَّ خَرَجُوا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَسَائِرُ أَصْحَابِكَ وَأَنْتَ عَلَى هَيْئَتِكَ فَلَمَّا جَاءَ عُثْمَانُ تَجَلَّلْتَ بِثَوْبِكَ فَقَالَ أَلا أَسْتَحْيِي مِمَّنْ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلائِكَةُ

[الترمذي عن حَفْصَةُ]

2 ـ يقدم كبير القوم في الكلام :

وكان عليه الصلاة والسلام يقدم كبير القوم في الكلام وذلك من باب التكريم، وحفظ المراتب، وتنويل الناس منازلهم .

عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ زَعَمَ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلاً وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا قَالُوا مَا قَتَلْنَا وَلا عَلِمْنَا قَاتِلاً فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلاً فَقَالَ: الْكُبْرَ الْكُبْرَ فَقَالَ لَهُمْ تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ قَالُوا مَا لَنَا بَيِّنَةٌ قَالَ فَيَحْلِفُونَ قَالُوا لا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ

[مسلم عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ]

أي ليتكلم أكبركم، كان يعرف لكل إنسان مكانته، إلا أنه مرة دخل على سيدنا عمر بن عبد العزيز وفد الحجازيين يتقدمهم غلام فغضب، وقال:

اجلس أنت أيها الغلام وليقم من هو أكبر منك سناً

فقال :

أصلح الله الأمير المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس

سرّ عمر من هذه الإجابة، فالنبي الكريم وهذه سنته المطهرة كان يعرف لكل إنسان مكانته، كان يقول:

لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا

[الترمذي عَنْ أَنَسِ]

3 ـ تكريمه لأهل الفضل :

وأما تكريمه أهل الفضل فقال عليه الصلاة والسلام :

البركة مع أكابركم

[البخاري عن ابن عباس]

أي بالعصر الذي زعزعت مكانة الكبراء ضاع الناس، الناس بأكابرهم، يقول عليه الصلاة والسلام:

لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ

[أحمد عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ]

أدب النبي مع عمه العباس و أدب العباس مع رسول الله :

الآن استمعوا أيها الأخوة إلى سيدنا رسول الله كيف عامل عمه العباس، هو رسول الله:

روى الطبراني بسند حسن عن ابن عباس عن أمه أم الفضل أن العباس أتى النبي صلى اله عليه وسلم فلما رآه قام إليه- رسول الله قام إليه – وقبّل ما بين عينيه ثم أقعده عن يمينه ثم قال : هذا عمي فمن شاء فليباهي بعمه

[الطبراني عن ابن عباس]

ويروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه استسقى عام الرمادة بالعباس فقال :

اللهم هذا عم نبيك نتوجه به إليك فأسقنا

فما برحوا حتى سقوا، فخطب عمر فقال :

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده، يعظمه ويفخمه ويبر قسمه، فاقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلةً إلى الله فيما نزل بكم

وكان الصحابة الكرام يعرفون للعباس فضله فيقدمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه .
هذا عم النبي، فكان سيدنا عثمان و سيدنا عمر وهما خليفتان لم يمر بهما العباس وهما راكبان أبداً حتى ينزلا إجلالاً له ويقولان :

عم رسول الله صلى الله عليه وسلم

هذا أدب رسول الله مع عمه العباس فكيف أدب العباس مع رسول الله ؟
قيل للعباس أنت أكبر أم النبي ؟ ـ أحياناً الإنسان يكون عنده أخ صغير يتزوج وهو أخ أكبر يأتيه ولد أكبر من عمه هذه واردة، أو أكبر من خاله ـ فقال :

هو أكبر مني وأنا ولدت قبله

وفي رواية :

هو أكبر مني وأنا أسن منه

وذهب زيد بن ثابت رضي الله عنه ليركب فأمسك ابن عباس رضي الله عنهما بالركاب فقال :

تنحى يا بن عم رسول الله

قال:

لا هكذا نفعل بالعلماء الكبراء

ويقول عليه الصلاة والسلام:

إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ

[أبو داود عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ]

ولكن كم أتمنى على ذي الشيبة المسلم أن يستحي من الله، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي :

شاب شعرك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك، فاستح مني فأنا أستحي منك

إذا الإنسان تجاوز الثلاثين أو الأربعين لا يليق به أن يعصي الله أبداً، لا يليق به أن يمزح مزحاً فاحشاً، لا يليق به أن يمضي الساعات الطوال على الطاولة، استحِ مني فأنا أستحي منك .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: الفقه الإسلامي – موضوعات متفرقة – الدرس22 : حكم السؤال عن الشبهات – شمائله صلى الله عليه وسلم.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-04-13 | المصدر

مترجم إلى: اللغة الإنجليزية

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس