عيادة المريض وأحكامه

بسم الله الرحمن الرحيم

كلّ إنسان يتأدب داخلياً أو خارجياً :

لابد من مقدّمة قبل الحديث عن عيادة المريض: الحقيقة أنَّ الإنسان إما أن يتأدّب تأديباً داخلياً، وإمَّا أن يتأدّب تأديباً خارجياً، أي إمَّا أن يكون هناك تعليمات يطبّقها، وإمَّا أن تكون عنده مشاعر وموازين دقيقة يأتَمِر بها، فإذا أُدِّب من الخارج فهذا نوع من الأدب، وإذا أدِّب من الداخل فهذا نوعٌ أرقى، كما يقال هناك رادع وهناك وازِع، هناك توجيهات خارجية، وهناك دوافع داخلية، وكيف نجمَع بينهما؟ الإنسان إذا طبَّق الآداب التي نصَّ عليها الشارع الحكيم، تطبيق هذه الآداب يعينُه على الاتصال بالله عزَّ وجل، واتّصاله بالله عزَّ وجل يُثمر له رقةً في المشاعر، ودقّة في الموازين، فأنت إمّا أن تتأدب حين تطبِّق قواعد الشرع، أو حينما ترقُّ المشاعر وتدِّق الموازين، نجمع بينهما، مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَورَثَهُ اللَّهَ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَم، تطبّق التعليمات، تتّصل بربِّ الأرض و السموات، بعد الاتصال تصبح هذه التعليمات جزءاً من كِيانك، تطبّقها عفواً لا قصداً، تطبقها سجيّة لا تصنُّعاً، تطبِّقها استجابةً لوازعٍ داخلي لا خوفاً من رادع خارجي، هذا ما فعله النبي عليه الصلاة و السلام، أو هذا ما قاله النبي عليه الصلاة و السلام حينما سُئل:

أدَّبني ربِّي فأحسن تأديبي

[من الجامع الصغير عن ابن مسعود]

أحكام عيادة المريض :

قد يسأل سائل ما حجم الآداب في الإسلام؟ إنَّها ربع الإسلام، في الإسلام عقائد، وفي الإسلام عبادات، وفي الإسلام معاملات، وفي الإسلام آداب، فعندنا آداب المسافر، من يلبّي دعوة عند أخيه، آداب الزواج، آداب مجالس العلم……إلخ.
أولاً : عيادة المريض سُّنة مؤكّدة، والإمام البخاري يقول :

هي واجبة

لأنَّ النبي عليه الصلاة و السلام قال :

أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ. قَالَ سُفْيَانُ وَالْعَانِي الأَسِيرُ

[البخاري عن أبي موسى الأشعري]

والحديث الذي تعرفونه جميعاً، أنَّ النبي عليه الصلاة و السلام يقول :

خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ ؛ رَدُّ السَّلامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَازَةِ

[أبي داوودعن أبي هريرة]

أي سُّنة مؤكَّدة، وعند الإمام البخاري واجب، وعند بعض العلماء مندوب، أي يوجد ندب وسٌّنة مؤكدة وواجب، أي في كل الأحوال يجب عليك أن تعود المريض، لكنَّ الشيء الذي يُلفت النظر هو أنه مما يلحَق بعيادة المريض، تفقّد أحواله، زرتَ المريض وسلّمتَ عليه وسألتَه عن صحته، وخاطرَك مع السلامة.. لعلَّه بحاجة إلى شيء، بحاجة إلى دواء، إلى طبيب، إلى حاجات للبيت.. فقال :
مما يُلحَق بعيادة المريض، تفقّد أحواله، وتعهّده والتلطُّف به، أشياء ثلاث، تفقّد أحواله، أن تسأله، هل أنت بحاجة إلى شيء؟ هل أنت بحاجة إلى أغراض؟ هل أنت بحاجة إلى دواء؟ هل أنت بحاجة إلى طبيب؟ هل أنت بحاجة إلى ممرّض؟ اسأله، تفقّد أحواله، وتعهّد بعضها، أنا آتيك بالطبيب، هناك أخ كريم من إخواننا الأطباء كلَّما ذكر في الدرس أخاً مريضاً، يأتيني ويقول : أنا سأذهب إليه، والله صرتُّ ممنوناً منه من أعماقي، كلَّما ذكرتُّ أخاً مريضاً، جاء إليَّ، وقال : أنا سأذهب إليه، أيّ صار فيه تعاون، في الإسلام هناك شيء أعمق من أن حضرنا مجلس علم، نحن أسرة، أسرة واحدة، كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمَّى، هكذا المؤمنون، كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضاً، إذاً أدقٌّ شيء في العيادة : ما يلحقُ في الأحوال، وتفقد بعضها، والتلَّطف بالمريض، تفقّد، تعهّد، تلَّطف، هذا مما يُلحَقُ بعيادة المريض.
العيادة لا تتقيَّد بوقت، لا يوجد في السِّنة وقت خاص بها، بحسب عادات الناس بعد الظهر مثلاً، بعد العشاء، قبل المغرب، بحسب عادات المريض، بحسب فراغه، بحسب الإمكانات المتاحة .
الحديث التالي تطييبٌ لقلب المريض و جبرٌ لخاطره :
لكن أدقُّ ما في الموضوع هو أن الله سبحانه وتعالى حينما قال :

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : يَا بْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي ؟ قَالَ : يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟

[مسلم عن أبي هريرة]

كيف نسب الله المرض إلى ذاته وهو لا يمرض ؟ أيّ كيف أضافه إلى ذاته ؟ قال شرَّاح الحديث : هذا تطييبٌ لقلب المريض، وهذا جبرٌ لخاطره، وهذا تكريمٌ له، وهذا تشريفٌ له، أي كما يُقال : إنَّ الابن إذا تألَّم تألَّمت معه أمه، هناك مشاركة، و محبة، فربُّنا عزَّ وجل حينما يقول:

مَرِضْتُ فَلَم تَعُدْنِي

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

حينما أضاف المرض إلى ذاته، قالوا في هذا تشريفٌ، وتكريمٌ، وتطييبٌ لقلب المريض، وجبر لخاطره، وحين قال :

يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ ؟ قَالَ : أمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانَاً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ، أَنَّكَ لَوعُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

والنقطة الثانية :

أنَّكَ لَوعُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

أيّ : أنا يا عبدي، حينما سلَبْت هذا المريض بعض صحته عوّضته سكينة في قلبه وعوّضته قرباً مني، أيّ : بٌعد مع الصحة، قرب مع المرض، حينما سلبته الصحة عوضّته قرباً مني، عوضّته سكينة في قلبه، لذلك من أدق الآثار أنَّ النبي عليه الصلاة و السلام علَّمنا أنَّك إذا عدت مريضاً قال :

عودوا المرضى وأمروهم فليدعوا لكم، فإنَّ دعوة المريض مستجابة، وذنبه مغفور

[الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس]

هذا معناه أنَّ المريض أقرب منْك إلى الله، لأنه بهذا المرض سلبَه الله الصحة لكن عوضَّه القرب، عوضَّه الرقّة، عوضَّه التجلي، قذف في قلبه نوراً، وليس غريباً أن تزور مريضاً فترى في وجهه تألُّقاً، فترى في نفسه رقةً، فترى في حديثه روحانيةً، هذا الذي يحصل تماماً، إذا سلَب الله المريضَ صحته عوضه السكينة والتجليات و القرب والأنوار وما إلى ذلك.. وهذا شيء مألوف جداً، تشعر أنه قريب، تشعر أنه رقيق المشاعر، تشعر أنه طليق اللسان، تشعر أنَّه ازداد معرفة بالله عز وجل، وأجمل كلمة قالها لي مريض عدته في هذا الأسبوع، قال لي : هذه خلوةٌ مع الله، هذا المرض خلوة مع الله، لأنَّ الإنسان أحياناً يكون مُثقلاً بالمواعيد واللقاءات و الأعمال و المتاعب، يقول لك : نشف قلبي، جفَّ قلبي، أنكرتُ قلبي فإذا أراد الله أن يقربه، أيّ أن يريحه في البيت أسبوعاً، فإذا بهذا الأسبوع خلوةٌ مع الله عزَّ وجل

أحاديث تدعونا إلى عيادة المريض :

كما قال الرسول عليه الصلاة و السلام :

عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا

[أحمد عن صهيب]

النبيُّ عليه الصلاة والسلام، من حديث زيد بن أرقم قال : عادني الرسول عليه الصلاة والسلام من وجعٍ كان بعيني، إذاً بالأقوال :

أطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ. قَالَ سُفْيَانُ وَالْعَانِي الْأَسِيرُ

[البخاري عن أبي موسى الأشعري]

وبالأفعال، عادني رسول الله صلى عليه وسلم من وجع كان بعيني، ويقول عليه الصلاة والسلام :

إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ

[مسلم عن ثوبان]

و :

قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجهَهُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ مِنْهُمْ مَنْ وَقَفَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَأَبُو فَاخِتَةَ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ عِلاقَةَ

[الترمذي عن علي]

إذاً كلَّها أحاديث تدعونا إلى عيادة المريض .
إذاً : سلوك إسلاميّ، سلوك إيمانيّ، سلوك يتميَّز به المسلم، هو أن تعود أخاك المريض، بالإضافة إلى العيادة، أن تتفقد أحواله، وأن تتعهد بعضها، وأن تتلطَّف به، هذه أحكام العيادة .

ما يقوله المريض للعائد :

لكن الآن المريض نفسه، جاءه العوّاد، ماذا يقول؟ قال : لا بأس على المريض أن يخبر من يعوده بما يجده من ألمٍ، لا على سبيل الضجر و الصخب بل على سبيل البيان، مبتدئاً أن يقول : الحمد لله، أجد كذا وكذا… أو الحمد لله بيّ كذا وكذا، فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه : ” إذا كان الشكر قبل الشكوى، فليست بشكوى ” الحمد لله، الله عزَّ وجل ابتلاني، أجد ألماً في صدري، أجد ألماً في يدي، أجد ألماً في رأسي، إذا كان هناك شكوى، وكان هناك حَمدُ قبل الشكوى، فالحمد قبل الشكوى يبطل الشكوى :

قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهم عَنْهَا : وَارَأْسَاهْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَاثُكْلِيَاهْ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلَلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ، فَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ، أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ

[البخاري عن يحيى بن سعيد]

أي ممكن، إنسان يتألم، لكن الصياح، وتمزيق الثياب، وضرب الوجه، هذا الذي نهى عنه النبيّ عليه الصلاة و السلام، طبعاً إخبار المريض صديقه أو طبيبه عن حاله لا بأس به إتفاقاً، لأن هذا لا يتنافى مع الصبر الجميل، سيدِّنا يعقوب ماذا قال ؟

(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)

[سورة يوسف : 86]

وسيدِّنا أيوب قال :

(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)

[سورة الأنبياء : 83]

وقال بعض الشعراء :

و إذا عــراك بلية فاصبر لها صبر الكريـم فإنَّه بك أعلـــم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنَّما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

الأكمل أن تشكو إلى الله عزَّ وجل، من الأدعية الجميلة :

يا ربّ أشكو إليك ما لا يخفى عليك، وأطلب منك ما لا يعسر عليك، أشكو إليك ما لا يخفى عليك، وأطلب منك ما لا يعسر عليك

أحاديث على العائد أن يذكرها أمام المريض :

من السّنة أيضاً إذا كنت في عيادة مريضٍ أن تذكر له بعض هذه الآحاديث :

مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ

[البخاري عن أبي هريرة]

أي يبتليه، إذا أحبَّ الله عبداً ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه.
وفي حديث آخر :

إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ

[أحمد عن محمود بن لبيد]

الحديث الثالث :

مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا

[البخاري عن عائشة]

الحديث الرابع :

مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلا نَصَبٍ وَلا سَقَمٍ، وَلا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ

[مسلم عن أبي سعيد]

والحديث المعروف الذي أتلوه عليكم كثيراً، لمَّا النبيّ الكريم دخل على مريض قال: يا رسول الله، ادعّ الله أن يرحمني ؟ قال :

يا ربِّ ارحمه، فقال الله عزَّ وجل : كَيْفَ أَرْحَمُه مِمَا أَنَا أَرْحَمُه، وَعِزَّتِي وَجَلالِي لا أَقْبُضُ عَبْدِيَ المُؤْمِنُ، وَ أَنَا أُحِب أَنْ أَرْحَمَهُ، إِلاَّ ابْتَلَيْتُهُ بِكُلِّ سَيِئَةٍ كَانَ عَمِلَهَا سَقَمَاً في جَسَدِه، أَو إِقْتَاراً في رِزْقِهِ، أو مُصِيبَةٌ فِي مَالِهِ أَو وَلَدِهِ، حَتَّى أَبْلُغَ مِنْهُ مِثْلَ الذر، فَإِذَا بَقِيَ عَلَيهِ شَيءٌ، شَدَّدَّتُ عَلَيِهِ سَكَرَاتِ المَوتِ حَتَّى يَلْقَانِي كَيَومَ وَلَدَتْهُ أُمُّه

 

[حديث قدسي]

هذا شيء ثابت أي المرض للمؤمن تكفير، المرض للمؤمن ترقية، المرض للمؤمن خلوة إجبارية، المرض للمؤمن مناسبة ليلتفت إلى الله عزَّ وجل، الآية الكريمة :

(وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)

[سورة البقرة : 155-157]

الصلوات من الله عزَّ وجل بمعنى المغفرة و الثناء، والرحمة : العطاء و الإحسان. وأولئك هم المهتدون، هذا هو التاج، فلذلك المريض، هذه فلسفة المرض في الإسلام، عيادة المريض واجب، والمريض يرقى بالمرض .

عيادة إنسان من أهل الكتاب :

يجوز أن تعود ذميَّاً، يجوز أن تعود إنساناً نصرانياً، إذا كان هناك مصلحة من عيادته، قد تكون هناك مصلحة، قد يكون جاراً، قد يكون زميلاً في العمل، فمن المصلحة أن تعود الذمّي .

كَانَ غُلامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ : أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ : أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ

[البخاري عن أنس]

أحياناً تعود إنساناً ذميّاً، هذه العيادة يطرَب لها، يفرح بها، تكلِّمه كلمات دقيقة أنَّ الإنسان المريض يكون قريباً من الله كثيراً، تكون مشاعره مرهفة، يكون فكره يقظاً، فإذا عدَّته، ونطقت بالحق أمامه، ولفتَّه إلى الله عزَّ وجل، فهذا عمل طيب، وقد روي عن أنس أنَّ أبا طالب مرض فعاده النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال : يا بن أخي – أبو طالب يخاطب النبيّ صلى الله عليه وسلم – قال : يا بن أخي ادع إلهك الذي تعبده أن يعافيَني سبحان الله ! فقال النبيّ عليه الصلاة و السلام : ” اللَهُمَّ اشْفِ عَمِّي ” فقام أبو طالب، كأنَّما نشط من عُقال، شعر بنشاط، فقال له : يا بن أخي إلهك الذي تعبده يطيعك ؟ قال عليه الصلاة و السلام : و أنت يا عمِّي إن أطعت الله يطيعك،إذا أطعته و دعوته يستجيب لك، هذه في اللغة تسمى مشاكلة، أي ليس فقط أنا بل أنا و أنت، إذا عرفته و أطعته و دعوته يستجيب لك .
المذهب الحنبلي – الحنابلة معروفون، يقول الناس : فلان حنبلي – لا يجوز أن تعود مبتدعاً، إنسان جاء بعقيدة فاسدة، إذا عدَّته فكأنك أيّدته، إذا عدَّته فكأنّما أقررته على عقيدته، لا يجوز أن تعود مبتدعاً، ولا مجاهراً بمعصيةٍ، أيّ إذا إنسان فاسق، فاجر، عدو للدّين، هذا دعه، دعك من عيادته، هذا عند الحنابلة .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
الفقه الإسلامي – موضوعات متفرقة – الدرس 34 : عيادة المريض وأحكامه .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-01-12 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس