السفر و أنواعه

بسم الله الرحمن الرحيم

السفر :

السفر هو نشاط من نشاطات الإنسان، هناك من يسافر لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فيقع في شر عمله ويدفع الثمن باهظاً من دينه وآخرته، وهناك من يسافر في سبيل الله فيكسب الدنيا والآخرة.
موضوع السفر هل هو حرام؟ هل هو حلال؟ هل هو واجب؟ هل هو مندوب؟ هل هو مكروه؟ وما أهداف السفر؟ يا ترى ما علاقة السفر بطلب العلم؟ ما علاقة السفر بالعبادة؟ بالجهاد في سبيل الله؟ بطلب الدنيا إذا أعسر الإنسان؟ بهذه الموضوعات الدقيقة التي كثيراً ما يتحدث عنها الناس ويسألون عنها أهل العلم و هم في جهل من دقائقها سنتكلم اليوم .

الحكمة من السفر :

الأخلاق الحقيقية تبدو في السفر فما سمي السفر سفراً إلا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، وما قبل سيدنا عمر من رجل قال : أنا فلان أعرفه، قال له :

هل سافرت معه؟ هل حاككته بالدرهم والدينار؟ هل جاورته؟

أحياناً الإنسان يدعي أنه إنسان طيب ويحب الخير، لو سافر مع مجموعة أشخاص لظهر على حقيقته، يحب نفسه فقط، يحب أن يأخذ كل شيء بلا شيء، يحب أن يستريح، يحب أن يأكل دون أن يجهد، يحب أن يخدمه الآخرون، إذا سافرت ربما تعرفت إلى الله من خلال أهل العلم، وإذا سافرت ربما تعرفت إلى نفسك، أخطر شيء في الحياة أن يكون لك حجم، أن يكون لإيمانك حجم وأنت واقف تظن حجم إيمانك أكبر بكثير، فالسفر يسفر عن أخلاق الرجال.
وهناك شيء آخر، إذا سافر الإنسان رأى آيات الله في الكون، ربما آيات الله عز وجل تزيده معرفةً بالله، لذلك قالوا :

هناك سفر استثمار وسفر اعتبار

سفر الاستثمار أن تبحث عن رزق الله في أرض الله، أما سفر الاعتبار فربما إذا رأيت مظاهر الطبيعة، ربما إذا رأيت بعض ما خلق الله عز وجل من آياتٍ بليغة، من آيات دالة على عظمته ربما ازداد إيمانك.

أنواع السفر :

1 ـ السفر في سبيل الله و أعلاه السفر في طلب العلم :

لاشك أن هناك سفراً في سبيل الله، أعلى أنواع السفر في سبيل الله السفر في طلب العلم لماذا؟ لأن العلم هو الطريق الوحيد إلى الله، ولأن في الكون حقيقةً واحدة هي وجود الله و وحدانيته وكماله، وكل شيء يوصل إليه مشروع، وكل شيء يبعد عنه مذموم، ومحرم، ومنهي عنه.
السفر الأول هو سفر في طلب العلم، هذا السفر واجب أم نفل؟ ما ينبغي أن يعلم بالضرورة سفر واجب، وما كان فرض كفاية سفر مندوب، وإذا كان السفر ترك الوطن، وترك الأهل، وترك الأولاد وترك الدنيا، وترك العمل من أجل طلب العلم، فما قولك فيمن يقطن في دولة وفيها مجالس علم وقد يكون مجلس العلم إلى جوار بيته وهو يتكاسل أو يعرض عن أن يحضر في الأسبوع مجلساً أو مجلسين ويمضي ساعات طويلة فيما لا يرضي الله عز وجل؟
الحديث الآن أن تسافر من بلدك إلى بلد آخر، أن تقطع الصحارى والفيافي، أن تدع الأهل والأولاد، أن تدع مكتبك التجاري، أن تفقد مركزك المالي، أن تفقد مركزك الاجتماعي من أجل طلب العلم، لأن العلم هو الطريق، وأقول بدقة هو الطريق الوحيدة إلى الله، وأي حركة قبل العلم حركة عشوائية، فلذلك إذا كنا في بلدةٍ فيها علم صحيح، وفيها مساجد، وفيها دعاة، فإذا كنت في بلد بعيد بعيد أنت مكلف في نص الأحاديث الشريفة أن تطلب العلم، طلب العلم فريضة على كل مسلم إذا كان العلم في بلد بعيد عن بلدك، طلب العلم فريضة على كل مسلم، تطلبه أينما كان إن كان في بلدتك، أو في غير بلدتك.

2 ـ السفر من أجل العبادة :

الآن عندنا سفر آخر لأجل العبادة من حج أو جهاد، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الأقْصَى

[متفق عليه عن أبي هريرة]

إذا سافرت إلى مسجد بقصد التبرك به لا يمكن أن تستفيد إلا إذا كان أحد هذه المساجد، قالوا : إن الجامع الأموي بحلب جامع مبارك، غداً سوف نغادر إلى حلب لنزور هذا المسجد، نقول له : لا يجوز، لا يجوز أن تسافر بقصد أن تتبرك بمسجد إلا إلى أحد هذه المساجد الثلاث وما سوى ذلك فلا يسن ولا يشرع أن تزور مسجداً آخر، لأن كل المساجد سوى هذه المساجد الثلاث سواء عند الله إذا كان القصد زيارة مسجد بالذات، أما إذا كان القصد زيارة رجل تثق بعلمه وإخلاصه في هذا المسجد فصارت الزيارة لما في هذا المسجد من درس، من أجل درس علم، أو من ذكر، الحج والجهاد هذا سفر عبادة، والأول طلب علم.

3 ـ السفر للهرب من سبب مشوش للدين :

القسم الثالث أن يكون السفر للهرب من سبب مشوش للدين، أي أغلى شيء عليك هو دينك، فإذا كنت في مكان دينك مهدد بالخطر، أو منعت من ممارسة شعائر دينك، أو شعرت أن هذا البلد فيه خطر على دين أولادك، رجل ذهب إلى بلد غربي والأمور ميسرة، شراء البيت بالتقسيط بسعر زهيد، الحاجات كلها مؤمنة، كل شيء على ما يرام إلا أن الفسق والفجور لا يوصف، لو فرضنا أن الرجل ضبط نفسه، والزوجة ضبطت نفسها، فما هي حالة الأولاد؟ وما هو شعور أب يرى ابنته لها صديق ومستعدة أن تتخلى عن كل أهلها وألا تتخلى عن هذا الصديق وقد يكون هذا الصديق يهودياً وأنت مسلم؟ هذا سفر في سبيل الشيطان.
من أقام مع المشركين فقد برئت منه ذمة الله، تعيش في بلد تبيع الفتاة عرضها بشيء زهيد جداً، بحبة مسكة، وأولادك في هذا البلد والبنت التي ليس لها صديق بنت مريضة تحتاج إلى معالجة نفسية، والشاب إن لم تكن له صديقة يحتاج إلى طبيب نفسي، وشرب الخمر كشرب الماء، وأينما ذهب رأيت الفتنة يقظة والجنس كل شيء، ولا شيء سواه، مثل هذا البلد إذا سافرت إليه و أردت أن تقيم فيه رغبةً فيما عند هؤلاء من مال وفير، ومتعة رخيصة، وحياة آمنة، وحاجات موفورة، إذا أقمت في مثل هذا البلد يجب أن تعلم علم اليقين أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر وقال :

برئت منه ذمة الله

يدفع الثمن.
الآن كم من أسر مسلمة عاشوا في بلاد الكفر وحينما ضيقوا عليهم، وحينما حملوا بناتهم على أن يدعن أمر الله عز وجل، وحينما منعوا من ممارسة شعائر دينهم، تركوا وهاجروا و أغناهم الله في بلد الهجرة.
والله زرت شخصاً من بلاد تركيا عمره يزيد عن ثمانين عاماً قال : أنا رحلت إلى بلدكم يوم ضيق علينا، ويوم صارت الصلاة تهمةً خطيرةً يقتل صاحبها، جئنا إلى بلدكم وأقسم بالله أنه لا يملك أن يشتري نقيراص، قال لي : عندي خمسة وثلاثون بيتاً في هذه البلدة، قلت: سبحان الله ! وأراضي وتجارة وهو يغدق على الناس، كيف أصبح غنياً في هذه البلدة؟ لأنه هاجر في سبيل الله، لأنه خاف على دينه.
لي صديق لفت نظري أنه لما حج قال : حججت عن نفسي حجة الإسلام ثم حججت عن أبي ثم حججت عن أمي لفت نظري الترتيب، الحديث : أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك، هو بالعكس حج عن والده أولاً ثم عن والدته، فلما سألته ما سر هذا الترتيب؟ قال : كنا في بلد أجنبي وصار الضغط على الدين ضغطاً غير معقول، فآثر أبي أن يفر بدينه، وأن يحفظ لنا ديننا، فجاء بنا إلى هذه البلدة، قلت : سبحان الله رأى أن قرار أبيه هو الذي حفظ له دينه، إذاً حج عن أبيه بادئ ذي بدء ثم حج عن أمه، قال تعالى :

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً)

[سورة النساء : 97]

إذا كنت في الأرض مستضعفاً ولم تستطع أن تقيم شعائر الله عز وجل، وتركت البلد الذي يظلم فيها المسلم فهذه هجرة في سبيل الله، فما قولكم في إنسان يقيم في بلدة كلها مساجد، كلها مجالس علم، كلها دعوة إلى الله، فيها خير كثير، فيها بقية من صالحين، يدع كل هذا الخير من أجل دريهمات يقبضها في عاجل دنياه.

4 ـ السفر هرباً فيما يقدح بالبدن كالطاعون :

السفر الرابع : السفر هرباً فيما يقدح بالبدن كالطاعون، أي إذا وجد وباء إلا الطاعون، يوجد أحاديث متعلقة بالطاعون وهذه الأحاديث أعجب ما في الأمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ ابْتَلَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَاسًا مِنْ عِبَادِهِ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَفِرُّوا مِنْهُ

[مسلم عن أسامة بن زيد]

هذا الحديث، إذا سمعتم بأرض فيها طاعون لا تدخلوا عليه واضح، لكن إذا كنت بأرض فيها طاعون لماذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أن تخرج منها؟ عرضوا هذا السؤال على عالم كبير كبير في علم الجرائيم، فقال : الأمر بديهي لأن حملة المرض قد يكونوا أصحاء، إذا كان الإنسان في أرض فيها طاعون قد يحمل هذا المرض وهو صحيح فإذا سافر إلى بلد آخر ينقله للآخرين، فهذه كشفت حديثاً، أما أن الرسول عليه الصلاة والسلام أراه الله عز وجل هذه الحقيقة فهذا شيء يلفت النظر، إذا كنت في مكان فيه هلاك، هلاك لدينك لابد من السفر، هلاك لبدنك ولأهلك أيضاً حياة الإنسان غالية جداً، مثلاً منزل متداع طبعاً نقيس فيه إنذار في الإخلاء، و أساسه فيه خطأ، إذا أقمت في هذا البيت فأنت ظالم لنفسك لماذا؟ لأن رأس مالك حياتك وأنت بهذا كأنك تعرض حياتك للخطر، أو كأنك تضحي بحياتك، أو تنتحر، وهناك قصص كثيرة جداً أن بيوتاً متداعية أمر أصحابها بإخلائها، أصحابها ما طبقوا هذا الأمر لسبب أو لآخر فإذا هذا المنزل ينهدم عليهم إذاً هناك معصية.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

من كانت جمله حرون فلا يذهب معنا

تصور صحابياً جليلاً له جمل حرون ركبه في سبيل الله، هذا الجمل قتل صاحبه، معنى حرون أي شرس، النبي عليه الصلاة والسلام أبى أن يصلي عليه، ماذا فعل هذا الصحابي؟ عندما الإنسان يعرض حياته للخطر معنى هذا أنه يعصي الله، العلماء قاسوا على ذلك من نام على سطح ليس له سور فوقع ودقت عنقه مات عاصياً، يقاس عليها من نزل من مركبة وهي تمشي هناك كثير من الحوادث التي صار فيها دهس عندما نزل وقع تحت العجلة ومات، أنا أعتقد كل سنة يوجد حادثتين أو ثلاث من هذا النوع، يقاس عليها من ركب مركبةً ليست جاهزة مكابحها ضعيفة، الإنسان قبل أن يسافر عليه أن يتأكد من سلامة المركبة، هذا هو الدين، وهذه هي السنة، الدين دقيق جداً، قال تعالى :

(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ?)

[سورة البقرة : 195]

إذاً هذا السفر صوناً للحياة نسافر، وصوناً للدين نسافر، وأداءً للعبادة، وطلباً للعلم نسافر، هذه الأنواع التي وردت في إحياء علوم الدين في موضوع السفر.

تقسيم آخر للسفر :

طبعاً يوجد تقسيم آخر للسفر، يوجد سفر مذموم، وسفر محبوب، وسفر مباح، السفر الجيد المحبوب الذي حث عليه الشرع سفر في طلب العلم، وسفر في أداء العبادة، والسفر المذموم سفر من أجل معصية، والعياذ بالله دول كثيرة من بلدان النفط السفر ميسر جداً إلى الشرق أو إلى الغرب، لقضاء إجازة سنوية أو شهرية أو أسبوعية، لا لشيء إلا ليعصي الله في هذه السفرة بألوان من المعاصي لا توصف، هذا سفر المعصية.
رجل سافر إلى بلد غربي نزل في فندق يبدو أنه طلب امرأة في الصباح افتقدها، كتبت له على المرآة : مرحباً بك في نادي الإيدز، طبعاً هي مصابة بهذا المرض، مسافر في سبيل الشيطان، في سبيل الزنا، مسافر ليفعل كل المعاصي، مسافر ليغرق في المعصية إلى أذنيه هذا سفره محرم، بالمقابل سفر في سبيل طلب العلم ؛ سفر للحج، سفر للعمرة، حدثني أخ كريم اعتمر وحج وهو مما يكثر السفر لبلاد الغرب، ذاق من حلاوة القرب الشيء الكثير فأقسم بالله لن يغادر بلده إلا إلى حج أو عمرة، لشدة ما تجلى الله على قلبه في هذه السفرة، الحج أنت مسافر إلى الله، سفرة إلى الله ورسوله، لو أن هذا المكان جميل جداً؛ النسمات والجبال الخضراء والأماكن الجميلة والتسهيلات والخدمات والمرافق لاختلط هؤلاء الذين أرادوا وجه الله الكريم في هذه السفرة وهؤلاء الذين قصدوا المتعة والسياحة، لذلك شاءت حكمة الله أن يكون بلد السفر إليه بلد لا زرع فيه، ولا نبات، ولا أي مظهر من مظاهر الجمال الذي يرغبه الناس.
الحقيقة تروي كتب الفقه أنه يجب أن يكون شغلك الشاغل أن تلتقي بمن في هذه البلدة من أهل العلم، من أهل الصلاح، من أهل القرب، أن تكون مغرماً بزيارة مساجدها، أماكنها المقدسة لأنها بيوت الله عز وجل، الإنسان يشعر في بيت الله أنه في بيت طاهر، ادخل إلى مدينة صاخبة ثم ادخل إلى مسجد كأنك في بلدك، شوارع وازدحام ونساء كاسيات عاريات وبضائع مغرية جداً شعرت بضيق ادخل فوراً إلى المسجد تشعر براحة، توضأ وصلّ أصبحت في ذمة الله، دخلت إلى بيت الله.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
الفقه الإسلامي – موضوعات متفرقة – الدرس 33 : آداب السفر وأنواعه.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-12-15 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس