عبد الله بن سلام

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الأخوة الأكارم، مع سيرة صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابي اليوم سيدنا عبد الله بن سلام، ولهذا الصحابي قصة مؤثرة، لكن قبل أن نمضي بالحديث عن تفاصيلها لا بد من مقدمة نوضح فيها جوانب هذه الشخصية الفذّة.
مما يطرح في العصور الحديثة أن الإنسان ابن بيئته، ابن ثقافته، ابن مورثاته، ابن عاداته وتقاليده، وهذا الطرح يصور الإنسان منفعلاً وليس فاعلاً، فالإنسان مسلمٌ لأنه كان من أبوين مسلمين، فلو وُلد من أبوين غير مسلمين لما كان مسلماً، نشأ في بيت فيه علم وصلاح، وأبوه ربَّاه هكذا، ولو نشأ في بيت آخر لما كان كذلك، هذا الطرح يمهد لإلغاء المسؤولية، ويقرر أن الإنسان منفعل، وهو ابن المعطيات الكبرى في حياته.
لذلك هذا الصحابي الجليل سوف يثبت لنا أن الإنسان أكبر من أي شيء حولنا، أكبر من بيئته، أكبر من محيطه، أكبر من وراثته، وألصق شيء في الإنسان دينه، وهذا الصحابي كان يهودياً، ليس مسلماً انتقل من دين إلى دين، فكل إنسان يرى أنه مستحيل أن ينتقل من دين إلى دين لأنه هكذا نشأ، هذا كله كلام لا قيمة له إطلاقاً في حقل الإيمان.

من هو عبد الله بن سلام؟

اسمه الحصين بن سلام، وكان حبراً من أحبار اليهود، أيْ أحد كبار رجال الدين اليهودي، وكلكم يعلم أن لبعض الأحبار والرهبان سبب ليرفضوا أي دين آخر لِمَا يتمتعون به، ومن ميزات كبيرة، ومن منزلة بين قومهم.
فكان هذا الرجل الحصين بن سلام حبراً من أحبار اليهود في يثرب، وكان أهل المدينة على اختلاف مللهم ونحلهم يجلُّونه ويعظِّمونه، وهذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام:

تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً، وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ

[متفق عليه، أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما]

الناسُ معادن، مِن الخطأ أن تعمِّم، الذهب ذهب في أي مكان، وغير الذهب ليس ذهباً في أيِّ مكان، هذا من أحبار اليهود، ويبدو أنه يتمتع بأخلاق رفيعة، هي التي حملته على أن يسلم، فمن الممكن أن تعتقد، وأنت مصيب في اعتقادك أنّ الإنسان الأخلاقي أخلاقياته لا بد أن تسوقه في النهاية إلى الإيمان، إن رأيت إنسانًا أخلاقه عالية جداً فتفاءل له بالخير، أخلاقه الرضية لا بد أن تقوده في وقت ما إلى أن يكون في صف المؤمنين، هل عندكم برهان قرآني على هذه الفكرة؟ قال تعالى:

(إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)

[سورة الأعراف الآية: 196]

الصالح يتولاه الله، فقد كان الحصين بن سلام معروفاً بين الناس بالتُّقَى والصلاح، موصوفاً بالاستقامة والصدق، وكان يحيا حياةً هادئةً وديعة، ولكنها كانت في الوقت نفسه جادةً نافعة، فقد قسم وقته أقساماً ثلاثة: شطرًا في الكنيس للوعظ والعبادة، وشطرًا في بستان له يتعهد نخله بالتشذيب والتأبير، وشطرًا مع التوراة للتفقه في الدين، هكذا وصفوه، وكان كلما قرأ التوراة وقف طويلاً عند الأخبار التي تبشر بظهور نبي في مكة، يتمم رسالات الأنبياء السابقين، ويختمها.
الإيمان أنْ تأخذ كل ما في القرآن، أما إذا اخترت ما يعجبك، وأغفلت ما لا يعجبك فلست مؤمناً، وما الذي أهلك اليهود؟ إنهم اختاروا من توراتهم ما يعجبهم، والذي لم يعجبهم رفضوه، فالآيات التي تتحدث عن مجيء نبي في العرب اسمه أحمد، هذه الآيات أغفلوها، وأنكروها، وألغوها إلا ما جاء في بعض الأناجيل، كما قال تعالى على لسان السيد المسيح عيسى بن مريم:

(وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)

[سورة الصف الآية: 6]

إذاً: المؤمن يأخذ كل ما في القرآن، أما أن يختار فليس مؤمناً، هذا له دين خاص، يختار ما يعجبه من النصوص ليؤكد رأيه، وأخطر فئة في المجتمع هم أصحاب الرأي، دينهم رأيهم، أما النصوص فيأخذون منها ما يعجبهم، ويدعون ما لا يعجبهم، إذاً: هم لم يحتكموا إلى النص، ولكن تحكَّموا به.
فكان هذا الصحابي الجليل ينتظر مجيء هذا النبي، فإذا كنت تعبد الله، واللهُ سبحانه وتعالى أرسل لك رسولاً، فينبغي أن تتبعه، أما أن تصرّ على اتِّباع النبي السابق فأنت إذاً لا تعبد الله، هذا معنى قول الله عز وجل:

(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)

[سورة آل عمران الآية: 19]

وقال تعالى:

(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

[سورة آل عمران الآية: 85]

أنت مأمور، جاءك الأمر باتباع سيدنا عيسى فاتبعته، جاء أمر آخر باتباع سيدنا محمد، فإذا رفضت هذا الأمر فأنت لست عبداً لله، بل أنت عبد لنزواتك، لذلك قال الله عز وجل:

(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)

[سورة آل عمران الآية: 19]

إنك رفضت آخر كتاب، إنسان قيادي يرسل أمرًا إلى موظف عنده، أنْ كن في اليوم الفلاني في المكان الفلاني، فأخذ هذا الأمر ونفّذه، ثم جاء أمر آخر، فقال له: أنا لا أنفِّذ هذا الأمر الثاني، فهذا ليس موظفاً مخلصًا، هذا ليس عبداً لله عز وجل، فقد تمسك بأمر ورفض أمراً آخر.
سيدنا عبد الله بن سلام كان عبداً لله عز وجل، نفذ أمر الله كله، فكان كلما قرأ التوراة وقف طويلاً عند الأخبار التي تبشر بظهور نبي في مكة، يتمم رسالات الأنبياء السابقين، ويختمها، وكان يستقصي أوصاف هذا النبي المرتقب وعلاماته، ويهتز فرحاً، لأنه سيهجر بلده الذي بُعِث فيه، وسيتخذ من يثرب مَهْجراً له ومقاماً، وكان كلما قرأ هذه الأخبار، أو مرّتْ بخاطره يتمنى على الله أن يفسح له في عمره حتى يشهد ظهور هذا النبي المرتقب، ويسعد بلقائه، ويكون أول المؤمنين به.
العجيب أن أهل الإيمان متقاربون، فقد تلتقي بإنسان على مستوى عالٍ من الإيمان، وببساطة تتعارفان، وببساطة تأتلفان، ويحب كل منكما الآخر، وببساطة تتوافقان في الأفكار، فما سر هذا؟ الإيمان يصبغ الناسَ صبغةً واحدة، فأنت تأنس بمن يشبهك، تأنس بمن تتوافق معه في أفكاره وفي قيمه وفي منطلقاته.
وقد استجاب الله جل جلاله دعاء الحصين بن سلام، فنسأ له في أجله، ومدّ في حياته حتى بُعث نبي الهدى والرحمة، وكُتِبَ له أن يحظى بلقائه وصحبته، وأن يؤمن بالحق الذي أنزل عليه.

قصة إسلامه :

فلنترك الآن كما هي العادة لعبد الله بن سلام الكلام ليسوق لنا قصة إسلامه، فهو لها أروى وعلى حسن عرضها أقدر.
قال الحصين بن سلام:

لما سمعت بظهـور رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت أتحرى عن اسمه وعن نسبه وصفاته وزمانه ومكانه، وبين ما هو مسطور عندنا في الكتب حتى استيقنت من نبوته

معنى ذلك بحسب هذا النص أنّ هناك أوصافًا ثانوية كثيرة وردت في التوراة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
قال:

حتى استيقنت من نبوته

لذلك فالعقل مهمته قبل النقل التحقُّقُ من صحة النقل، ومهمته بعد النقل فهمُ النقل، أما أن يحلَّ العقلُ محلَّ النقل فهذا انحراف خطير.
قال:

إلى أن كان اليوم الذي خرج منه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قاصداً المدينة، فلما بلغ يثرب، ونزل بقباء أقبل رجل علينا، وجعل ينادي بالناس معلماً قدومه، وكنت عند رأس نخلة لي أعمل فيها، وكانت عمتي خالدة بنت الحارث جالسةً تحت الشجرة، فما إن سمعتُ الخبر حتى هتفتُ: الله أكبر الله أكبر، وأنا على رأس النخلة، فقالت لي عمتي حينما سمعت التكبير: خيّبك الله، واللهِ لو كنت سمعتَ بموسى بن عمران قادماً ما فعلت شيئاً فوق ذلك، أنت يهودي، ما هذا التكبيـر؟ فقلت لها: أي عمة، إنه واللهِ أخو موسى بن عمران، وعلى دينه، وقد بُعث بما بُعث به

الرسالات واحدة، والمشكاة واحدة، والنور واحد، والمصدر واحد، والهدف واحد، قال تعالى:

(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)

[سورة البقرة الآية: 285]

فسكتت، وقالت: أهو النبي الذي كنتم تخبروننا أنه يبعث مصدقاً لما قبله، ومتمماً لرسالات ربه؟ فقلت: نعم، قالت: فذلك إذاً، ثم مضيت من توئي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت الناس يزدحمون على بابه، فزاحمتهم حتى صرت قريباً منه، فكان أول ما سمعته، وهو قول:

أيها الناس أفشوا السلام

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ:

لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ وَقِيلَ: قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، ثَلَاثًا فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ

[أخرجه الترمذي في سننه]

هذا أول حديث سمعه عبد الله بن سلام من رسول الله،
قال:

فجعلت أتفرس فيه وأتملى منه، فأيقنت أن وجهه ليس بوجه كذاب

ومن تكريم الله لك يا أخي أنه زودك بحاسة سادسة، تشعر أن هذا صادق، وتشعر أن ذاك كذاب، مخادع.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ :

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ)

[أخرجه الترمذي في سننه عن أبي سعيد الخدري]

ويقال: إن سيدنا عثمان، وهو على المنبر دخل رجل بعد أن جلس فترة طويلة، قال: أيدخل أحدكم وأثر الزنا بين عينيه، فقالوا: أَوَحْيٌ بعد رسول الله، قال: لا، ولكنها فراسة صادقة.
ثم دنوت منه وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله،
فالتفت النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: ما اسمك؟
فقلت: الحصين بن سلام،
فقال عليه الصلاة والسلام: بل عبد الله بن سلام،
قال: والذي بعثك بالحق ما أحبُّ أن لي اسماً آخر بعد اليوم، ثم انصرفت من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتي، ودعوت زوجتي وأولادي إلى الإسلام فأسلموا جميعاً، وأسلمتْ معهم عمتي خالدة، وكانت شيخة كبيرة.

عبد الله يكتم إسلامه:

قال: ثم إني قلت لهم: اكتموا إسلامي وإسلامكم عن اليهود حتى آذن لكم، فقالوا: نعم، ثم رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقلت له: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتان وباطل، فهو يعرفهم، وإني أحب أن تدعو وجوههم إليك، وأن تسترني عندك في حجرة من حجراتك، ثم تسألهم عن منزلتي عندهم قبل أن يعلموا بإسلامي، ثم تدعوهم إلى الإسلام.
قال: فإنهم إنْ علموا أنني أسلمت عابوني، ورموني بكل ناقصة، وبهتوني،
فأدخلني النبي عليه الصلاة والسلام في بعض حجراته، ثم دعاهم إليه، وأخذ يحضُّهم على الإسلام، ويحبب إليهم الإيمان، ويذكرهم بما عرفوه في كتبهم من أمره، فجعلوا يجادلونه بالباطل، ويمارونه بالحق، وأنا أسمع، فلما يئس من إيمانهم، قال لهم: ما منزلة الحصين بن سلام فيكم؟
قالوا: الحصين سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وابن حبرنا، وعالمنا وابن عالمنا،
فقال عليه الصلاة السلام: أرأيتم إن أسلم، أفتسلمون؟
قالوا: حاشا لله، ما كان له أن يسلم، أعاذه الله من أن يسلم،
قال: فخرجت إليهم، وقلت لهم: يا معشر اليهود اتقوا الله، واقبلوا ما جاءكم به محمد، فو الله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله، وتجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة باسمه وصفته، وإني أشهد إنه لرسول الله، وقد آمنت به وصدقته، وأنا أعرفه، فبهتوا،
وقالوا: كذبت، والله إنك لشرُّنا وابن شرنا، وجاهلنا وابن جاهلنا، ولم يتركوا عيباً إلا عابوني به،
ليسوا أهل إنصاف، ومعظم الناس الآن كذلك، ليس لديهم إنصاف،
فقلت للنبي عليه الصلاة والسلام: ألم أقل لك يا رسول الله، إن اليهود قوم بهتان وباطل، وإنهم أهل غدر وفجور،
معنى هذا أنه يعرفهم، و يعرف خبث نفوسهم،

بشارة عبد الله بن سلام من رسول الله عليه الصلاة والسلام:

أقبل عبد الله بن سلام على الإسلام إقبال الظامئ الذي شاقه المورد، وأولع بالقرآن، فكان لسانه لا يفتأ رطباً بآياته البينات، وتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى غدا ألزم له من ظله، ونذر نفسه للعمل للجنة حتى بشَّره بها النبي صلى الله عليه وسلم بشارة ذاعت بين الصحابة، وليس من السهل أن تنتقل من دين إلى دين، لكن الإسلام أقوى من كل شيء، والإيمان أقوى من كل شيء، والإنسان ليس منفعلاً، بل فاعلاً، ليس ابن بيئته، ولا ابن وراثته، ليس ابن أبويه، ولا ابن محيطه، ولا ابن معطياته، ولكنَّه ابن نفسه، وابن قناعته، قال تعالى:

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ)

[سورة لقمان الآية: 21]

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ)

[سورة المائدة الآية: 104]

وكانت لهذه البشارة قصة رواها قيس بن عبادة وغيره:
كنت جالساً في حلقة من حلقات العلم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة،
وكان في الحلقة شيخ تأنس به النفس، ويستروح به القلب، فجعل يحدث الناس حديثاً حلواً مؤثراً، فلما قام قال القوم: من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، قلت من هذا؟ فقالوا: عبد الله بن سلام، فقلت في نفسي: والله لأتبعنه، فتبعته، فانطلق حتى كاد أن يخرج من المدينة، ثم دخل منزله، فاستأذنت عليه فأذن لي، قال: ما حاجتك يا بن أخي؟ قلت: سمعت القوم يقولون عنك لما خرجت من المسجد: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، فمضيت في إثرك لأقف على خبرك، ولأعلم كيف عرف الناس أنك من أهل الجنة؟.
قال: بينما أنا نائم ذات ليلة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني رجل فقال لي: قم، فقمت، فأخذ بيدي فإذا أنا بطريق عن شمالي، فهممت أن أسلك فيها، فقال لي: دعها فإنها ليس لك، فنظرت فإذا أنا بطريق واضحة عن يميني، فقال لي: اسلك هذه، -المؤمن مسدد، والدليل القرآني قال:

(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)

[سورة الكهف الآية: 13]

الهدى الأول: الهدى العام، هدى الحواس، والقدرات التي أودعها الله بالإنسان.
الهدى الثاني: هدى الوحي.
الهدى الثالث: هدى التوفيق.
الهدى الرابع: الدخول إلى الجنة، قال تعالى:

(سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ)

[سورة محمد الآية: 5-6]

قال: اسلكها، فسلكتها، حتى أتيت روضة غناء واسعة الأرجاء، كثيرة الخضرة، رائعة النضرة، وفي وسطها عمود من حديد، أصله في الأرض، ونهايته في السماء، وفي أعلاه حلقة من ذهب، فقال لي: ارقَ عليَّ، قلت: لا أستطيع، فجاءني وصيف فرفعني، فرقيت حتى صرت في أعلى العمود، وأخذت بالحلقة بيدي كلتيهما، وبقيت متعلقًا بها حتى أصبحت، فلما كانت الغداة أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصصت عليه رؤياي،
عَنْ قَيْسِ ابْنِ عُبَادٍ، قَالَ:

كُنْتُ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الْخُشُوعِ، فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزَ فِيهِمَا ثُمَّ خَرَجَ وَتَبِعْتُهُ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ حِينَ دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ، قَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ، رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ ذَكَرَ مِنْ سَعَتِهَا وَخُضْرَتِهَا وَسْطَهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارْقَ، قُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ فَأَتَانِي مِنْصَفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَاهَا فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقِيلَ لَهُ: اسْتَمْسِكْ فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قَالَ: تِلْكَ الرَّوْضَةُ الْإِسْلَامُ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى فَأَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ، وَذَاكَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ

[متفق عليه، أخرجهما البخاري ومسلم عن قيس ابن عباد في صحيحهما]

موضوع الإيمان أكبر بكثير من أن يهتز، ترى في بعض المركبات التي لها مقطورة وقاطرة عروة، وهناك معامل متخصصة في صنعها، لأنها تجر ثلاثون طنًا، من سبائك معينة، ومن خلائط معينة، ولو أنها تفلتت لحدثت كارثة كبيرة جداً، فهي عروة متينة حقًّا، قال تعالى:

(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

[سورة البقرة الآية: 256]

المؤمن ارتباطه بالدين ارتباط مصيري، ولا شيء في الأرض يزعزعه، ولا شيء يثنيه عن خط سيره، والنبي عليه الصلاة والسلام، قال:

والله يا عمّ، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه

معاني القصة:

فهذه القصة تروي كيف كان هذا الصحابي الجليل؟ كان يهودياً، وكان حبراً من أحبار اليهود، وكيف أن انتقال الإنسان من دين إلى دين شيء صعب جداً، وسوف يلاقي عِداءً وحقداً، وربما قتالاً، ومع ذلك فإيمانه كان أكبر، والهدى الذي عرفه كان أقوى من كل معطيات البيئة؟ فهذا الذي يزعم أن بيئته صعبة، وهو ناشئ في بيئة معينة، وظروفه صعبة وقاسية، وأهله فيهم شدّة وغلظة، هذا الكلام مرفوض تماماً، والإنسان إذا عرف الله عز وجل حقًّا يهون أمام هذه المعرفة كلُّ شيء، وأمام طاعة الله لا يعبأ بشيء، وإليكم هذا الدليل، قال تعالى:

(قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى)

[سورة طه الآية: 71]

كانوا موعودين، وكانوا بمناصب رفيعة جداً، قال تعالى:

(وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)

[سورة الأعراف الآية: 113-114]

وعندما آمنوا، قالوا له:

(قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)

[سورة طه الآية: 72-73]

فهذا الصحابي الجليل حجة على كل من يزعم أن بيئته صعبة، ويقول: معطياتي صعبة، ونشأت في بيئة معينة، وأنا على دين كذا، فهذا مرفوض.
وأنا أعرف رجلاً ترك طريق الدين وانحرف، لأن مصلحته فيها معصية، فآثر مهنته ومصلحته على دينه، ولو أنه غيرها لرزقه الله من فوقه ومن تحت رجليه، ولكنَّه ما عرف الله عز وجل في حياته فهوى.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – رجال حول الرسول – الدرس (24-50) : سيدنا عبد الله بن سلام
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-03-22 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس