الأخوة الإيمانية

بسم الله الرحمن الرحيم

1 ـ لا ينفع نسب بلا إيمان:

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسيدنا سعد بن أبي وقاص، وسيدنا سعد بن أبي وقاص صحابي جليل، هو الصحابي الوحيد الذي قال له النبي يوم أحد:

ارْمِ سَعْدُ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي

[الترمذي، ابن ماجه عن سعد]

وهو الصحابي الوحيد الذي إذا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم حيّاه وداعبه، وقال له:

هَذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ

[الترمذي عن جابر]

هذا الصحابي الجليل ذاته، قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

يا سعد، لا يغرَّنَّك أنه قد قيل: خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينهم وبينه قرابة إلا طاعتهم له

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأقول لكم: لو أن رجلاً عاصر النبي صلى الله عليه وسلم، واستطاع بذكاء حاد وحُجة قوية، وطلاقة لسان أن ينتزع من فم النبي صلى الله عليه وسلم حكماً في خصومة لصالحه، وهو ليس محقاً لا ينجو من عذاب الله، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ

[البخاري]

فالشريعة عدل كلها، مصالح كلها، رحمة كلها، فكل قضية خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى القسوة، ومن المصلحة إلى خلافها، فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.

2 ـ الناس من طبيعة نفسية وفطرة واحدة:

image
أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، الناس مهما اختلفت أعراقهم، وبيئاتهم، ومستوياتهم، وأحوالهم هم من طبيعة نفسية واحدة، قال تعالى:




(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ )

[سورة الأعراف]

ولهم فطرة واحدة، قال تعالى:

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

[سورة الروم]

ولهم جبلة واحدة، فقد ورد في الحديث القدسي:

يا داود، ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جُبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها

[حديث قدسي رواه البيهقي عن عمير بن وهب]

3 ـ الشرع جاء ليحافظ على الأخوة الإيمانية:

فمن لوازم هذه الخصائص المشتركة التي يلتقي عندها بنو البشر أن تسود الأخوة الإنسانية فيما بينهم، لكن الناس وحينما تتحكم أهواؤهم في تصرفاتهم، وتحملهم شهواتهم المستعرة على أخذ ما ليس لهم من أموال الناس، والعدوان على أعراضهم، وتأتي قوى الشر، وعلى رأسها الشيطان لينزغ بينهم، ويوقع العداوة والبغضاء فيما بينهم، عندها تنعدم الأخوة والتعاون، ليحل محلها فيهم العداوة والبغضاء والعدوان.
image

لقد جاء التشريع الإلهي؛ إنْ في الكتاب أو في السنة يحضُّ على الحفاظ على هذه الأخوة الإنسانية، والعمل على تنميتها منطلقاً من وحدة البنية النفسية لبني البشر، ومن أن الإنسان يتكامل في حاجاته الأساسية والثانوية مع أخيه الإنسان، قال تعالى:


(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

[سورة الحجرات]

أما أخوة الإيمان فهي أصل من أصوله وألزم لوازمه، والمظهر الصارخ له، وقد قرر القرآن الكريم هذا الأصل الكبير في العلاقة بين المؤمنين، فقال جلَّ من قائل:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)

[سورة الحجرات]


image
وللمفسرين عند هذه الآية وقفات متأنية، جملة اسمية ركناها المبتدأ والخبر، ومن شأن التركيب الاسمي الثبات والاستمرار، ومن شأن التركيب الفعلي الحدوث والانقطاع، في الأعم الأغلب.
و “إن” في صدر الآية تفيد تأكيد الأخوة بين المؤمنين، و “إنما” أداة قصر وحصر، تفيد أن المرء ما لم يشعر بالانتماء لمجموع المؤمنين، وما لم يشعر بالإخوة الصادقة بينه وبينهم فليس مؤمناً على قول، وليس كامل الإيمان على قول آخر، والمؤمنون في الآية إخوة، وليسوا إخواناً، أي أن العلاقة بينهم ترتقي إلى أمتن علاقة، وهي أخوة النسب، بل تفوقها في أكثر الأحيان، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

رب أخ لك لم تلده أمك

أما العداوة، والبغضاء، والتنافس، والحسد فهي علاقات مَرَضية بين المؤمنين، يجب إصلاحها، لذلك قال تعالى:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)

[سورة الحجرات]

4 ـ الأخوة الإنسانية:

لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ

[رواه البخاري، ومسلم عن أنس]

وحتى يكره له ما يكره لنفسه، وقد ذكر بعض شُرَّاح الحديث أن كلمة أخيه في الحديث لم تُقيد بصفة تحدُّ إطلاقها، والمُطلق في النصوص المحكمة على إطلاقه.
إذاً فالأخوة التي قصدها المصطفى صلى الله عليه وسلم هي الأخوة الإنسانية، ويؤكد هذا قوله الآخر:

الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللهِ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ )

[رواه الطبراني وأبو نعيم والبيهقي البزار عن أنس]

5 ـ الشرع نهى عن كل ما يقوّض الأخوّة كالعداوة وأسبابها:

image

والبيان الإلهي نهى عن كل ما يُقوّض هذه الأخوة بين المؤمنين فنهى عن السخرية، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والتجسس، والغيبة فقال تعالى:



(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ(11)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)

[سورة الحجرات]

والبيان النبوي نهى أيضاً عن أسباب العداوة والبغضاء والتي تُضعف الأخوة بين المؤمنين أو تهدمها، فقد ورد ذلك في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَخُونُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ، التَّقْوَى هَا هُنَا، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ

[رواه البخاري ومسلم، واللفظ للترمذي]

ولا شك أن النفي في هذه الأحاديث أبلغ من النهي، وأن التركيب الخبري آكد في البلاغة من التركيب الإنشائي.
ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعاطي أسباب العداوة والبغضاء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا

[رواه البخاري ومسلم وغيرهما]

6 ـ الشيطان يسعى إلى الإفساد بين المؤمنين:

بل إن الشيطان حينما ييأس أن يُعبد غير الله في الأرض يتجه إلى التحريش بين المؤمنين، وإيقاع العداوة والبغضاء فيما بينهم، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ

[مسلم]

وقد نُدهش حينما نرى النبي صلى الله عليه وسلم يُبين أن فساد الأخوة بين المؤمنين هي من الخطورة حيث تُفسد عليهم دينهم، وتقطع صلتهم بربهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم:

إِيَّاكُمْ وسُوءَ ذَاتِ البَيْن، فَإِنَّهَا الحَالِقَةِ

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: العقيدة – الخطبة الإذاعية (23) : خ1 – الأخوة الإيمانية ، خ2 – الجانب العملي للأخوة الإيمانية.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-01-17 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس