5099

السخرية

بسم الله الرحمن الرحيم

image
موضوعات السخرية على أشكال، فأحياناً الفقر، وأحياناً ضَعْف المعلومات، فالعالِم في اختصاص معيَّن يسخر من الجاهل، والغني يسخر من الفقير، والقوي من الضعيف، والوسيم من الدميم، والصحيح من المريض، وهذه الموضوعات التي هي موضوعات السخرية هذه موضوعاتٌ لا قيمة لها عند الله، وليست هي المرجِّحة بين عباد الله، ولذلك قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً)

قد يتوهّم الغني أنه أفضل عند الله من الفقير، والحقيقة أنّ الفقير الذي لا يملك شيئاً من حطام الدنيا قد يكون له مقامٌ عند الله يفوق بآلاف المرات هذا الغني، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

أهلاً بمن خبَّرني جبريل بقدومه (وكان صحابيّاً فقيراً) قال: أو مثلي؟ قال: نعم يا أخي خاملٌ في الأرض علمٌ في السماء

image
خطأ كبير أن يظن الإنسان نفسه أنه غني والفقير ليس له قيمة عند الله عزَّ وجل، فهذا الذي تراه فقيراً، وبيته صغير، ودخله قليل، وأثاثه خشن، وطعامه رخيص، ولباسه خشن، وقد لا يكفيه دخله لثمن طعامه، هذا ربَّما كان أقرب إلى الله من الغني، وربَّما كان أكرم على الله من الغني، والعبرة بخواتيم الحياة لا ببداياتها.

(وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)

[سورة الأعراف]

وقد يوجد إنسان قوي أي يتحرَّك حركة فيهُز الآخرين بحركته، ومع ذلك قد يكون المستضعف أكرم على الله منه، وأقرب إلى الله منه، فلا القوَّة ولا الوسامة ولا الذكاء يرفعك عند الله، ولا الشهادات العُليا ترفعك عند الله، وأحياناً يكون العلم المادي العصري الذي هو من حظوظ الدنيا، ففلان معه دكتوراه دولة ودائماً يحب أن يُنادَى به، فإذا لم يُنادَ به فقد يتألَّم أشدَّ الألم، إلا أنك قد تجد إنسانًا لا يحمل هذه الشهادة ولكنه مستقيمٌ على أمر الله، وهذا الذي يحمل هذه الشهادة ليس ملتزماً، لكن من هو العالِم عند الله ؟

كفى بالمرء علماً أن يخشى الله وكفى به جهلاً أن يعصيه

[أخرجه الدارمي عن مسروق]

فالعاصي مدموغ بالجهل، والطائع مدموغ بالعلم، العالم طاعته شهادته، والعاصي معصيته دليل جهله، فلذلك:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ)

من رأى عاصياً عليه أن يحمد الله أن هداه للإيمان و يدعو له بالتوبة:

الآن يوجد موضوع جديد، حتى لو كنت مقيماً على طاعة الله ورأيت إنسانًا مبتلى بمعصية، فأنت الآن طائع وهو الآن يعصي، ولو زهوت بطاعتك واحتقرت هذا الإنسان وهذه المعصية، ونسيت أن الله سبحانه وتعالى أكرمك بالهُدَى وأعانك على طاعته، وأن هذا المبتلى قد يتوب وقد يسبقك بآلاف الخطوات، حتى المؤمن إذا رأى عاصياً لا يحتقره بل يقول: أرجو الله أن يهديه، ولو لم يتفضَّل الله عليَّ لكنت مثله، ولذلك فالنبي الكريم علَّمك إذا رأيت مبتلىً أن تقول:

الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً من خلقه

ولكن دون أن تسمعه هذا الكلام، ففي إسماعه لهذا الكلام كسرٌ لقلبه، وعلى كلٍّ فالنبي الكريم يقول:

الذنب شؤمٌ على غير صاحِبِه إن تكلَّم به فقد اغتابه، وإن أقرَّه فقد شاركه في الإثم، وإن عيَّرَهُ ابتلي به

[الجامع الصغير عن أنس بسند فيه ضعف]

image


وحتى لو رأيت عاصياً يجب أن تحمد الله عزَّ وجل أن هداك للإيمان وأن أعانك على طاعته، وأن تدعو له بالتوبة والطاعة لله عزَّ وجل، هذا هو المؤمن.


موضوع السخرية موضوع فيه شرك بالله و تجبّر على عباده:

وبصراحة أقول لكم: جنس السخرية عند المؤمن غير موجود، حتى إنه لا يسخر ممن يعصي الله، فموضوع السخرية في الأساس موضوع فيه تَجَبُّر، وفيه شرك بالله عزَّ وجل، واعتزاز بالنفس، وعنصر السخرية أصلاً لا يدخل في حياة المؤمن، لا يسخر من فقير إذا كان غنيَّاً، ولا من ضعيف إذا كان قويَّاً، ولا من دميم إذا كان وسيماً، ولا من مريض إذا كان صحيحاً، ولا ممن لا يحمل شهاداته إذا كان متعلِّماً، ولا ممن يقع في ذنبٍ أمامه إذا كان هو مستقيماً، لكنه يرى فضل الله عليه دائماً.
وأقول لكم هذه الكلمة: السخرية جملةً وتفصيلاً في كل مستوياتها، وفي كل مناحيها، وفي كل موضوعاتها لا يمكن أن تدخل في حياة المؤمن، ولا يسخر أبداً لأنه يعلم أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وأن هذا الذي سَخِرَ منه ربما رفاقه.
ومرَّة كان رجلٌ يملك من المال ما لا سبيل إلى حصره، تقدَّم مهندس وسيم الطلعة وأخلاقه عالية لخطبة ابنته، فقال ساخراً: كم دخلك ؟ فاستقلَّ دخله ورفض أن يزوِّجه ابنته.. والقصَّة رواها لي والله أخٌ صادق وقد وقعت في هذه البلدة ولا سبيل إلى تفاصيلها.. ولم يمض أربعة أو خمسة أعوام حتى اضطر هذا الغني أن يعمل عند هذا المهندس موظَّفاً، ثم توسَّط له من شَجَّعه على خطبة ابنته، والله عزَّ وجل بترتيب معين كانت له مشاريع ومعامل، فبقرار واحد أُلغيت وعليه نفقات كبيرة جداً والتزامات كبيرة، فالالتزامات فوق كل أملاكه فوقع في عجز كبير وأعلن إفلاسه، ثم بحث عن هذا الخاطب قبل أربع سنوات لعلَّه يخطب ابنته، فخطبها وتزوَّجها وعمل هذا العمُ عند صهره موظَّفاً.

(لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ)

الله كبير.

الإنسان العاقل لا يسخر من أحد حتى ممن يعصي الله فلعل الله يتوب عليه :

أيها الأخوة… مرَّةً ثانية: السخرية مرفوضة في حياة المؤمن، حتى في موضوعات الدين لا تسخر ممن يعصي الله فلعلَّ الله يتوب عليه، ولعلَّه يسبق الساخر، وطبعاً هي معصية وأنت في طاعة، ولكن بدل من أن تسخر اشكر الله عزَّ وجل على أن هداك إليه وأعانك على طاعته، وبدل من أن تسخر ادعُ له بالتوبة، وتوجَّه لنصحه، وجنس السخرية لا يمكن أن يدخل في قاموس المؤمن في كل موضوعاتها، وفي كل مستوياتها، والسخرية تَجَبُّر وشِرْكٌ، فما معنى كونها شركًا؟ أي أنت بذكائك حصَّلت ما حصَّلت إليه ؟ لا، بل بفضل الله عزَّ وجل، ماذا قال قارون ؟ قال:

(إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)

[سورة القصص: آية ” 78 “]

هذا هو الشرك، فمن الذي يسخر ؟ من غاب فضل الله عنه، يرى جهده، وذكاءه، وعمله الدؤوب، وماضيه الطويل، وخبراته المتراكمة، هذا الذي يسخر، أما الذي يرى فضل الله عليه فلا يسخر بل بالعكس إنه يشكر، والشكر مكان السخرية، والنُصْح مكان السخرية، اشكر الله على ما أنت فيه، وانصح وادعُ لهذا الذي تراه أقلَّ منك، وهذا نهي في القرآن الكريم، آية صريحة.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً)

المؤمن الحقيقي هو المؤمن الذي يبعد عنه السخرية و تعليقاتها:

image
تروي كتب الأدب أن رجلاً غنياً جلس مع زوجته يأكلان دجاجاً، طُرِقَ الباب، ففتحت الزوجة الباب فرأت متسوّلاً، همَّت أن تعطيه من هذا الطعام شيئاً فنهرها زوجها ووبَّخها وقال: اطرديه، وبعد حين ساءت العلاقات بين الزوجين فطلَّقها، وتزوجت بآخر فكان غنياً، ومرَّةً كانت مع زوجها الثاني يأكلان الدجاج فطرق طارقٌ، فذهبت لتفتح الباب فوجَمَت، قال: ما لكِ ؟ قالت: لا شيء، قال: قولي، قالت: أتدري من الطارق ؟ إنه زوجي الأول، قال: وهل تدرين من أنا ؟ إنني السائل الأول، فالله عزَّ وجل قادر أن يجعل الفقير غنياً، فإذا أعطى أدهش، وإذا سلب أدهش، وأحياناً يُدهِش بالعطاء ويُدهِش في السلب، أحياناً شخص لا تعبأ به وقد يصبح في منصب كبير جداً، وأنت عنده تعمل، فالمؤمن لا يسخر.
لا يسخر قويٌّ من ضعيف، ولا غنيٌّ من فقير، ولا صحيحٌ من مريض، ولا وسيمٌ من دميم، هذه الوسامة بحادث بسيط يصير الإنسان مشوَّهاً، فأين جماله ؟ ولا صحيحٌ من سقيم، ولا غنيٌّ من فقير، ولا عالِمٌ من جاهل، فالجاهل علِّمه، ولكن إياك أن تسخر منه، هناك جبابرة العلماء إذا سألهم واحد سؤالاً فيمطرونه سخريةً، فما هذا السؤال ؟ أنت اشكر الله على أن علَّمك وزكِّ عن هذه النعمة بتعليم هذا الإنسان، فالسخرية وتعليقاتها لا يمكن أن تكون داخلةً في حياة المؤمن، أيسخر ؟ فمعنى هذا أنه مشرِك، أيسخر فهو متجبّر، وهل يسخر ؟ فيتجاهل أن الله بيده كل شيء، وأنه يجعل الفقير غنياً والغني فقيراً، والمريض صحيحاً والصحيح مريضاً.

كل إنسان يعتز بشيء ويحتقر ما عند الآخرين يقصمه الله عزَّ وجل:

وقصة ليست في بلادنا بل في بلاد الغرب.. إنه رجل يؤمن أن الجري هو كل شيء، مات وهو يجري، والجري عنده الصحة كلُّها، فالجري مفيد جداً، أما أن تعبده من دون الله فلا، فكان حتفه في الجري، فكل إنسان يعتز بشيء ويحتقر ما عند الآخرين يقصمه الله عزَّ وجل.

الكبرياء إزاري والعظمة ردائي فمن نازعني فيهما شيئًا قصمته ولا أبالي

[أخرجه أبو داود و ابن ماجه و أحمد عن أبي هريرة]

سيدنا عمر بن الخطاب بلغه أن أحد الأشخاص الذين كانوا معه ذهب إلى بلاد الشام وشَرِبَ الخمر وتنصَّر… الخ، فما سخِرَ منه بل أرسل له كتاباً رقيقاً وقال له:

أما بعد ذكَّره بربه

(غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ)

[سورة غافر: آية ” 3 “]

أحمد الله إليك..

فهذا الذي يشرب الخمر وشرد عن أمر الله عزَّ وجل يقرأ ويبكي إلى أن تاب الله عليه، فالمؤمن عنده رحمة وتواضع، وعنده شعور أن فضل الله عليه كبير، ألا تقرؤون قول الله تعالى:

(وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)

[سورة النساء]

الله علَّمك وعلِّمه، ورفع شأنك فخذ بيده إليك.

من أراد محبة الناس عليه ألا يسخر منهم:

حاطب بن بلتعة ارتكب خيانة عُظمى، فقال سيدنا عمر:

يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق

فقال له:

لا يا عمر إنه شَهِدَ بدراً

فجاء بحاطب وقال:

يا حاطب ما حملك على ما فعلت

قال له: والله يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت، ولكن أردت أن يكون لي صنيعة عند قريش أحمي بها مالي وأهلي، والله (أعادها ثانيةً) ما كفرت ولا ارتددت، فالنبي قال:

إني صدقته فصدِّقوه ولا تقولوا فيه إلا خيراً

image
أنهضه من عثرته، وأقاله من كبوته، ثم حسن إسلامه وأرسله مندوباً شخصياً له إلى بعض الملوك، أنت بالسخرية يصبح الطرف الآخر عدوًّاً لك، ولكن بالنصح يحبّك، ولا يوجد شيء يبعد النفوس كالسخرية، والنصح يقرِّب النفوس، فإذا أردت أن يحبك الناس فإياك أن تسخر منهم، ولا تسخر أبداً لعلَّه أفضل منك عند الله.

السخرية علامة جهل وشرك وتجبُّر :

مرَّة كنَّا في عرفات قبل أعوام، قال أحد الخطباء في عرفات: لعلَّ واحداً منكم ممن لا يؤوبه له غفر الله له وبمغفرته غفر لنا، هناك أشخاص ربما كانوا عند الله في مقام عالٍ وأنت لا تعرفهم، فإياك أن تسخر من أحداً، السخرية علامة جهل وشرك وتجبُّر، وتوجد آية صريحة.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: التفسير المطول – سورة الحجرات 049 – الدرس (3-6): تفسيرالآيات 8-10، حرص المؤمن دائماً على وحدة المؤمنين و سمعتهم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-04-28 | المصدر
تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس