من شمائل النبي حلاوة منطقه

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع شمائل النبي صلى الله عليه حلاوة منطق النبي عليه الصلاة والسلام.
فقد كان عليه الصلاة والسلام حلو المنطق ، لأن الدعوة أساسها المنطق ، وأساسها الكلام الموزون ، وأجمل ما في الرجل فصاحته ، وأجمل ما في الآداب ضبط اللسان ، ولا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، فمن سمات المؤمن ضبط اللسان.

كلامه لا يخدش حياءً

فعَنِ ابْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ أُسَامَةَ قَالَ :

كَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَاهَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسْ الْقُبْطِيَّةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا

لم يقل : ساقها ، لم يقل الكلمات الثانية ، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام ينتقي أعف الكلمات، حيث لا يخدش حياء المستمعين ، وهذا أدب قرآني ، قال لي أحدهم : ما حكم كذا ؟ ـ سلوك جنسي ـ قلت له :
قال الله عز وجل في القرآن الكريم:

(ِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ)

[سورة المؤمنون]

فكل الانحرافات في هذه الكلمة ، وهذه الكلمة لا تخدش حياء طفل ..
وقال:

(أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً)

[النساء : من الآية 43]

وقال:

(فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً)

[سورة الأعراف : من الآية 189]

المؤمن لا يتكلم كلمات تخدش الحياء

تغشاها ، فأنت انظر إلى الآيات التي تشير إلى العلاقة الزوجية في القرآن ، كلمات لطيفة ورائعة، كلمات لا تخدش الحياء ، فأنت لا تتكلم بكلمات أمام أولادك ، ولا أمام إخوانك ، ولا أمام من هم صغار، كلمات تخجل ، تصف العلاقات الزوجية ، تتكلم كلام يستحيا منه ، فهذا ليس من صفات المؤمن.

المؤمن لا يمزح مزجاً فاحشاً

أنا أقول لكم ملخصًا : الذي عنده مزح فاحش ، هذا المزح الفاحش يقلل من إيمانه ، هذا إذا لم يكن يعبر عن ضعف إيمانه أو عن انعدام إيمانه ..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ

[من سنن الترمذي : عن عبد الله]

والحقيقة تجد من المؤمن أدب يلفت النظر بكل المصالح ، والمعامل ، والمحلات ، فإذا التقى مؤمنًا ، فليس عنده كلمة مغشوشة ، ومزحة سافلة ، لأنّ هذا يتنافى مع أخلاقه .

حسن الكلام ، إذا تكلم أخذ بمجامع القلوب والعقول ، وإذا تكلم خرج النور من بين ثناياه

فكان عليه الصلاة والسلام حلو المنطق ، حسن الكلام ، إذا تكلم أخذ بمجامع القلوب ، وسبى الأرواح والعقول ، وإذا تكلم خرج النور من بين ثناياه ،
فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ

[الدارمي]

كلامه لطيف، متصل وفيه سيولة ، وبحة خفيفة

إنه كلام لطيف، كلام متصل وفيه سيولة ، وبحة خفيفة ، فكان النبي حلو المنطق.

وعن أبي قرصافة أنه قال : لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأمي وخالتي ، ورجعنا من عنده منصرفين، قالت لي أمي وخالتي :
يا بني ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن منه وجهاً ولا أنقى منه ثوباً ، ولا ألين كلاماً ، ورأينا كأن النور يخرج من فيه صلى الله عليه وسلم

[الطبراني في الكبير(2518)]

وكان عليه الصلاة والسلام أفصح خلق الله لساناً ، وأوضحهم بياناً ، أوتي جوامع الكلمة ، وبدائع الحكم ، وقوارع الزَجر ، وقواطع الأمر، والقضايا المحكمة ، والوصايا المُبرمة ، والمواعظ البليغة ، والحجج الدامغة ، والبراهين القاطعة ، والأدلة الساطعة .

المؤمن يهتم لما يُقال أمامه من حِكم

فأنت كمؤمن عليك بالمنطق ، واللغة ، والفصاحة ، والنصوص ، وأنا لا أعتقد مؤمنًا لا يسجل ما سمع ، سمع حكمة والله شيء جميل ، لِمَ لَم تكتبها لتحفظها ، فإذا أردت أن تحفظ فاكتب ، ولمجرد أن تكتب فاحفظ ، فالإنسان لما يهتم ، فأنا أنصح كل الناس بوضع دفتر صغير في جيبه ، أحياناً وهو يركب سيارة عامة سمعت تعليقًا ، أو حكمة فسجِّلها ، وكلَّما سجلت ، وبوَّبت ، وصنفت ، فإذا قرأته فهذا كتاب بمكتبتك ، انتهى العام الدراسي باع الكتب ، فما هذا الكلام ؟ هذه مكتبة ، كتاب قرأته احتفظ به ، تصفحه من حين إلى آخر ، قرأت كتاب اعمل تعليقات ، اعمل حواشي ، اعمل خطوطًا حينما تجعل الخطوط ، والتعليقات ، والحواشي تحفظ ، فإذا حفظت ألقيت ، هذا نص قرأته فأعجبك ، فاحفظه ، وأول لقاء تكلم فيه ، على مرتين حفظته نهائياً .

أُوتِيتُ فَوَاتِحَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَقُولُ :

خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا كَالْمُوَدِّعِ فَقَالَ أَنَا مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ قَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَا نَبِيَّ بَعْدِي أُوتِيتُ فَوَاتِحَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ وَعَلِمْتُ كَمْ خَزَنَةُ النَّارِ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ وَتُجُوِّزَ بِي وَعُوفِيتُ وَعُوفِيَتْ أُمَّتِي فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا مَا دُمْتُ فِيكُمْ فَإِذَا ذُهِبَ بِي فَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ أَحِلُّوا حَلَالَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ

[رواه أحمد]

نهى النبي عن التشدق بالألفاظ

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال:

أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ فَقَرَأَهُ على النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ فَقَالَ أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا ـ أي الشريعة ـ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي

[أحمد]

المتهوكون هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكلام ، فلا توجد فصاحة ، والتقعر تشدق بالألفاظ ، فكن فصيحً ، وكن طبيعيًّا ، وأتقن اللغة من دون تقعُّر ، ومن دون تكلُّف ، ومن دون تزمت .

أتاه الله جوامع الكَلم

قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَبَيْنمَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي

[متفق عليه]

كان يخاطب الناس بلهجاتهم

مرة جاءه وفد وسأله عن الصيام ، فتكلم النبي لفصاحته بلغة أو بلهجة هذا الوفد ، فلما سئل :” هل من أمبر أمصيام في أمسفر ؟ فقال : ليس من أمبر أمصيامٌ في أمسفر “،. أي ليس من البر الصيام في السفر ، فكان يتكلم بلغة السائل ، وهذا من فصاحته .
بجهات الجنوب ، يقول أحدهم للآخر : أنطِه حقه ، أي أعطه ،
فلما سأل واحد النبي اللهم صل عليه وهو عطية بن عروة السعدي الذي قال :

حدثني أبي أن أباه أخبره قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من بني سعد بن بكر وكنت أصغر القوم فخلفوني في رحالهم ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى من حوائجهم ثم قال : هل بقي منكم من أحد قالوا : نعم خلفناه في رحالنا ، فأمرهم أن يبعثوا إلي ، فأتوني فقالوا : أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتيته ، فلما رآني قال : ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئا ، فإن اليد العليا هي المنطية ، وإن اليد السفلى هي المنطاة ، وإن مال الله تعالى لمسؤول ، ومنطي
قال : فكلمني رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغتنا .

[الحاكم في المستدرك(7930 )]

هذه القبيلة تلفظ العين نوناً ، وهذه القبيلة موجودة فكان عليه الصلاة والسلام يخاطب الأقوام بلهجاتهم .

لم يكن يسرد الحديث سرداً عادياً

فعَن عَائِشَةَ قَالَتْ :

أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْمِعُنِي ذَلِكَ وَكُنْتُ أُسَبِّحُ فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ

[رواه مسلم]

كلمةً كلمة ، والحديث فن ، فهذه قدرة بالإنسان اسمه : المتحدث اللبق ، كلمة كلمةً ، ووضوح ، وسهل ممتنع ، وجمل متينة ، وفكرة مع الدليل ، ودليل مع الشاهد ، وتطور ، وموازنة ، ومحور انتقال واحد ، فكلما راعى الإنسان اللغة والمنهج والوضوح والدليل صار في انجذاب إلى اللغة .
وفي روايةٍ عن عائشة :

إنما كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهماً تفهمه القلوب

[مسند أبي يعلى الموصلي(4393)]

فإذا كان الإنسان حريصًا على نقل الحق للناس ، كان حريصًا أيضاً على استيعاب أصول الحديث .
وكان كلامه فصلاً يفهمه كل من سمعه ، وكلما ضعفت القدرة اللغوية عندك أصبح كلامك معقدًا ، والتعقيد في الكلام دليل ضعف اللغة ، أو دليل اضطراب في المعني ، والمعاني المضطربة في نفس المتكلِّم أو ضعف اللغة يظهران بشكل تركيب معقَّد ، ولكن المعاني الواضحة والفصاحة التي يتمتع بها المتكلم تجعل كلامه سهلاً واضحاً ، وهذا الكلام سماه علماء البلاغة السهل الممتنع ، فعجيب إذًا هذا الكلام ، فهذا الكلام السهل الممتنع يظنه الضعيف بسذاجةٍ أنه يحسن مثله ، وهو أبعد إليه من السماء ، إنه السهل الممتنع .
عن أنسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم :

كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا ـ وضح في كلمات دقيقة مفصلة ، أعادها مرة ، ومرتين وثلاثا حتى تفهم عنه ـ وكان صلى الله عليه وسلم يتكلم بكلامٍ فصلٍ لا هذرٍ ولا نذرٍ ويكره الثرثرة في الكلام والتشدق به وكان صلى الله عليه وسلم يكره التنطع في الكلام والتكلف في فصاحته.

قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

إِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْبَلِيغَ مِنْ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ الْبَقَرَةُ

[الترمذي ، وأبو داود]

فكل شيء له حد معتدل ، أكثر تقعر .

لا يُطيل الكلام

ومن أروع ما قيل في النبي عليه الصلاة والسلام ” كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب لا يخل ولا يمل ”
فأحياناً هناك إيجاز مخل ، و إطناب ممل ، فكان إذا خطب لا يخل ولا يمل .

وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا – معتدلة – وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا – أي وسطاً

[رواه مسلم]

صلاته معتدلة وخطبته معتدلة ..
وكان عليه الصلاة والسلام لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هي كلماتٌ يسيرة .
عَن الْحَكَمِ بْنِ حَزْنٍ الْكُلَفِيُّ قَالَ :

وَفَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابِعَ سَبْعَةٍ أَوْ تَاسِعَ تِسْعَةٍ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ زُرْنَاكَ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا بِخَيْرٍ فَأَمَرَ بِنَا أَوْ أَمَرَ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّأْنُ إِذْ ذَاكَ دُونٌ فَأَقَمْنَا بِهَا أَيَّامًا شَهِدْنَا فِيهَا الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ كَلِمَاتٍ خَفِيفَاتٍ طَيِّبَاتٍ مُبَارَكَاتٍ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَنْ تُطِيقُوا أَوْ لَنْ تَفْعَلُوا كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا

هذا هو الصدق ، التقى الإخلاص والتطبيق مع الكلام القليل البليغ ، إنه أبلغ ألف مرة من كلام مُسهب بتفاصيل وجزئيات ولا يوجد تطبيق ،
لذلك قال سيدنا الصديق :

إيَّاك وكثرة الكلام ، فإن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضًا

أي إذا تحدثت فتحدث في موضوع واحد مركز ، وله مقدمة ، وعرض ، وتشقيق ، مع أدلة ، وشواهد ، وقصة مؤكدة مع خاتمة ، وانتهى الأمر .

رجل عادي ، لطيف ، مرح ، صاحب طُرفة

عن جابر ، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الوحي أو وعظ قلت : نذير قومٍ أتاهم العذاب ، فإذا ذهب عنه كذلك رأيته أطلق اللسان وجهاً وأكثرهم ضحكاً وأحسنهم بشراً .

أي إنه رجل عادي ، لطيف ، مرح ، صاحب طُرفة ، يمزح مع أصحابه ، طليق الوجه ، كثير البِشر، هكذا كان عليه الصلاة والسلام .

إذا وعظ أثَّر في قلوب السامعين

وكان عليه الصلاة والسلام إذا وعظ أثَّر في قلوب السامعين ، وطيَّب نفوسهم ، حتى إنهم لتذرف دموعهم ، وترق وتخشع قلوبهم ، ويرتقي حالهم إلى المشاهدات والمعاينات فلقد كان مجلس النبي اللهم صلِّ عليه مجلس مشاهدة ، وهذا الدليل ، تعرفونه.
عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ:

لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذَاكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ

[رواه مسلم]

القصة لها تتمة ، هذا الصديق الجليل ، الصاحب الأول ، سيد الصحابة قال له : ” أنا كذلك يا أخي ـ تواضع ـ انطلق بنا إلى النبي ” .
عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ :

وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ

[رواه الترمذي]

وقال أسيد بن حضير :
لو أني أكون على أحوالٍ ثلاثة من أحوالي لكنت من أهل الجنة ـ له ثلاثة أحوال لو بقي على أحد هذه الأحوال لكان من أهل الجنة ـ قال : حين أقرأ القرآن ، وحين أسمعه ، وإذا سمعت خطبة رسول الله
أي إنه إذا قرأ القرآن يشعر بحال عظيم ، وإذا استمع إلى القرآن يشعر كذلك ، فبصراحة مؤمن لا يبكي إطلاقاً فقلبه مثل الصخر ؟! ولا يقشعر جلده !! ولا يجل قلبه ؟!

أنت محاسب ماذا تقول

عن مالك بن دينار عن الحسن رضي الله عنه قال :
قال عليه الصلاة والسلام :

ما من عبدٍ يخطب خطبة إلا الله سائله عنها يوم القيامة ما أراد بها

فكان مالك بن دينار إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم يقول :

أتحسبون أن عيني تقر بكلامي عليكم ، وأنا أعلم أن الله عزَّ وجل سائلي عنه يوم القيامة ما أردت به ؟ فأقول : أنت الشهيد على قلبي ، لو لم أعلم أنه أحب إليك لم أقرأ به على اثنين أبداً

فإذا تكلمت عن الله عزَّ وجل ، فالله سيحاسبك ماذا قلت للناس ؟ أنت كذلك ؟ بماذا أمرتهم ، فأتمرتَ بذلك ؟ عن ماذا نهيتهم ؟ فانتهيت عما نهيت عنه ؟
قال عليه الصلاة والسلام :

من تعلَّم صرف الكلام ليسبي قلوب الرجال لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً

يمكن أن تكون ضمن الدين شهوات ، وضمن الدعوة تكون الدنيا والحظوظ ، فإذا تكلم الإنسان ونيته يجمع أنْ الناس ، ويكون حوله ناس يعينونه ، ويحلون له مشاكله ، فهذه نية سيئة ، فحتى في الدعوة إلى الله توجد مزالق خطيرة ..
قال عليه الصلاة والسلام :

من تعلم صرف الكلام ليصرف وجوه الناس إليه فليتجهز إلى النار

وقال عليه الصلاة والسلام :

يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل

[من تفسير ابن كثير : عن أبي هريرة]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة النبويَّة: السيرة – شمائل الرسول 1995 الدرس(03-32): تجمله صلَّى الله عليه وسلَّم لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-10-17 .| المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس