من أخلاق النبي الفكر الصائب والنظر السديد

بسم الله الرحمن الرحيم

الآن نتحدث عن سيرة النبي الإجمالية في مكة

الفكر الصائب والنظر السديد :

كان عليه الصلاة والسلام قد جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات، وكان طرازاً رفيعاً من الفكر الصائب ، والنظر السديد، ونال حظاً وافراً من حسن الفطنة، وأصالة الفكرة، وسداد الوسيلة والهدف وكان يستعين بصمته الطويل .
إخواننا الكرام، بلا مبالغة، ما من شيء يؤثر في الناس كالخُلق الحسن، والكلمة الرائعة التي قالها ابن القيم رحمه الله تعالى :

الإيمان هو الخُلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان

النبي عليه أتم الصلاة والسلام مع أن معه وحي السماء، ومع أنه أوتي المعجزات، ومع كل ميزاته،
قال الله له :

(وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)

[سورة آل عمران الآية : 159]

فمؤمن يصلي، ويدعي أنه قوي الإيمان، ويتعامل مع الناس بغلظة ؟! أو بقسوة ؟! أو بشدة ؟! أو بعدم حكمة ؟! أو أن يؤدي العبادات وينتهك الحرمات ؟! أو أن يأخذ ما ليس له ؟!

الفكر الصائب والنظر السديد هدية الله للمؤمن :

إذاً كان عليه الصلاة والسلام طرازاً رفيعاً من الفكر الصائب، والنظر السديد .
بالمناسبة : الفكر الصائب، والنظر السديد هدية الله للمؤمن، أما الذي انقطع عن الله عزوجل
قال عنه الله تعالى :

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)

[سورة محمد]

قد يرتكب الذكي حماقة ما بعدها حماقة، فالفكر السديد، والموقف السليم والحكمة هذه هدية الله للمؤمن،
قال تعالى :

(وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)

[سورة البقرة الآية : 269]

حكمة النبي عليه الصلاة والسلام :

ونال حظاً وافراً من حسن الفطنة، وأصالة الفكرة، وسداد الوسيلة والهدف كيف ؟
إنسان ثارت حوله مشكلة، وهو النبي الكريم، جاءه زعيم الأنصار، وقال : يا رسول الله، إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، من هذا الفيء الذي منعته من الأنصار فقال : يا سعد، أين أنت من قومك ؟ فقال سعد : ما أنا إلا من قومي، فقال : اجمع لي قومك ، الآن هناك مشكلة، دققوا في حكمة النبي قال :

(( يا معشر الأنصار، بلغتني عنكم وجدة وجدتموها علي في أنفسكم من أجل لعاعة تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم ))

الآن دققوا : النبي عليه الصلاة والسلام بعد فتح مكة، وقد دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، كيف عاملهم ؟ كان بإمكانه كما يفعل الأقوياء، أن ينهي وجودهم، وكان بإمكانه أن يهدر كرامتهم، وكان بإمكانه أن يهملهم، وكان بإمكانه أن يعاتبهم، قال :

((أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصُدِّقتم به،أتيتنا مكذبا فصدقناك، وفقيراً فأغنيناك، وطريدا فآويناك))

ذكرهم بفضلهم عليه، أحياناً تقول للطرف الآخر : أنا أخطأت، سامحني، انتهت المشكلة، وأحيانًا تدخل المحاكم 18 سنة، ولا تنام الليل كل يوم، وتدفع كل أموالك للمحاميين، لأنك أخطأت، وما اعتذرت، هناك حكمة، كلمة لطيفة تنهي مشكلة، حتى بين الزوجين، ارتكبت خطأ لا تقل أنت مخطئة، قل لها : أنا أخطأت، سامحيني، انتهت العملية كلها، فذكرهم بفضلهم عليه، هو قوي جداً، دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، قال :

(( أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصُدِّقتم به، أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فأغنيناك ))

ألم تكونوا أعداء فألف بين قلوبكم، ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله .

(( أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي إلى رحالكم ))

[أخرجه مسلم عن عبد الله بن زيد بن عاصم]

(( لو سلك الناس واديا، وسلك الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار ))

[رواه قتادة عن انس بن مالك]

فبكوا حتى سال الدمع من لحاهم، وقالوا : رضينا برسول الله قسماً وحظا، إن كنت مع الله فأنت حكيم، وإن لم تكن معه ارتكبت حماقة تجرك إلى الويل والخراب .

نفور النبي عليه الصلاة والسلام قبل البعثة من المحرمات والأوثان :

إذاً : نال حظاً وافراً من حسن الفطنة، وأصالة الفكرة، وسداد الوسيلة، وكان يستعين بصمته الطويل على طول التأمل، وإدمان الفكرة، واستهناك الحق، وطالع بعقله الخصب، وفطرته الصافية صحائف الحياة، وشؤون الناس، وأحوال الجماعات، فعافى ما سواها من خرافة، ونأى عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة، من أمره وأمرهم فما وجد حسناً منهم فشاركهم فيه، وإلا عاد إلى عزلته العتيدة، فكان عليه الصلاة والسلام لا يشرب الخمر، ولا يأكل مما ذُبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيداً ولا احتفالا، بل كان من أول نشأته نافراً من هذه المعبودات الباطلة حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان لا يصبر على سماع الحلف باللاة والعزة .
قبل أن تأتيه البعثة، فطرته سليمة، فطرته تأبى أن يعبد صنماً، أو أن يُحلف بإله، أو أن يشرب خمراً، لذلك للنبي عليه الصلاة والسلام ملامح رائعة،
قال رسول الله :

(( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ))

[رواه البخاري عن أبي هريرة]

فإذا أسلم أحد الجاهليين، وكان معروفاً بالشجاعة والكرم، وتلبية حاجات الناس يقول له يا فلان :

(( أسلمت على ما أسلفت من خير ))

[متفق عليه]

ولا شك أن الله سبحانه وتعالى أحاطه بالحفظ، فعندما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متع الدنيا، وعندما يرضى بإتباع بعض التقاليد غير المحمودة تتدخل العناية الإلهية للحيلولة بينه وبينها .
وكان عليه الصلاة والسلام يمتاز بقومه بخلال عذبة، وأخلاق فاضلة، وشمائل كريمة، فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأعزهم جواراً، وأعظمهم حلماً وأصدقهم حديثاً، وألينهم عريكة، وأعفهم نفساً، وأكرمهم خيراً، وأبرهم عملاً، وأوفاهم عهداً، وآمنهم أمانة، حتى سماه قومه الأمين، لما جمع فيه من أحوال الصالحة، والخصال المرضية، وكان كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها :

يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق

مركوز في أعماق الإنسان أن الله لا يضيع مؤمناً :

أعود إلى الفطرة، السيدة خديجة رضي الله عنها قبل أن تأتي البعثة حينما جاءه الوحي، وجاء إلى بيتها، أو إلى بيته، وقال : زملوني زملوني، دثروني دثروني، والله يا ابن العم لا يخزيك الله أبدا، إنك تقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، قبل أن يأتي القرآن، قبل أن يتحدث النبي العدنان، مركوز في أعماق الإنسان أن الله لا يضيع مؤمنا .

كلمة موجهة للشباب : الله لا يضيع مؤمناً

لذلك أيها الإخوة، أنا أخاطب الشباب، الذين في مقتبل حياتهم،
الله عزوجل يقول :

(مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)

[سورة النحل الآية : 97]

وقال :

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)

[سورة الجاثية الآية : 21]

أنا أقول للشباب، إن كنت مستقيماً، محباً، مقبلاً، صادقاً، يجب أن توقن يقيناً قطعياً أن الله لن يضيعك، ولن يخزيك، يعني من سابع المستحيلات أن يعامل المستقيم كالمنحرف، والصادق كالكاذب
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)

[سورة الجاثية]

(أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ)

[سورة السجدة]

(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)

[سورة القلم]

(أمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ)

[سورة القصص]

المؤمن يعتقد اعتقاداً جازماً أن الله لن يضيعه

أيها الإخوة، المؤمن متفائل، والمؤمن يعتقد اعتقاداً جازماً أن الله لن يضيعه، قول السيدة خديجة مذهل : يا ابن العم، والله لن يخزيك الله أبداً، إنك تقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، فأقر عينك بهذا .
أنا أخاطب الشباب الحياة صعبة، فرص العمل قليلة، تأمين البيوت صعب، الزواج صعب، أنت عليك أن تكون مستقيماً وعلى الله الباقي، لأن الله أنشأ لك حقاً عليه، قال : حق المسلم على الله أن يعينه إذا طلب العفاف .
أيها الإخوة، في السيرة ملامح رائعة جداً، أن السيدة خديجة لم يأتِ الوحي بعد، لم يأتِ القرآن بعد، لم يتكلم النبي بعد، مركوز في أعماق أعماقها أن المستقيم لن يضيعه الله عزوجل .
والله مرة أخ من إخوتي الكرام استيقظ صباحاً على صوت امرأته تولول، مالك ؟ قالت : ابنتي أصيبت بالشلل، قال كلمة تأثرت لها : والله ما كان الله ليفعل بي ذلك ، له ثقة بالله، ثم ثبت أن هناك مرضاً يشبه الشلل بعد ساعات يزول، له ثقة بالله عزوجل .
أنا أتمنى عليكم أن تثقوا بالله، لا يضيعك الله، كن معه، كن لي كما أريد كن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من جعل الهموم هما واحدا، هم آخرته، كفاه اللَّه هم دنياه ))

[عن ابن مسعود]

اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، هم في مساجدهم والله في حوائجهم .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (40-57) : إعادة بناء الكعبة – بعض أخلاق وشمائل النبي لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-06-12 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس