معاني الجهاد في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

الجهاد فهو أصل في الدين، وكما أن في التعليم تعليماً أساسياً لا يصح ولا يسمح للطالب أن ينتقل إلى التعليم الثانوي قبل أن ينجح في التعليم الأساسي، كذلك في الجهاد؛ هناك جهاد أساسي وهو جهاد النفس والهوى، دليله في قوله تعالى :

(وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا)

أي بالقرآن، وفي قوله تعالى :

(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)

الجهاد الأساسي الأول جهاد النفس والهوى

وهذا الجهاد عند ابن القيم في زاد المعاد أربعُ مراتب استقاها من سورة العصر :

إحداها : أَنْ يُجاهِدَ نفسه على تعلُّم العلم من العلماء الربانيين، المحققين الورعين

فلا فلاح للنفس، ولا سعادة فى معاشها، ومعادها إلا به، ومتى فاتها هذا العلم، شقيت فى الدَّارين.
إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، ابن عمر ! دينك دينك … إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا

الثانية : أن يُجاهد نفسه على العمل به

وإلا فمجرَّدُ العلم من دون عمل لاقيمة له فهو إن لم يَضُرَّها لا ينفعْها .

الثالثة : أن يُجاهد نفسه على الدعوة إليه، وتعليمِهِ مَنْ لا يعلمهُ

وإلا كان مِن الذين يكتُمون ما أنزل الله مِن الهُدى والبينات، ولا ينفعُهُ علمُهُ، ولا يُنجِيه يوم القيامة.

الرابعة : أن يُجاهِد نفسه على الصبر على مشاقِّ طلب العلم، والعمل به، والدعوة إليه

فإذا استكمل المسلم هذه المراتب الأربع، صار من الربَّانِيينَ، ومن المجمع عليه على أن العَالِمَ لا يَستحِقُّ أن يُسمى ربَّانياً حتى يعرِفَ الحقَّ، ويعملَ به، ويُعَلِّمَه، ويصبر على طلبه، والعمل به، والدعوة إليه

والجهاد الأساسي الثاني هو الجهاد البنائي

ودليله في قوله تعالى :

(وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ)

والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، هؤلاء الأعداء الأقارب والأباعد، حققوا شروطاً صعبة جداً، بنوا بها قوتهم، خلال مئات من السنين، فأملوا بسبب قوتهم إرادتهم، وثقافتهم، وإباحيتهم على بقية الشعوب، فأفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة
ونحن المسلمين ينبغي علينا من خلال الأمر القرآني لنا أن نعد لهم ما نستطيع من قوة ؛ بمفهوم القوة الواسع:

مفهوم القوة الواسع

فالآباء ينبغي أن يعرفوا أن الأبوة رسالة ومسؤولية، وأن تربية أولادهم أعظم كسبهم،
والأمهات ينبغي لهن أن يتفرغن لتربية أولادهن والعناية بهم، كي تتماسك الأسر، ويكون الأولاد لبنات في بناء المجتمع،
ومعلمنا ينبغي له أن يحمل رسالة سامية يسعى إلى تحقيقها، وطالبنا ينبغي أن يتفوق ،
وعاملنا ينبغي أن يتقن عمله،
وفلاحنا ينبغي أن يرتبط بأرضه ليزرعها،
وموظفنا ينبغي أن نعطيه حقه، وينبغي له أن يتفانى في خدمة المواطنين،
وقاضينا ينبغي أن يعدل،
والأستاذ الجامعي ينبغي أن يؤثر خدمة أمته، على حظوظه من دنيا الآخرين،
وداعيتنا ينبغي أن ينصح لا أن يمدح،
وضابطنا ينبغي له أن يوقن أن المعركة مع العدو قادمة لا محالة، وأن حديث العدو عن السلام مراوغة، وكذب، وكسب للوقت ليس غير،
وثرواتنا ينبغي أن تستخرج، ومصانعنا ينبغي أن تطور،
وأرضنا ينبغـي أن تستصلح، ومياهنا ينبغي أن يرشد استهلاكها،

كيف نحقق الجهاد البنائي

وهذا لا يكون إلا
1. بإيمان بالله، يحملنا على طاعته،
2. وإيمان باليوم الآخر يمنعنا أن يظلم بعضنا بعضاً،
3. وأن نطلب جزاء جهدنا وجهادنا في الجنة، وهذا نوع من الجهاد لا تقطف ثماره عاجلاً بل آجلاً .
4. أن نكون فاعلين لا منفعلين فحين تقول للطالب ـ مثلاً ـ : واصل دراستك وكن متفوقاً، وخطط لسنوات قادمة لتكون شيئاً مذكوراً في حياة الأمة، ومستقبلها لاستثقل هذا، وآثر سماع الأخبار، وأن يكون منفعلاً لا فاعلاً، إن بعض الاندفاع قد يضاعف المعاناة بدلاً من حلها، فكما أننا نصغر أمام شاب يموت في سبيل الله، وفق منهج الله، كذلك نحن في أمس الحاجة إلى شاب يعيش في سبيل الله ويقدم لأمته كل خير.
5. والغفلة عن المستقبل ستجعلنا مشغولين أبداً بإطفاء الحرائق هنا وهناك عن العمل الجاد الذي يخفف المعاناة عن أجيالنا اللاحقة وأن علاج الجرح المفتوح على أهميته يجب ألا ينسينا التفكير في مستقبل أجيالنا التي سوف تتساءل : هل تركنا لها شيئاً آخر غير الجراح ؟!
6. ينبغي أن يفكر الفرد الواحد في الموقع الذي يفرغ فيه طاقته، ويؤدي من خلاله دوره ورسالته . وبتحديد هدفه والمسير إليه، بخطى ثابتة، وبعد أن يقطع مراحل منه، فيكون قد رسم الهدف وحدد الطريق وبدأ السعي .. وهذا يوصل وفق السنة الربانية إلى الهدف ، ثم تتزايد الأعداد الإيجابية التي تمارس دورها بشكل صحيح، بدلاً من أن تكون هذه الأعداد تتساءل فقط ماذا نعمل ؟ ثم لا تعمل شيئاً.
7. أما المسلم المخلص فيكفي أن يبذل جهده وطاقته ولا يدخر منها شيئاً في موقع معين ، ثم لا يضيره أن تتحقق النتائج على يد غيره بعد وضع الأساس وبدء البناء .
8. إن رَفْع المعاناة عن الأمة يتطلب عدداً كبيراً من المؤمنين الواعين المخلصين المضحين في جميع الميادين، وهذا ما يجب السَّعْي إليه، ولأن ينجح أحدنا في إعداد مجموعة من المواطنين إعدادًا إيمانياً، وعلمياً، وعقلياً، وخلقياً، ونفسياً، واجتماعياً، وجسدياً … أحب، وأنفع من أن يلقي بنفسه في أُتون نار تقول : هل من مزيد، إن النجاح يكمن في أن يستخدم المرء عقله قبل يده، كما يفعل أعداؤنا. يقول الإمام علي رضي الله عنه :

الناس ثلاث، عالم رباني، و متعلم على سبيل النجاة، و همج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم، و لم يلجئوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا بني أن تكون منهم

9. الحذر الشديد من الوقوع في فخاخ تنصب لأبناء أمتنا العربية والإسلامية، قد يوقعهم فيها ذهول الصدمة، أو ثورة الحماس . إن أكثر ما نحتاج إليه في أمور كثيرة من حياتنا هو التوازن، والانطلاق من الثوابت الراسخة، من غير أن يفقدنا التأثر بالأفعال وردود الأفعال الرؤية الصحيحة، ولا نحتاج إلى كبير عناء لنكتشف أن كثيراً من خطايانا وأخطائنا كانت نتيجة جنوح في النظرة بعيداً عن التوازن والاعتدال المطلوب .
10. إن للمشاعر حقها في أن تغلي وتفور، أما الأفعال فلابد أن تكون مضبوطة بهدي المنهج الرباني، ومقاصد الشرع، وضوابط المصلحة، ولا يكون ذلك إلا بالرجوع إلى العلماء الربانيين الورعين، الذين لا يجاملون مصالح الخاصة، ولا يتملقون عواطف العامة، وقد كان العلماء على تعاقب العصور صمام أمان عندما تطيش الآراء وتضطرب الأمور، قال تعالى :
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ
ولذا فإن من أعظم ما يوصى به في مثل هذه الأحداث العامة كبح جماح الانفعالات، بحيث لا تنتج اجتهادات خاصة ربما جنى بعضها أول ما يجني على المسلمين ومصالحهم، وأن يكون عند المسلمين بخاصة برغم حرارة الانفعال وشدة التأثر تبصر في معالجة الأمور، فينبغي ألا يخرجنا التأثر إلى التهور، ولا الحماس إلى الطيش، وإن الحماس طاقة فاعلة منتجة إذا وجهت في الطريق الرشيد، وإن العبرة ليست بتنفيس المشاعر، وتفريغ العواطف، ولكن العبرة بتحقيق المصالح، ودرء المفاسد .

الجهاد القتالي

فإذا نجحنا في الجهاد النفسي والبنائي، فينتظر أن ننجح في الجهاد القتالي

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: الخطبة الإذاعية (73) : خ1 – الغلو في الدين ، خ2 – التعاونِ والتكاتفِ والتناصرِ.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-06-16 | المصدر

مترجم إلى: اللغة الإنجليزية

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس