نزول الوحي والبعثة النبوية

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الأخوة الكرام، مع موضوع جديد من موضوعات فقه السيرة النبوية، وموضوع اليوم نزول الوحي والبعثة النبوية .

ماذا يعني سن الأربعين ؟

أيها الأخوة، بدأ نزول الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعمره أربعون عاماً، وسوف نقف وقفة متأنية عند كلمة ( أربعين عاماً )، لأن هذا السن سن النضج،
قال تعالى:

(أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ)

[سورة فاطر الآية : 37]

قال الإمام القرطبي: النَّذِيرُ هو سن الأربعين ، فمن دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة,

من أتت عليه أربعون سنة ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار

[ورد في الأثر]

ورحم الله القائل :

إلى متى أنت باللذات مشغول*** وأنت عن كل ما قدمت مسؤول

الفرق بين كلمتي التراث والوحي :

أيها الأخوة، قصة بدء نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة بنص صحيح من حديث عروة بن الزبير .
هناك من يظن أن الإسلام تراث، التراث أرضي، الإسلام وحي السماء، فرق كبير بين الثقافات التي هي من صنع البشر, وبين وحي السماء الذي هو من عند خالق البشر، كما أن فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، إذاً: بين وحي السماء الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وبين ثقافات الأرض كما بين الأرض والسماء .
إذا قلنا: وحي فهذا شيء آخر، حق صُراح، ليس فيه باطل ولا شك، لا يعدّل، ولا يبدّل، ولا يغيّر, ولا يطوّر، ولا يحذَف منه، ولا يضاف عليه.

بدايات نزول الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام :

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ:

أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ

[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ,
فَقَالَ:

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ

[أخرجه مسلم عن ابن عباس في الصحيح]

إما أن تكون بشارة، وإما أن تكون لفت نظر، الرؤيا طريق مباشر بين العبد وربه ، فكان عليه الصلاة والسلام قبل نزول الوحي يرى الرؤيا الصالحة فتأتي مثل فلق الصبح، ولعل الرؤيا الصالحة من تكريم الله للإنسان,

وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ( أي يتعبد) اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ, قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا

[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]

الإنسان أحياناً يسعد إلى الأبد بلحظة تفكير صادقة,
قال تعالى:

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)

[سورة آل عمران الآيات : 190 ـ 191]

إذًا: كان عليه الصلاة والسلام يتفكر في غار حراء الليالي ذوات العدد، فعلى كلِّ مؤمن أن يتفكر كل يوم بعض الوقت في خلق السموات والأرض .
أيها الأخوة، إذا كان في القرآن الكريم آية فيها أمرٌ, ماذا تقتضي هذه الآية؟ أن تأتمر ، وإذا كان في القرآن الكريم آية فيها نهي, ماذا تقتضي هذه الآية؟ أن تنتهي، وإذا كان في القرآن الكريم مشهد من مشاهد يوم القيامة, ماذا تقتضي هذه الآية؟ أن تبادر إلى أسباب الجنة ، وأن تبتعد عن أسباب النار، وإذا كان في القرآن الكريم قصص الأولين, ماذا تقتضي هذه الآية؟ أن تتعظ، وأن تجتنب أسباب هلاك الأمم، وإذا كان في القرآن الكريم 1300 آية كونية ماذا تقتضي هذه الآيات؟ أن تتفكر في هذه الآيات، وهذه الآيات في الحقيقة هي منهج بحث عن الله عز وجل .
أنت حينما تجول في آيات الله الدالة على عظمته تعرف الله، ومعرفة الله أصل الدين، وهذا الذي يقع في العالم الإسلامي من تفلت لا بسبب جهل المسلمين بأحكام الفقه، ولكن بسبب جهل المسلمين بالذات الإلهية، إذا عرفت الآمر، ثم عرفت الأمر, تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر، ولم تعرف الآمر, تفننت في التفلت من الأمر .
أيها الأخوة, سيدنا نُعيم ابن مسعود زعيم قبيلة غطفان، جاء المدينة ليحارب النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، وهو في خيمته، وقد أصابه أرق، خاطب نفسه، وقال: يا نُعيم، ما الذي جاء بك إلى المدينة؟ لتقاتل هذا الرجل الصالح, ماذا فعل؟ أَنتهك عرضاً؟ أسلب مالاً؟ أسفك دماً؟ أين عقلك يا نُعيم؟
أنا أتمنى عليكم جميعاً أن تخلو أحيانا بأنفسكم، أن تفكر من أنا؟ ماذا هدفي في الحياة؟ ماذا بعد الموت؟ ماذا أعددت لآخرتي؟ دقق في أعمالك، في كسب مالك، في إنفاق مالك، في تربية أولادك، هل حرفتك ترضي الله أم لا ترضي الله؟ لا ينبغي أن تأخذك الدنيا،
قال تعالى يصف عباده المؤمنين:

(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً)

[سورة الفرقان الآية : 63]

ما معنى هوناً؟ لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي هوناً، كان إذا مشى كأنه ينحط من جبل، إذاً: ما معنى, قوله تعالى:

(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً)

أي يمشي بتؤدة فكرية، لا يسمح للدنيا أن تأخذه، لا يسمح للدنيا أن تنسيه هدفه، لا يسمح للمصائب أن تنقله إلى اليأس والقنوت، واعٍ، متبصر، متفائل .

المرحلة الأولى التي نزل بها الوحي على النبي على شكل مادي مرئي :

أيها الأخوة,
وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ( أي يتعبد ) اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ, قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي( معنى غطني أي عصرني، لئلا يتوهم متوهم أن الوحي منام، تأمل، حلم، لا، الوحي شيء مادي) حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ـ (أي التعب والإعياء ) ـ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ( جاء الوحي على شكل مادي ) ـ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ:

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)

فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَ:

زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي ـ ( أي دثروني، ضعوا علي الدثار) فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ

[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]

قال تعالى :

(وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)

[سورة الشورى الآية : 29]

(وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ)

[سورة فصلت الآية : 37]

(وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)

[سورة الروم الآية : 21]

عظيم عظماء الأرض، سيد ولد آدم، حبيب خالق الأكوان، أصابه خوف, من الذي هدأ روعه؟ زوجته، أريت إلى هذا الدور الخطير، لذلك السيدة خديجة كانت سنده من الداخل، وحينما توفيت سُمي العام الذي توفيت فيه بعام الحزن,

حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا

[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]

أيها الإخوة، لم يكن هناك وحي، ولا حديث شريف، ولا أحكام، قالت هذه الزوجة العظيمة: كلمة الفطرة،

قالت له: كَلَّا، وَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ

[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]

أيها الأخوة، أيها الشباب، دققوا فيما سأقول: أنت أيها الشاب ما دمت مستقيماً، ما دمت غاضاً لبصرك, ما دمت صادقاً في كلامك، ما دمت أميناً على ما ائتمنت عليه، ما دمت باراً بوالديك، لك هذه البشارة، هذه البشارة قانون، والله لا يخزيك الله أبداً، في أي عصر، في أي مكان، في أي مصر، في أي ظرف, صدق القائل:

كن مع الله تـر الله معك***واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنـعه***ثم من يعطي إذا ما منعك

أيها الأخوة, الإنسان إذا تزوج، واختار زوجته بطريقة تروق له، واكتفى بمتعة أن يملأ عينيه من محاسنها، ولم تكن في مستواه الفكري، فهذا الزواج لا ينجح، وسريعاً ما يمل كل طرف صاحبه، لكن إذا كانت الزوجة على جانب من العلم يحصل بينك وبينها مشاركة فكرية، مشاركة وجدانية، فهذا الزواج ناجح, أنت تسعد بزوجة تشاركك همومك، تشاركك في مبادئك، وفي قيمك, وفي طموحاتك، فلذلك تعلُّم الفتاة له معنى كبير، لأنك إن علّمت شاباً علّمت واحداً، أما إن علّمت فتاة علمت أسرة بأكملها .
السيدة خديجة أكبر دليل على أنها كانت سند النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن أبلغ شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم أنه حينما فتح مكة، ودعاه سادة قريش ليبيت عندهم، قال : انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، وركز لواء النصر أمام قبرها، ليعلم أهل الأرض أن هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر، هذه الحياة الزوجية الراقية، أن تكون زوجتك قريبة من طموحاتك، ومن همومك، ومن أهدافك .

استشارة ورقة بن نوفل

أيها الأخوة,

فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى ، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ : نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا

[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]

معنى ذلك أن معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية، من بدء الخلق إلى يوم القيامة ، ليمتحن الله المؤمنين، ولولا هذه المعركة لما كانت جنة، أليس الله قادراً أن يخلق الكفار في قارة، والمؤمنين في قارة؟ أليس الله قادر أن لا يكون هناك بدر، ولا أحد، ولا الخندق، ولا فتح مكة، وكل الناس مؤمنون مسالمون؟ عندئذٍ ليس هناك جنة,
قال تعالى:

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا)

[سورة البقرة الآية : 214]

(إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً)

[سورة الأحزاب الآية : 10-11]

لذلك حينما تأتي المحن تكون بعدها المنح، حينما تأتي الشدائد يكون بعدها شَدة إلى الله عز وجل .
فالشدائد والضغوط تصنع الرجال، وتصنع البطولات، وقد تكون سبباً لدخول الجنة، الدنيا ليست دار جزاء وإنما دار ابتلاء، واسم الله عز وجل العدل محقق في الدنيا جزئياً، بينما هو محقق يوم القيامة كلياً,
قال تعالى:

(يَبدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)

[سورة يونس الآية : 34]

(لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى)

[سورة طه الآية : 15]

ليست العبرة أن تسلم من كل مصيبة، العبرة أن تقف الموقف الكامل مع كل مصيبة .

المسؤولية التي أنيطت بالنبي اتجاه أمته :

أيها الأخوة، يروى أن السيدة خديجة دعت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أخذ قسط من الراحة، بعد ما أصابه ما أصابه، فقال كلمة, والله كلما ذكرتها اقشعر جلدي: انقضى عهد النوم يا خديجة،
هل تحمل هم الناس؟ هل تحمل متاعبهم؟ هل تفكر بالتخفيف عنهم؟ هذا الذي يعيش لذاته لا وزن له عند الله، هل فكرت يوماً لحل مشكلة لمن حولك؟ حل مشكلة شاب، مساعدة ضعيف، معالجة مريض، هل فرحت لخير أصاب المؤمنين؟ هل تألمت لشر أصابهم؟ أم لا يعنيك ذلك إطلاقاً، والله ما لم نحمل هموم بعضنا، ما لم نسعى لتخفيفها، فلا وزن لنا عند الله إطلاقاً،
كان عليه الصلاة والسلام, يقول:

لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا

[أخرجه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء]

لأنه كان يحمل هم البشرية، وكلما اتسعت دائرة اهتمامك ارتقى مقامك عند الله,

المرحلة الثانية التي أتى بها الوحي للنبي بعد انقطاع عنه :

أيها الأخوة، لقد كان بدء نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، ونزول صدر سورة ( اِقْرَأْ ) نقطة تحول في تاريخ البشرية، نقلتها من طريق الاعوجاج والظلام إلى طريق الهدى والنور، إلى طريق الله المستقيم، المؤدي إلى النجاة في الدنيا والآخرة .
أيها الأخوة،
يقول عليه الصلاة والسلام:

بينَمَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السّمَاءِ، فَرَفعْتُ رَأْسِي فإذَا المَلَكُ الّذِي جَاءَنِي بِحراءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيّ بَيْنَ السّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَثِثْتُ مِنْهُ رُعْباً، فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمّلُونِي، زَمّلُونِي، فَدَثّرُوني

[أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله في الصحيح]

فأنْزَلَ الله تعالى قوله:

(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)

[سورة المدثر الآية : 1-5]

أيها الأخوة، قال لها: انقضى عهد النوم يا خديجة، وقد ثبت أن الوحي نزل عليه أول ما نزل يوم الاثنين، كما أن المشهود أن ذلك حصل في شهر رمضان،
قال تعالى:

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)

[سورة البقرة الآية : 185]

والوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظير الوحي الإلهي إلى الأنبياء السابقين,
قال تعالى :

(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً)

[سورة النساء الآية : 163]

أخواننا الكرام، أقرباؤك لهم ميزة، أنه ليس بينك وبينهم حاجز، أنت هل تستطيع أن تمشي في الطريق، وأن تمسك بيد إنسان، وأن تقول له: تعال معي إلى أعرفك على طريق الإيمان؟ لا تستطيع، أما أخوك، ابن أخيك، ابن عمك، ابن خالتك، صديقك، زميلك، جارك،

(قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)

[سورة المدثر الآية :2-3]

عرفهم بعظمة الله عز وجل، دلهم على الله, عرفهم واجبهم اتجاه دينهم .
اسمعوا هذه الكلمات: من أطاع مخلوقاً, وعصا خالقاً ما قال الله أكبر ولا مرة، ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه رأى أن طاعة هذا المخلوق أثمن عنده من طاعة الله، فكلمة الله أكبر قالها كاذباً, من أطاع زوجته, وعصا ربه ما قال الله أكبر ولا مرة، ولو رددها بلسانه ألف مرة، من غش الناس، وجاء ليصلي، وقال: الله أكبر فهو كاذب، لأنه رأى أن هذا المبلغ الكبير الذي حصله من غش الناس أكبر عنده من الله، لذلك الله أكبر يجب أن تستند إلى واقع، وإلا أصبحت كلمات المسلمين كلمات مفرغة من مضمونها، لا تعني شيئاً، تقول: الله أكبر، وكل شيء عندك أكبر من الله .

أوصاف الوحي كما بيّنها النبي :

أيها الأخوة, الآن إليكم بعض أوصاف الوحي، كان عليه الصلاة والسلام يعاني من التنزيل بشدة, فكان جبينه يتفصد عرقاً، في يوم الشديد البرد، وكان وجهه يتغير، ويبدو عليه علامات التعب الشديد، وكان جسمه يسخن،
يقول زيد بن ثابت:

فأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي

وكان يركز ذهنه بشدة لحفظ القرآن، فيحرك به لسانه وشفتيه من شدة اهتمامه،
فنزل قوله تعالى:

(لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)

[سورة القيامة الآية : 16-19]

وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ القرآن الكريم يدفعه إلى التعجل في تلقيه، والشوق إليه، وقد بينت ذلك الآية الكريمة:

(وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)

[سورة طه الآية : 114]

وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم, كيف يأتيه الوحي حين قال:

أَحْيَانا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ الصلصلة صوت الحديد إذا اصطدم بعضه ببعض, وَهُوَ أَشَدّهُ عَلَي، فَيَفْصِمُ عَنّي، وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانا يَتَمَثّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُول

[أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في الصحيح]

وكان الوحي يأتيه في اليقظة كما تدل على ذلك الأحاديث الصحيحة، استغرق نزول الوحي 23 سنة، منها 13 عاماً بمكة المكرمة، وعشر سنين في المدينة،

تفسير ظاهرة الوحي :

أيها الأخوة، إن ظاهرة الوحي معجزة خارقة للسنن الطبيعية، حيث تلقى النبي صلى الله عليه وسلم كلام الله بوساطة جبريل عليه السلام، وبالتالي فلا صلة لظاهرة الوحي بالإلهام ، ولا بالتأمل الباطني، ولا بالاستشعار الداخلي، بل إن الوحي يتم من خارج الذات المحمدية المتلقية له، ودون أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم أي أثر في الصياغة والمعنى، القرآن الكريم وحي متلو، وتنحصر مهمة النبي صلى الله عليه وسلم بتلقي الوحي، وحفظ الموحى به وتبليغه، أما بيانه وتفسيره فيتم عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم بأسلوبه، وبلفظه، كما تدل على ذلك الأحاديث المحفوظة، وهو أسلوب مغاير تماماً لأسلوب القرآن الكريم,
قال تعالى:

(لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)

[سورة فصلت الآية : 42]

ديننا ليس تراثاً، وليس ثقافة، ولكنه وحي السماء،
وقد قال الله عز وجل:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً)

[سورة المائدة الآية : 3]

قال علماء التفسير: الإتمام عددي، والإكمال نوعي، أي أن عدد القضايا التي عالجها الوحي تامة عدداً، وأن طريقة المعالجة التي تمت كاملة نوعاً، وأية إضافة على الدين اتهام له بالنقص ، وأي حذف منه اتهام له بالزيادة .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (10-57) : نزول الوحي والبعثة النبوية .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-07-04 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس